بركاتك يا عم الشيخ

عادة غريبة في الشعب المصري إنهم يطلقوا لفظ “الشيخ فلان” على أي واحد مجنون أو عنده مشكلة نفسية معقدة، وكتير جدًا من الناس دي مش فاهمين المعني اللغوي والدلالي وحتى المجتمعي للفظ “شيخ “، المهم لما جيت أفكر في العلاقة بين اللفظ دا وجدوى إطلاقه على كتير جدًا من حبايبنا من “فاقدي العقول” إللي كتير جدًا منهم بنقابلهم يوميًا في الشوارع قالك: “دول بتوع ربنا وماشيين ببركته”، رغم إننا كلنا بتوع ربنا وماشيين ببركته بس وماله أهو تفسير!
واحد من الناس الطيبة إللي ربنا ابتلاهم ذهنيًا لقيته إمبارح في الشارع مع نفسه نازل كلام ورد على نفسه في حوار تخيلي مع حد ومن ضمن كلامه الجملة دي:” أنت عبيط ولا إيه هتموت يا روح أمك وتغور وابقى خلي أبو مسعود (ابن الـ…) ينفعك، بكرة يجي جنبك وربنا يشويكم بالنار يا ولاد الـ…”.
عادي جدًا إنك تعتبره مجنون، وعادي جدًا إنك تطنش كلامه، وعادي جدًا إنك تخاف منه، وعادي جدًا إنك تضحك عليه، وعادي جدًا إنك تحاول تستفزه، وعادي جدًا إنه يقتل قلبك من الحزن عليه، بس إللي مش عادي إن حد يحلل كلامه دا ويفهم إنه “ضحية قهر رهيب” من إنسان ظلمه، أو أكل حقه أو أهان كرامته أو ورطه في حاجة فوق طاقة تحمله، أو اتعرض لخيانة أو اتخلى عنه ولاده ورموه في الشارع، أو “مريض نفسي” فقير غلبان ملقاش حد يعالجه صح من البداية، والخطورة إن دا “غير معاقب قانونًا” فلو قتل قتيل في الشارع –وممكن يعمل كدا فعلًا– في حالات الاضطراب القصوى –لا قدر الله– معلهوش أي مسؤولية جنائية، وفعلًا حصلت كتير.
هنا لازم نسأل نفسنا سؤال مهم أوي: ليه وصل لدا؟ وكام واحد زيه على وشك الانفجار النفسي الرهيب؟ والحل إيه لإنقاذ الناس دي إللي وصلت للجنون أو على وشك إنها توصل لمرحلة الجنون؟!
بلاش نسخر من الناس دي، وبلاش نهمل الناس دي، ويا ريت نفكر في آلية “لاحتواء” الظاهرة دي إللي كترت أوي في شوارعنا، وأوعوا تفكروا إن الناس دي مجانين ملهمش لازمة، في كتير جدًا منهم “أعقل مننا” وأكتر مننا حكمة ودراية بس ظروفهم القهرية وصلتهم لكدا.
افتكرت “بهلول” مجنون بغداد أيام هارون الرشيد إللي مرة وقف موكب هارون وقاله: “متي تعقل يا هارون؟!”، وسخر منه هارون وقاله: “أأنا المجنون أم أنت يا بهلول؟!”، قاله: “أنا العاقل يا هارون وأنت المجنون، لأني عمرت قبري وعمرت أنت قصورك، ففزت أنا وخسرت أنت”.
هنا بكي هارون وسأل بهلول: “ألك حاجة يا بهلول؟!” قاله: “نعم لي عندك ثلاث حاجات:
- أن تمنعني من ملك الموت”، قال هارون: “لا أستطيع!”
- “أن تدخلني الجنة وتمنعني النار”، قال هارون: “لا أستطيع!”
- “أن تزيد في عمري أعوامًا وأعوامًا” قال هارون: “لا أستطيع!”
هنا قهقه بهلول قائلًا: “لست بملك يا هارون، بل أنت “مملوك” ولا حاجة لي من مملوك!” ثم هرول منطلقًا.
وكمان ما ننسى “قيس بن الملوح” مجنون ليلي إللي مات عشقًا في ليلي التي حرم منها قهرًا فمات في عشقها قهرًا!
وهنا تحضرني مقولتنا المصرية الشهيرة: “خذوا الحكمة من أفواه المجانين”. وهي مقولة متجذرة في تراثنا العربي العظيم الذي قدم لنا نماذج متنوعة من المجانين الذين ظلت كلماتهم راسخة في الوجدان ناطقة بالحكمة والتبيان.
بلاش نطنش الناس دي في الشوارع ونشوف حلول واقعية ليهم، وبلاش نهينهم بالسخرية، ويا ريت نفكر في رعايتهم. ولو دورنا جوانا هنلاقي كتير جدًا مننا “مجانين بجد” بس ستر ربنا كبير!
فلو قابلت مجنون بعد كدا ادعيله بالفرج والستر وما تنسى تقوله: “بركاتك يا عم الشيخ”، بس من قلبك لأن بركاته فعلًا كتير.
مقالات ذات صلة:
الأمثال الشعبية: فلسفة الجماهير
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا