أهل مصر وأهل إيجيبت

نحن الأطباء نتعامل مع طبقات المجتمع كلها كل يوم، ونراهم على حقيقتهم كل يوم. في الثماني سنوات الأخيرة انتشرت كلمة الفارق بين أهل مصر وأهل إيجيبت وكانت الكلمة تعبر عن فكاهة الفارق بين شعبين: شعب نسبته 5%، خريجو مدارس أجنبية ويعيشون في مجتمعات مغلقة (كمباوند)، وشعب نسبته 95%، خريجو مدارس عادية (خاص أو حكومي) ويعيشون في المدن والقرى.
في البداية كانت الكلمة تعبر عن الفوارق الطبقية بطريقة فكاهية، على افتراض أنها الفارق بين الأغنياء والفقراء! لكن بالتدريج أصبحنا نجد أن هناك شرخًا حقيقيًا بين الشعبين!
كلاهما يحتوي الغني والفقير، هناك أغنياء كثيرون في شعب مصر وشعب إيجيبت، وكذلك هناك فقراء كثيرون في كلا الشعبين، هذه حقيقة قد لا يعرفها البعض، الذي يتخيل كل شعب مصر فقراء وكل شعب إيجبيت أغنياء. انزل أي قرية أو شارع، ستجد ناس أغنى بكثير من كثيرين ممن يسكنون في الكمباوند!
كلاهما فيهم المسيحي والمسلم، فيهم الملتزم دينيًا وغير الملتزم،، كلاهما يتكلم العربية والعامية المصرية ويحشر كلمات إنجليزية نوعًا من الوجاهة في وسط الكلام! بس بتاع إيجيبت يحرص على اللكنة الأمريكية في الألفاظ الإنجليزي، في حين بتاع مصر يتكلم كلمات إنجليزي باللهجة المصرية الصعيدية الفلاحي!
كلاهما فيه من هو عالي التعليم، ومن هو منخفض التعليم، كلاهما فيه عالي الذكاء ومنخفض الذكاء، الناجح والفاشل، المجتهد والعالة على أهله، الفارق ليس مستوى تعليم!
لكن مؤخرًا بدأنا نرى أعمالًا درامية وأفلامًا ومسلسلات تحكي عن شعب إيجيبت، وأفلامًا أخرى ومسلسلات تحكي عن شعب مصر، وتوضح لنا أن هناك فارقًا كبيرًا في طريقة الحياة والأفكار، واللغة والكلمات المستعملة!
أصبح بالتدريج هناك فاصل واضح في توزيع السكان، بين شعب مصر وشعب إيجيبت، وأصبح كل من شعب مصر وشعب إيجيبت ينظر كلاهما إلى الآخر بريبة وشك وتوجس وخيفة!
شعب إيجيبت يعيش في أماكن معينة، يذهب إلى أنواع معينة من المؤسسات، يعمل في مجالات معينة.
حين يتعامل مع أشخاص من شعب مصر، يتعامل مع فئة محدودة، حارس الأمن في الكمباوند، السكرتيرة، الست اللي بتيجي تنظف البيت، بتاع توصيل الطلبات، يتعامل معهم بشك وخيفة مع بعض الشفقة.
شعب مصر حين يتعامل مع شعب إيجيبت، يتعامل أيضًا بشك وريبة، ينظر إليهم أنهم لصوص ومريبون، ولديهم شبكة علاقات قوية وقادرة على الأذى، يتعامل معهم ببعض الكراهية المكتومة، مع الشك.
نتيجة ذلك بدأنا نرى ظهور طبقة ثالثة: الطبقة الطفيلية.
هي طبقة تعرف أن شعب إيجيبت أغلبهم معهم فلوس، ويخافون التعامل مع بتوع مصر، والعكس بتوع مصر يخافون ولا يفهمون طريقة كلام بتوع إيجيبت! وحين يتعاملون لا يفهمون بعضهم، أصبحت هناك هوة ثقافية وفارق في اللغة حتى أصبحت فرصة سوء الفهم بين الشعبين عالية!
ظهرت هذه الطبقة الطفيلية، القادرة على التعامل مع الشعبين، تعمل وسيطًا وترجمانًا بين شعب إيجيبت وشعب مصر.
سيارة أحدهم في شعب إيجيبت فيها عطل، والتوكيل أسعاره غالية، يظهر الوسيط كي يأخذ السيارة ويصلحها عند ميكانيكي في شعب مصر، في الأماكن التي يخاف بتوع إيجيبت منها، شبرا وإمبابة وصفط اللبن والخصوص والقومية، إلخ.
واحد من بتوع إيجيبت محتاج تخليص مصلحة حكومية، أو التعامل مع الكائنات الفضائية التي تعمل في المؤسسات القومية مثل الصحافة أو المحاكم، إلخ، هنا يحتاج إلى وسيط ومترجم يتقن لغة أهل إيجيبت، وأيضا لغة أهل مصر.
واحد من بتوع إيجيبت عايز يعيش في دور تمثيلية سرسجي، واحدة من بتوع إيجيبت أهلها صرفوا عليها دم قلبهم، تعيش في دور البت نعناعة سليطة اللسان الرخيصة البجحة بتاعة الكلام القذر!
واحد من بتوع مصر عايز يعيش في دور بتوع إيجيبت يعوج لسانه في الكلام يمكن الناس تفتكر إنه من بتوع إيجيبت.
أصبحنا نجد أشخاصًا أصابهم الفقر، بعد أن كان غنيًا، مثلًا رجع من الخليج اشترى شقة في كمباوند، ثم تعطل عن العمل، إلخ، ويعيش في الكمباوند، في ضائقة مالية رغم المصاريف العالية، لكنه خائف من الخروج إلى الشارع والحياة مع شعب أهل مصر الذي يسمع عنهم في مسلسلات محمد رمضان أنهم بلطجية ولصوص وبتوع توك توك وميكروباص!
أعتقد أن هذه الظاهرة التي بدأت كنكتة وفكاهة تعد ظاهرة خطيرة، انقسام شعب، ليس على أساس الدين ولا اللغة ولا القومية ولا العنصرية، لكن على أساس الطبقية، حتى أصبح كل شعب منهما لا يفهم لغة الآخر وعادات وتقاليد الآخر، ويخاف من الآخر، ولا يستطيع التعامل مع الآخر إلا بواسطة مترجم ووسيط!
سبب المشكلة الانفصال الجغرافي والتعليمي بين الشعبين، كل منهما يعيش في مكان منفصل عن الآخر ويتعلم في مدارس منفصلة!
يشاهد الآخر من وراء الأسوار أو عبر شاشات التليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي! كلاهما ينظر إلى الآخر بتوجس وريبة كأنه يتابع كائنًا فضائيًا أو سائحًا من بلد آخر.
العلاج في العودة إلى الاختلاط بين الشعبين، إلغاء اختراعات أسوار الكمباوند والفواصل الجغرافية! العودة إلى منظومة التعليم العادية، مثل مدارسنا في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، في المدرسة نفسها يوجد الغني والفقير، والكل يعيش في شارع واحد، وحي واحد، فيه الأغنياء والفقراء، يتعاملون مع بعض، ويلعب الأولاد مع بعض، عادي مثل البشر كلهم.
إلغاء اختراع المدارس الأجنبية ذات المناهج المختلفة عن المناهج الوطنية، التي تخرج لنا أشخاصًا، لا هم من مصر ولا هم من أمريكا! يرقصون على السلم، يحلمون بتغيير لون جلدهم وشكلهم للشكل الأمريكي ولا يستطيعون، ينظرون باحتقار لأنفسهم وهويتهم وشكلهم، وأيضًا ينظرون بتعالٍ إلى شعبهم الأصلي، شعب مصر!
هذا الفصل في مناهج التعليم وفي مكان السكن يمثل بداية لتحول خطير قد يؤدي في النهاية إلى انقسام كامل لمجتمع مصر، الذي يتميز طوال التاريخ بأنه كتلة صلبة تتكون أغلبيتها من دين واحد ولغة واحدة ومذهب واحد، دون تفتت عرقي ولا قومي ولا ديني ولا فكري.
مقالات ذات صلة:
التكرار الأبدي للغطرسة البشرية
وهنا تظهر الدعاية الرأسمالية وغسيل العقول
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا