مقالات

أحجار جورجيا الإرشادية ونظرية المؤامرة – الجزء الثالث

Georgia Guidestones and Conspiracy Theory

لا يُجادل أحد في استجلاء الحقيقة، والتماس الجمال والحب والانسجام البيئي (مثلما تُرشدنا الوصية التاسعة)، وإتاحة الفرصة للطبيعة كي تتنفس دون ضغط سُكاني مُدمر، لكن من ذا الذي يمكنه قبول تصفية البشر وإزهاق أرواح الملايين لتحقيق هذا الهدف؟

وهل كان فيروس كورونا (كوفيد-19) عُنصرًا في أجندة دولية خفية تهدف إلى التخلص من سرطان الأرض (الفقراء والمرضى وكبار السن)، لا سيما بعد أن وصفت الأمم المتحدة المعمورة (في نهاية سنة 2018) بأنها «تشيخ» بوتائر أسرع من تجدد الأجيال الشابة، حيث سُجل لأول مرة تفوق عدد كبار السن على عدد الأطفال،

وأصبح عدد سكان الأرض الذين تجاوزوا الخامسة والستين من العمر يعادل 705 ملايين، في حين بلغ عدد الأطفال دون الخامسة نحو 650 مليونا فقط، ومن المتوقع أن يصل عدد كبار السن والمسنين مجتمعين إلى 2,1 مليار بحلول سنة 2050، الأمر الذي يُمثل تهديدًا صارخًا للاقتصاد العالمي وللبنية المجتمعية للعالم!

لنا أيضًا أن نتساءل: هل ثمة محرقة نووية تنتظرنا ويتم التخطيط لها بعناية؟ وهل يعني الحفاظ على توازن السكان مع الطبيعة أن زيادة عدد السُكان عن 500 مليون نسمة يجعل الطبيعة بطريقةٍ ما غير متوازنة؟ أليس البشر جزءًا من الطبيعة؟ وكيف يمكن أن تبدو الطبيعة “في حالة توازن”؟ ومن الذي يقرر ذلك؟

حركة تحسين النسل

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يبدو بشعًا حين نتأمل مغزى الوصية الثانية (وجهوا التناسل بحكمة، مع تحسين اللياقة والتنوع)، تلك التي تُمثل وجهًا ممقوتًا للداروينية الاجتماعية عُرف تاريخيًا باسم «حركة تحسين النسل» The Eugenics Movement، وهي حركة ذات أهداف سياسية واجتماعية لها من النتائج غير الأخلاقية ما وسمها بسوء السمعة، حتى بعد أن تطورت إلى علم قائم بذاته في عالمنا المعاصر، يعمل على تحديد مواقع آلاف الجينات المَرَضية في الإنسان، وإخضاعها لتشخيصات دقيقة تبشر بالوصول إلى علاجات لها كان الأمل فيها ضعيفًا حتى وقت قريب.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

بدأت هذه الحركة في بريطانيا ببرنامج للتكاثر البشري وضعه الفسيولوجي والأنثروبولوجي الإنجليزي «فرانسيس جالتون» F. Galton (1822 – 1911) –وهو ابن خال «داروين»– وأطلق عليه عام 1883 اسم «علم تحسين النسل» Eugenics (أو اليوجينيا)، وهي كلمة من أصل يوناني تعني «كريم المنشأ» أو «ابن عائلة» Well born. ولا يقتصر الهدف من هذا البرنامج على إيقاف الانحلال والتدهور المفترض في المخزون الجيني البشري، بل يتعداه إلى تحسين الصفات الجسمية والفكرية للأجيال المقبلة وفقًا لتقدير موضوعي لقيمتها.

لقد لاحظ «جالتون» أن إنسانيتنا المفرطة قد أدت إلى أن تكون شفرة الانتخاب الطبيعي ثلمة، وما علينا إلا أن نشحذ هذه الشفرة مثلما يفعل مُربي النباتات والحيوانات، حين يستبعد الضعيف والمريض والعاجز من أفراد تلك الأنواع، ليستبقي ويُنمي منها ما يتمتع فقط بصفات مرغوبة لصالح النوع.

وكان اقتراح «جالتون» في هذا الصدد هو ضرورة تدخل الدولة للحد من فرص الزواج والتكاثر بين أفراد الطبقات الأدنى في المجتمع، لا سيما أولئك الذين يعانون اضطرابات جسمية أو عقلية موروثة تنتقل بالضرورة إلى ذرياتهم.

أما أفراد الطبقات الأعلى، الذين يتمتعون بمكانة اجتماعية مميزة، وبنقاءٍ واضح في التركيب الجيني، فلا بد من حفزهم على التزاوج والتوالد، استجابة لقانون الانتخاب الطبيعي، وعملًا على تقدم المجتمع ببقاء الأصلح والأكثر قدرة على التكيف وتطويع الواقع.

وبعبارة أخرى، إذا كانت الطبقات العليا الاقتصادية –فيما يقول هكسلي– لها من القدرة ما ليس لغيرها، أو على الأقل لها من المقدرة ما يؤهلها للنجاح في نظامنا الاجتماعي، إلا أنها لا تتناسل بسرعة حتى يمكن أن تحل ذريتها محلها.

ومن ثم علينا أن نسعى إلى علاج هذا الوضع، بالنصح الديني والاستعانة بالوطنية من جهة، وبإعطاء الرواتب الإضافية لأصحاب العائلات، وتخفيض نفقات التعليم، وإنقاص ضريبة الدخل من أجل الأبناء من جهة أخرى.

أما الطبقات الدنيا –وهي أقل قدرة من غيرها– فتتناسل بسرعة كبيرة جدًا نسبيًا، وبالتالي علينا أن نُعلمها طرق تحديد النسل، وألا نسمح بمساعدتها وباستفادتها من العلاج بالمستشفيات، حتى لا يكون في القضاء على آخر عائق في سبيل الانتخاب الطبيعي ما يُسهل إنجاب الأطفال أو بقاءهم. ويجب أن يكون التعطل ذريعة لتعقيمها، أو على الأقل تتوقف المساعدة على عدم الإكثار من إنجاب الأطفال، وهكذا.

تعامل الساسة والحكام مع الحركة

وكان من الطبيعي أن تلقى هذه الأفكار قبولًا وترحيبًا من الساسة والحكام ذوي الاتجاهات القومية العرقية، لا سيما خلال الربع الأول من القرن العشرين، حيث كانت جذوة الصراع مشتعلة بين قوميات مختلفة تسعى للحفاظ على هويتها وتأكيد نقائها العرقي.

وهكذا انعقد المجلس الدولي الأول لتحسين النسلThe first international congress of eugenics في لندن سنة 1912، ليتخذ من «ونستون تشرشل»W. Churchill نائبًا إنجليزيًا للرئيس، ومن «تشارلز إليوت» Ch. Eliot –رئيس جامعة هارفارد وقتئذ– نائبًا أمريكيًا للرئيس، وليضم في عضويته عددًا من أكبر علماء الجينات والاجتماع في ذلك الوقت.

وكما يمكن أن نتوقع، جاءت نتائج ما وضعوه من برامج لتحسين النسل فاجعة ومُروعة. ففي بريطانيا طُبقت هذه البرامج على الطبقات الدنيا والوسطى في المجتمع، خشية تكاثر السكان من أبناء الطبقة العاملة الفقيرة جينيًا، ومن ثم تدهور سلسلة النسب للعائلات البريطانية العريقة، فتم بذلك استبعاد أولئك الذين لديهم استعدادات وراثية –جسمية أو عقلية أو مهنية– ضعيفة: إما بإرسالهم إلى ميادين القتال، أو بإخضاعهم للتعقيم الجبري، في حين تمت العناية بالخبراء والأذكياء وذوي المواهب لدورهم في تقدم المجتمع.

وكمثال على تباين الرؤى بشأن هذه البرامج بين علماء تحسين النسل –مع ثبات الهدف– نجد أن أحدهم، وهو «ماجور ليونارد داروين» M. L. Darwin –الابن الرابع لتشارلز داروين– كان معارضًا بقوة في كتابه «تقويم لعلم تحسين النسل» Eugenic reform لتقديم المنح الدراسية للنبهاء من أطفال الطبقات الأدنى، متعللًا بأن مثل هؤلاء الأطفال إذا ما رُقوا بمعارفهم التربوية المكتسبة إلى الطبقات الأعلى فسوف تقل خصوبتهم، في حين أنهم لو تُركوا على حالهم، فمن المحتمل أن يكون لهم أطفال أكثر في المستقبل، ومن ثم تنمو وتنتشر جيناتهم المرغوبة.

هذا بالإضافة إلى أن وجود هذه المنح الدراسية يُسبب إزعاجًا لآباء الأطفال من الطبقات الاجتماعية الأعلى، لما سيجدونه من منافسة قوية ممن هم دونهم، ومن ثم تقل خصوبتهم التي هي قليلة بالفعل!

موقف الولايات المتحدة وألمانيا من حركة تحسين النسل

ولم يختلف الحال كثيرًا في الولايات المتحدة، ففيما بين عامي 1907، 1930 أقرت 30 ولاية أمريكية قوانين تسمح بالتعقيم الإجباري للمجرمين والمصابين بأمراض عقلية، ومع منتصف سنة 1930 كان نحو 20.000 أمريكي قد خضعوا للتعقيم ضد رغبتهم، سعيًا للتخلص من جيناتهم المنحطة.

من جهة أخرى كان هناك إجماع بين علماء تحسين النسل الأمريكيين على خطورة موجات الهجرة المتتالية من أقطار أوربية –شرقية وغربية– على النقاء العرقي للمهاجرين الأوائل، الأمر الذي حدا بالكونجرس عام 1924 إلى أن يُصدر قراره «سيئ السمعة» بتقييد عمليات الهجرة إلى الولايات المتحدة.

وما زال المجتمع الأمريكي حتى الآن يعاني أفكارًا من هذا القبيل، الأمر الذي يضع علامات استفهام كبيرة أمام الدعاوى الكلامية الأمريكية التي تتغنى بحقوق الإنسان.

أما في ألمانيا فلا يخفى علينا العُمق الذي غرقت فيه النازية بتطبيقاتها لأفكار علم تحسين النسل. فقد تشرب «هتلر» هذه الأفكار –أثناء سجنه– من كتابّي: «يوجين فيشر» Eugene Fisher: «مبادئ الوراثة» The principles of heredity و«علم صحة السلالة»Race hygiene، وهو ما انعكس بقوة بعد ذلك في اهتمامه بالنقاء العرقي للجنس الآري Aryan race، والمنع القانوني للتزاوج بين الآريين واليهود «المنحطين» من جهة، وبين الأوربيين الغربيين والسود من جهة أخرى.

وعندما قويت شوكة النازية عام 1933، شرعت في التعقيم الجبري المنظم للمصابين بالشيزوفرانيا Schizophrenics (الفصام العقلي)، والمصابين بالصرع Epileptics، والمتخلفين عقليًا Feebleminded، أما الطفل المشوّه أو المعوَّق فقد تم التخلص منه بسهولة.

وقد قُتل بهذه الطريقة ما يقدر بنحو 5000 طفل، كما استُهدف ما يقرب من 70.000 شخص مريض عقليًا وتعرضوا للقتل دون هوادة. وقد بلغ الرعب ذروته بالمحرقة البشرية Holocaust، حيث يزعم اليهود أنه قد أبيد بها منهم ما يقرب من ستة ملايين يهودي، بالإضافة إلى الشواذ Homosexuals وغيرهم من مفتقدي اللياقة والنفع!

اقرأ أيضاً:

الجزء الأول من المقال

الجزء الثاني من المقال

مات فيها ٦٠ مليون إنسان

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية