يقول الدكتور علي عبد الحليم محمود “إن الغزو الفكري أشد عنفًا من الغزو العسكري لأن الأمة المهزومة فكريًا تسير إلى غازيها عن طواعية وإلى جزارها عن رضا واقتناع وحب ولا تحاول التمرد أو الخلاص”
فماذا إذا كان الغزو الفكري مصاحبًا للغزو العسكري؟!
هذا ما نجده واضحًا جليًا في فيلم “أيام المجد” أو التسمية الأدق له “بلديون” وتعني السكان الأصليين أي سكان المستعمرات الفرنسية
لازم نحرر فرنسا من قبضة الألمان.. هيا
لازم نغسل راية فرنسا بدمنا.. هيا اخرجوا يا رجال
لازم نحرر فرنسا ونخرجه من المأزق اللي يعيش فيه مع الألمان
يبدأ الفيلم بهذه الكلمات الصادرة من رجل جزائري يبدو عليه الحماس والعزيمة
يتبعه مشهد آخر من أجمل مشاهد الفيلم حيث تحاول أم سعيد أحد الأبطال الأساسيين منع ابنها من الخروج للحرب مع فرنسا بدافع الخوف من فقدانه كما فقدت جده من قبل “ناكل تراب الأرض وما تضيعش مني” هكذا قالت..
رغم ذلك لم تستطع صرفه عن مقصده!
تدور أحداث الفيلم عام 1943 أيام الحرب العالمية الثانية حيث انضم قرابة 233000 جندي عربي من شمال إفريقيا التي كانت بلادهم حينئذ مستعمرات فرنسية إلى الجيش الفرنسي للدفاع عن فرنسا في محاولتها للتحرر من هيمنة النازية عليها.
يتناول الفيلم تجربة أربعة من الجنود الجزائريين باختلاف شخصياتهم وأهدافهم ودوافعهم لخوض هذه المعركة
ياسر الذي يريد الحصول على المال للمساعدة في زواج أخيه
عبد القادر المؤمن بكلام شارل ديجول عن الحرية والمساواة
مسعود الذي يحب فتاة فرنسية ويرغب في الزواج منها وإثبات شجاعته أمامها
سعيد الشاب المذبذب صاحب الإعاقة في يده اليمنى الذي يحاول إثبات نفسه واستغلال قائده له في خدمته!
هؤلاء الشباب رغم اختلافهم يجدوا أنفسهم في الخطوط الأمامية من الحرب في معركة واحدة هدفها تحرير فرنسا –الدولة المحتلة لبلادهم- بالسلاح.
ورغم ذلك تظهر تفرقة قادة الجيش بين الجنود الفرنسيين وغيرهم ابتداءً من الطعام والإجازات حتى وسائل الترفيه ذات الطابع الغربي غير المناسب للجنود العرب والمسلمين .
مع كل هذا يستمروا في المعركة إلى النهاية ويرفضوا الاستسلام لليأس والخوف أو لمحاولة الجيش الألماني استمالتهم للحرب في جانبه.
تنتهي الحرب بانتصار فرنسا وهزيمة ألمانيا كما نعرف جميعًا وينتهي الفيلم نهاية صادمة بعبد القادر -الناجي الوحيد من الأبطال الأربعة- وقد أصبح شيخًا كبيرًا بعد ستين عامًا من نهاية الحرب يزور قبور زملائه تخليدًا لذكراهم حيث أكمل حياته في القرية الفرنسية -التي كان سببًا في تحريرها- وحيدًا في بناية متواضعة لا تليق ببطل مثله شارك في تحرير فرنسا!
تم ترشيح الفيلم لجائزة أفضل فيلم غير أمريكي في مهرجان الأوسكار وحصل على جائزة أحسن تمثيل في مهرجان كان بفرنسا مقاسمة بين أبطاله الأربعة
وفاز بحوالي 9 جوائز كما تم ترشيحه ل 14 جائزة أخرى
إلا أن الفوز الأكبر كان بعدما أمر الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعد مشاهدته بزيادة التعويضات الشهرية المدفوعة للمحاربين القدامى من شمال إفريقيا وتكريم من زالوا على قيد الحياة منهم..
وأُطلق عليه لذلك الفيلم الذي أبكى الرئيس وحرمه!
وهذا الفيلم يُعد من الأفلام القليلة التي أحدثت تغييرات كبيرة في بلدانها والتي دونت بعضًا من تاريخنا العربي المسكوت عليه حيث نبش مخرجه رشيد بوشارب عن صفحات منسية في هذا التاريخ مبينًا الظلم الذي تعرض له جنود المستعمرات الفرنسية أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها بعدم مساواتهم بالجنود الفرنسيين سواء في المعاملة أو التعويضات والتقدير رغم اشتراكهم في تحرير بلاد ليست ببلادهم!
وكما قلنا رغم اختلاف دوافع الجنود الذين شاركوا في هذه الحرب من حب فرنسا.. حب الجيش الفرنسي.. المال.. النساء.. الإيمان بالحرية والمساواة
إلا أنهم رغم وجود الغزو الفكري القوي المصاحب للغزو العسكري لبلادهم من فرنسا ما كانوا ضحوا بحياتهم من أجل قضية ليس لهم فيها أي مكسب حقيقي!