لا أجر بالمجان، لكن يمكنك الحصول على أجرك من أي مكان

الأجر مقابل العمل
في إحدى اللقاءات العائلية -التي أصبحت لا تحدث إلا في المناسبات الاجتماعية والأعياد الرسمية- سمعت حوارًا بين أحد شباب العائلة وإحدى قريباته حول موضوع التربية، سألَته هذه القريبة عن أحواله وعما يفعله وما سبب انشغاله الدائم عن عائلته؟ فأوضح لها الشاب طبيعة نشاطاته اليومية من أعمال، وكان ضمن ما ذكر عمله التطوعي.
فقالت القريبة: ما أصعب أيامكم هذه يا بني! ما يضطركم للعمل لساعات طويلة تزيد عن اثني عشر ساعة ومنكم من يعمل فى عملين مثلك ليجني لقمة العيش، فما أكثر متطلبات الحياة وتكاليفها في وقتكم الحالي!
فقال الشاب: يا عزيزتي إنني لا أعمل فى وظيفتين مقابل مرتب كما ظننتي، العمل التطوعي هو عمل دون مقابل مادي.
فقالت: هوّ في عمل من غير فلوس؟!
ما هو مفهوم الأجر ؟
نزل كلامها كالصاعقة بالنسبة لي فأنا لم تخطر لي هذه الفكرة من قبل، هل كل عمل يجب أن يقابله المال كمقياس وحيد مقابل الجهد الذي يبذل فى عملٍ ما؟ ما معنى أو مفهوم العمل التى تقصده هي؟ وما هي علاقته بالمال؟ ما أهمية المال ووظائفه ليصبح مقياسًا وحيدًا لتقييم العمل؟ وما هي النظريات التي سبق لي دراستها فى هذا الأمر؟ ومع أي النظريات كنت أرجح؟ أهناك من لا يعرف ما هو العمل التطوعي وأهميته للفرد والمجتمع؟ كنت أحاول أن أتأمل قليلا في هذا الموضوع ولكن سرعان ما عدت للاهتمام بباقي الحوار الدائر بينهما.
فقال: أعتقد أن العمل دون مقابل مادي هو الأصل يا عزيزتى –وفي ظل نكرانها وتغير لون وجهها إلى الأحمر استكمل الشاب حديثه– أنا أتفق معكي أنه ليس هناك عمل بلا أجر ولكن أعتقد أن مفهومنا للأجر هنا مختلف فأنتِ حصرتي الأجر في المال فقط وأنا أرى الأجر أوسع من ذلك مثل وجودي معكم اليوم؛ فابتسامتك الجميلة فى وجهي عند اللقاء، أنا أعتبرها أجرًا، وكل دقيقة أمضيها معكم ليس في مقابلها مال وإنما سعادة معنوية، كذلك هناك أجر من وراء عملي التطوعي أوسع من المال.
ثم تطرق الحديث إلى أمر آخر وأعتقد أنه مازال كل منهما عند رأيه أو مفهومه المختلف عن الآخر الذي اكتسباه من المعرفة وخبرات الحياة المختلفة.
وانعزلت بنفسى عن الجميع لأعود للتفكير ولصراع الأفكار في رأسي، ولكن هيهات فى لقاء كهذا، فسرعان ما جاءنى أحد الجلوس ممن هو أصغر مني سنا وعلى وجهه حيرة ويبدو أن تساؤلاته ساقته للبحث عني وبدأ بطرح أسئلة كثيرة حول نفس الموضوع.
الصغير: سمعتي ما دار من حديث فى الداخل؟
أنا: أجل كل من كان فى الداخل سمع الحوار.
الصغير: أنا لم أفهم.
أنا: ما الذى لم تفهمه؟
الصغير: من منهم على صواب ومن منهم على خطأ أم كليهما على صواب؟ أهناك عمل بلا أجر؟ هل كل عمل يجب أن يكون مقابله مال؟
فلنفهم أولاً يا صغيري
أنا: تمهل قليلا ولنناقش تلك الأفكار بهدوء قبل أن نصدر الأحكام. أنت تعرف أن من يكبرونا سنا يعرفون عن الدنيا ما لم نتعرف عليه بعد لصغر سننا، بالتالي نحن نتعلم منهم وأعتقد رغبتك في العلم هي ما تحملك على التساؤل. لكي نفهم كلامهم يجب أن نتعرف على بعض المفاهيم التي تحدثوا عنها مثل العمل والأجر والمال.
فالشاب يعتقد أن العمل هو الجهد الذي يقوم به الإنسان خلال وقت فى فعل أمر ما. دائمًا يا صغيري المثال يقرب المفهوم ويوضحه، فأعطى الشاب مثالًا بقدومه اليوم ووجوده بعض الوقت مع أفراد عائلته بأنه عمل، وأيضا يرى الشاب أن الأجر هو العائد الذى يحصل عليه الإنسان في مقابل عمله وأنه واسع ينطوي على أنواع كثيرة منه العائد المادي ومنه العائد المعنوي
وضرب مثالًا على الأجر المعنوي بسعادته التي يحصل عليها كمقابل لوجوده مع عائلته، فهذا مقابل لا نستطيع أن نمسكه فى أيدينا أو حسابه من حيث الكثرة والقلة على عكس المقابل المادي كالمال أو هدية نجاح آخر السنة الدراسية التي تحصل عليها. أما المقابل المعنوي فدائما ما ينطوي عن شعور داخلي نفسي وقد يكون له أثر خارجي مثل الابتسامة على الوجه فى حالة سعادة.
أما الطرف الآخر (القريبة) فكانت تقصد بالعمل الجهد الذى يبذل في الوقت الذى يمضيه الإنسان في فعل شئ ما للحصول على أجر مادي. مثلما والدك الذي درس جيدًا وحصل على شهادة جامعية ويعمل بها في مصنع يعطي فيه جهدًا في وقت محدد، فيقوم بعمله وفي آخر الشهر يحصل على المقابل وهو الراتب وهو عبارة عن كمية من المال ليوفي احتياجاته واحتياجات أسرته.
نستنتج من هذا أن أحد وجهات النظر في الحوار كانت أعم من الأخرى. فالرأي الأول كان أعم وأشمل من الرأي الثاني الذي وإن كان قد أصاب بعض الحق إلا أنه لم يوفر تعريفا شاملا لكل أنواع النفع (المقابل) الذي نجنيه من العمل.
الصغير: لقد فهمت شكرا للإيضاح.
هل الأمر بهذه البساطة ؟
ثم عدت إلى التفكير، هل الأمر فعلا بهذه البساطة؟ أم أن الاختلاف ليس فى المفاهيم فقط إنما في رؤية مختلفة للحياة؟ إن الكثير منا لا يرى في الإنسان غير الجزء المادي والبعض الآخر يرى في الإنسان جزءًا ماديًا وآخر معنويًا ولكل جزء كماله الذي يناسب طبيعته.
هل الحق مع الأكبر في السن؟ وهل يجب أن نقبله دون تحقيق أو تفكير؟ تذكرت هنا أن التفكير في الجزئيات يطول ويتشعب وأن التفكير المنطقي يساعد الإنسان للوصول للكليات التي تشمل وتحتوي على الجزئيات الكثيرة المتشعبة.
فالحوارات السابقة تبدأ وتدور عن أثمن ما يملك الإنسان الذي به توجد الحياة وبانقطاعه تنقطع الحياة وهو الوقت الذي مجمله يعطي العمر والزمن. فالخالق بعدله وحكمته يعطي في كل يوم جديد قدرًا متساويًا للجميع من الوقت فيمنحهم نفس عدد الساعات والدقائق وما هو أصغر من ذلك من وحدات الزمن وإنما يختلفون في طرق إنفاق هذا الوقت. فكل ينفق وقته أو يوزعه حسب رؤيته للحياة.
كيف يرى حياته؟ ماذا يريد منها؟ ماذا يحتاج فيها؟
اقرأ أيضاً:
هل يمكن أن يعيش الإنسان دون أمل ؟
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.