أحجار جورجيا الإرشادية ونظرية المؤامرة – الجزء الرابع
Georgia Guidestones and Conspiracy Theory

الوصية الثالثة
أما الوصية الثالثة فتنصحنا بتوحيد العالم تحت مظلة لغة واحدة جديدة ومشتركة، تُذلل صعوبات التواصل بين البشر، تحقيقًا لتصور القرية الكونية الواحدة. ورغم استحالة تحقيق ذلك في المنظور القريب، حيث يموج العالم بما يقرب من 7000 لغة حية (أغلبها لغات مُهددة بالانقراض في غضون قرن على الأكثر)،
إلا أن الوصية الثالثة توحي بأن ثمة لغة واحدة يمكن أن تسود العالم بعد كارثةٍ مُروعة تنتظره، وهو ما أزعج كثرة من المسيحيين الذين ربطوا بين اللسان المُشترك وظهور المسيح الدجال ونهاية العالم، لا سيما وأن توحيد اللغة لم يحدث تاريخيًا –وفقًا لنصوص الكتاب المُقدس– إلا بعد طوفان نوح عليه السلام: «وَقَالَ الرَّبُّ: هُو َذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ» (التكوين: 11 – 6).
على أن الأكثر إثارة للإزعاج هو ارتباط الوصية بعددٍ من نتائج الدراسات الاقتصادية التي تؤكد حاجة النظام العالمي الجديد إلى توحيد اللغة لخدمة التجارة الدولية، بغض النظر عن طمس الهويات وإبادة الثقافات المختلفة، فوفقًا لدراسة أجراها البروفيسور «جيمس فورمان بيك» James Foreman-Peck (أستاذ الاقتصاد بكلية إدارة الأعمال بجامعة كارديف Cardiff Business School بالمملكة المتحدة)، ونشرت نتائجها صحيفة الجارديان البريطانية بتاريخ 10 ديسمبر سنة 2013، تُكلف المهارات اللغوية الضعيفة الاقتصاد 48 مليار جنيه استرليني (75.6 مليار دولار) سنويًا، أو 3.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
وأشارت الدراسة إلى أن عدم القدرة على التواصل على الصعيد العالمي يضر بشكل خاص بالمصدرين الصغار والمتوسطين غير القادرين على تحمل تكاليف المتخصصين اللغويين الذين توظفهم الشركات الكبرى! ويدعم مسح منفصل أجرته غرفة التجارة البريطانية نتائج هذه الدراسة، حيث كشف عن أن 62٪ من الشركات غير المصدرة التي تبحث عن فرصٍ دولية تُعد اللغة عائقًا كبيرًا يُعرقل مسيرتها، في حين أن 70٪ من المصدرين ليست لديهم القدرة على التحدث بلغة أجنبية في البلدان التي يتواجدون بها!
وثمة طريقة أخرى لحساب التكلفة الاقتصادية الناجمة عن صعوبات التواصل اللغوي، ففي الولايات المتحدة الأمريكية –على سبيل المثال– بلغ الناتج المحلي الإجمالي سنة 2014 حوالي 17.41 تريليون دولار. وإذا نظرنا إلى ما توصل إليه «فورمان بيك» من أن تكلفة المهارات اللغوية الضعيفة 3.5٪ من هذا الناتج المحلي في المتوسط، فهذا يعني أن الولايات المتحدة أهدرت ما يقرب من 600 مليار دولار مقابل الوقت المُبدد في محاولات التواصل اللغوي في عام واحد، وهو المبلغ ذاته تقريبًا الذي تُنفقه حكومة الولايات المتحدة على جيشها كل عام (16٪ من الميزانية الوطنية).
تساؤلات تثيرها الوصية الثالثة
بالإضافة إلى ما سبق، تثير الوصية الثالثة عددًا من التساؤلات الهامة، لعل أبرزها هو ذلك السؤال المتعلق بماهية اللغة التي يمكن أن يتواصل بها البشر جميعًا: هل هي الإنجليزية أم الصينية أم الإسبانية أم العربية أم لغة مختلفة جديدة؟
ربما كانت اللغة المُرشحة –لأسباب براجماتية بحتة– هي الإنجليزية، فرغم كونها ليست لغةً مثالية عالمية نظرًا لصعوبة تعلمها من قبل بعض الشعوب، إلا أنها اللغة الأكثر استخدامًا في عالمنا المعاصر في كثرة من المجالات: في العلوم والتكنولوجيا، وفي العلاقات الدولية (بوصفها اللغة الرسمية للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي)، وفي الطيران والملاحة البحرية، بل وفي الثقافة الشعبية العالمية بفضل هوليوود.
ومع ذلك، ليس من المحتمل أن تتخلى الشعوب ببساطة عن ثقافاتها المرتبطة باللغة لصالح ثقافة وحيدة تفرضها العولمة، فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي أولًا وقبل كل شيء نمط من أنماط الوجود الذاتي، وطريقة لتجربة العالم، وهي ليست ببساطة وسيلة لوصف الأشياء، وإنما لرؤيتها.
وبعبارة أخرى، يكشف العالم عن نفسه بطريقة معينة للكاتب الياباني، وبطريقة أخرى لمن يكتب بالفنلندية أو العربية أو الفرنسية. إن لغة الكاتب ليست مجرد أداة للتواصل، لكنها جزءٌ أساسي مما هو عليه، ومعنى أن يتخلى المرء عن لغته الأم ويتبنى لغة أخرى جديدة هو أن يُفكك نفسك قطعة قطعة، ثم يُعيد تجميع نفسه مرة أخرى بشكل مختلف!
الخيار الآخر المُفترض للتغلب على هذه الصعوبات هو تدشين لغة جديدة تمامًا؛ لغة يمكن أن يتحدث بها العالم بأسره، بحيث تكون منفصلة عن أية ثقافة أو تراث أو هوية مميزة. وهذه اللغة موجودة بالفعل، بل وترجع إلى سنة 1887، إنها لغة «الإسبرانتو» Esperanto التي ابتكرها طبيب العيون البولندي «لودفيغ إليعازر زمنهوف» Ludwik Łazarz Zamenhof (1859 – 1917). تم تصميم الإسبرانتو بحيث تكون سهلة التعلم ومحايدة سياسيًا وثقافيًا، ما يجعلها مرشحًا مثاليًا كلغة ثانوية عالمية. ويقدر عدد المتكلمين بلغة الإسبرانتو حاليًا نحو مليوني شخص حول العالم،
وثمة الآلاف من الكتب وأكثر من مئة مجلة دورية متنوعة تتناول مبادئ وتراكيب هذه اللغة، كما تم تأسيس منظمة عالمية للإسبرانتو سنة 1908 (مقرها الحالي مدينة روتردام الهولندية) تضم في عضويتها ممثلين عن 119 دولة، ولها علاقات مع الأمم المتحدة واليونسكو واليونيسف والاتحاد الأوروبي، وهي عضو في مجلس اللغات الأوروبية.
الوصايا الأخرى الباقية
أخيرًا تشير الوصايا الأخرى الباقية (من الخامسة إلى الثامنة) إلى القوانين والمحاكم وأنظمة الحكم، بما في ذلك إنشاء حكومة عالمية واحدة تقودها مثلًا الأمم المتحدة. والحق أن فكرة الحكومة العالمية ليست وليدة اليوم، ولا هي فكرةٌ مستقبلية مثلما توحي الوصية السادسة، فقد تبناها من قبل المصريون القدماء والصينيون واليونانيون،
كما دعا إليها في عالمنا المعاصر علماء وفلاسفة مثل «آلبرت آينشتين» و«برتراند رسل» «وستيفن هوكنج»، إما لنبذ العنف الناجم عن القومية المُفرطة، أو لمنع الصراعات الدولية والحيلولة دون نشوب حرب نووية عالمية، أو للتعامل مع المشكلات المنبثقة عن تقنيات الذكاء الصناعي ومكافحة القضايا المُلحة كالتغير المُناخي والأسلحة فائقة التدمير.
كذلك تبدو الفكرة بمثابة ضرورة تطورية تاريخية، حيث كان البشر قديمًا يعيشون في نحو 600 ألف مملكة وقبيلة، تقلصت إلى ما يقارب 200 دولة أو أكثر قليلًا الآن.
ومع ذلك، من الصعب تصور أي سيناريو تثق فيه كل الدول ببعضها بما فيه الكفاية، أو تقبل فيه بعض الدول باندماج دول أخرى فيها، أو لا تُهيمن فيه دولة بعينها أو مجموعة دول على كافة دول العالم مثلما تفعل الولايات المتحدة أو الدول الصناعية الكبرى اليوم، ويُعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مثالًا بارزًا على ما يُواجه فكرة الحكومة العالمية من مشكلات ومصاعب!
من جهة أخرى، لا شك أن البشر جميعًا يطمحون إلى العيش تحت مظلة قوانين عادلة، وفي كنف عالمٍ تحميه محاكم عادلة، ولا شك أيضًا أن الموازنة بين الحقوق والواجبات الاجتماعية هي أوضح مطلب لدولة عالمية تبسط سلطانها على الجميع، لكن علينا أن نعي جيدًا أننا نتمتع بالحقوق لأننا موجودون، وليس لأن شخصًا أو حكومة أو دولة يمنحنا أو تمنحنا حقوقًا! وقد يكون من الجيد أن تُسهم في تحقيق رفاهية الآخرين ولو بالقوة، لكن هذا الفعل في النهاية لن يجلب لهم السعادة، لأنه ببساطة كدحٌ وإجبار تحت تهديد السلاح!
الوصايا التي تحملها الأحجار تبدو مُروعة للغاية، وأيًا كانت تأويلاتها فهي تعكس فكرًا وفلسفة وأيديولوجية كابدت البشرية نتائج تطبيقها ردحًا طويلًا من الزمن، وإن كانت تتحقق رويدًا رويدًا، شئنا أم أبينا، وعينا أم لم نعِ!
اقرأ أيضاً:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*****************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا