إصداراتمقالات

أبو الوليد ابن رشد الثائر الحقيقي

كلما ذكرت لفظة “الثورة” قفزت الأذهان إلى نوبة الغضب الشعبية التي تؤدى إلى إسقاط نظم وتغيير حكومات وربما كان هذا صحيحا ولكنه مجرد جزء من كل ما تعنيه الثورة من تغيير لواقع قائم بالفعل اجتماعيا وفكريا وسياسيا ولذلك استحق أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد ( ابن رشد ) أن يتصدر قائمة الثوار في تاريخنا الذي لا يخلو منهم في كل المجالات.

فعلى الرغم مما للفارابي وابن سينا من إسهامات فكرية في الفلسفة الإسلامية مما أعاد للمنهج العقلي رونقه وبريقه حتى أصبحا ضلعين -مع أرسطو- من أضلع ثالوث الفلسفة المقدس إلا انه حين نذكر الفلسفة لابد أن نجد ابن رشد مزاحما لهما حاظيا بما لهم من احترام وتقدير أرجعه البعض لما له من تأثير على الفلسفة الغربية إلا أن هذا ليس السبب الوحيد بل وربما لا يكون السبب الرئيسي أيضا ولكى نعرف مقدار ما قاساه ابن رشد ومدى تأثيره لابد أن نعود لذلك الزمن الذي شهد ظهور ابن رشد ونبوغه.

ففي تلك الفترة التي تلت ظهور الفارابي وابن سينا بما أسهموا به من إثراء للحياة الفكرية ما لبث المنهج العقلي -الذي يعد اقرب للارستقراطية الفكرية وأبعد ما يكون عن العامة- أن تلقى الضربة تلو الأخرى وسط بزوغ الفكر المحافظ على أيدي العناصر المملوكية (الجيش) الذي سيطر على قصور الخلافة في هذا الزمان ومع ازدهار الفكر الإشراقي الصوفي المتنكر للعقل. ودوره في الوصول للحقيقة على أيدي الحلاج الذي استشهد فيما بعد مما جعل شهرته تبلغ الآفاق وتأثيره يتضاعف، حتى تلقى المنهج الفلسفي الضربة الموجعة الأكبر على يد الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) حتى ظن البعض أنه لن تقوم للمنهج العقلي قائمة بعد اليوم.

وفى هذا الجو الفكري المحافظ الخانق الرافض للعقل المحارب له، حتى أن الفرق الكلامية القريبة من المنهج العقلي أمثال المعتزلة وسواهم قد عانوا الأمرين مع سيطرة شبه كاملة للمنهج الإخباري والصوفي وبعض ومضات للمنهج الأشعري الكلامي المحافظ، لتعانى الأمة من فترة قد تكون من أشد فتراتها الإظلامية فكريا، حتى ظهر ابن رشد حاملا على عاتقه مهمة إعادة المجتمع الإسلامي فكريا إلى المسار الصحيح ليعطى للفلسفة قبلة الحياة التي أعادتها لصدارة المشهد بما له من إسهامات في تفسير وشرح كتابات أرسطو، تعدت في حجمها كتب أرسطو نفسها بما حوته من إضافات رشدية. ولكن يظل إسهامه الأكبر متمثلا في كتابه الأشهر “تهافت التهافت” الذي فند فيه كل حجج الإمام الغزالي ومن وافقه في آراءه الرافضة للفلسفة.

ولأن بالطبع يستحيل أن يستطيع مقال أو حتى عدة مقالات من أن تحوى مدى ثورة ابن رشد الفكرية والاجتماعية والسياسية، فسنكتفي بإشارات لما حواه فكره من استنارة عقلية لكل المجالات الحياتية

اضغط على الاعلان لو أعجبك

*ففي الجانب السياسي:

تكلم ابن رشد عن السياسات الأربع التي لا تخرج حكومة في أي مكان وزمان عن اتباع إحداهم في مقولته:”ليس ينبغي أن يخفى علينا من هذا الذي رسمنا به هذه السياسات غاية كل واحدة منها لأنا إذا عرفنا الغاية علمنا الأشياء المختارة من أجل الغاية، فغاية السياسة الجماعية الحرية وغاية خسة الرياسة الثروة وغاية جودة التسلط الفضيلة وغاية الوحدانية الكرامة أي كرامة الحاكم الفرد”.

وقد وصف كل سياسة على حدة، فسياسة (الجماعية) هى “التي تكون فيها الرياسة بالاتفاق والبخت إذ كان ليس في هذه المدينة لأحد على أحد فضل” بينما سياسة (خسة الرياسة) هى التي يتسلط فيها المتسلطون على المدنيين بأداء الإتاوة والتغريم على جهة أن تحصل الثروة للرئيس الأول” ورأى أن سياسة (الوحدانية) هى “التي يحب الملك أن يتوحد بالكرامة الرياسية ولا ينقصه منها شئ بأن يشاركه فيها غيره”وقد ظهر من كتابات ابن رشد ميله بشدة وتفضيله لسياسة (جودة التسلط) التي رأى أن الفيصل بينها وبين سياسة الوحدانية هى في تولى الأخيار مقاليد الأمور وأطلق عليها في هذه الحالة الامامية لما تفعله من قيادة الأمة للسعادة لتصبح على النقيض تماما من الوحدانية وقد وصفها بأنها هى “التي يكون السلطان فيها للقانون وأحكامه”.

*وعلى الجانب الفكري:

ربما قد لا تستطيع أن تحوى مجلدات ما قدمه ابن رشد من إسهامات فكرية، إلا أن ابرز إسهاماته تمثلت في قضيتين سأكتفي منهم بقضيته في حرية الإنسان بين الإجبار والاختيار، فنقد كل من قال بالجبر وأولهم الإمام الغزالي لما له من تناقض مع عدل الله ورحمته وحكمته. ولكنه أيضا لم يقف تماما مع المعتزلة في قولهم بأن الإنسان خالق لأفعاله، بل قدم تصورا متكاملا فيه يكون الإنسان بين مخير ومسير ففصل بين الإرادة النابعة من الإنسان وتطبيق هذه الإرادة المحكوم بالظروف المحيطة وما ليس للإنسان به من سيطرة.

*بينما على الجانب الاجتماعي:

قدم ابن رشد آراءً تقدمية فاقت عصره ربما بعدة قرون، فرفض طغيان رجال الدين في ذلك الزمن الذي حظى به علماء الفقه بالنفوذ والمكانة فقال عنه: أن “طغيان الكهنة هو أسوأ طغيان” بينما تحدث عن دور الجيش في المجتمع بأنه لا يجب أن يتعدى دوره في حماية البلاد والسهر على أمنها “ليس على الجيش واجب غير السهر على حرس الأمة” وألا يجوز له حيازة الأراضي والإقطاعات “تعد إقطاعات الجيش آفة الدول وما يحدث لو أكلت كلاب الراعي غنمه؟!”.

ولابن رشد رأى خاص في المجتمع المتكامل الذي لا يصل لكماله ما أهمل في دور المرأة فقدم تصورا مبهرا لخصه في قوله: “لا تدعنا حالنا الاجتماعية نبصر كل ما يوجد في إمكانيات المرأة ويظهر أنهن لم يخلقن لغير الولادة وإرضاع الأولاد وقد قضت هذه الحال من العبودية فيهن على قدرة القيام بجلائل الإعمال ولذا فإننا لا نرى بيننا امرأة مزينة بفضائل خلقية وتمر حياتهن كما تمر حياة النباتات وهن في كفالة أزواجهن أنفسهم ومن هنا أيضا أتى البؤس الذي يلتهم مدننا وذلك أن عدد النساء فيها ضعف عدد الرجال ولا يستطعن كسب الحاجي بعملهن”

ليسطر ابن رشد بأفكاره وحياته ملحمة جديدة ونقطة مضيئة تضاف إلى رصيد الثائرين في كل مجالات الحياة، بما أسهمه في الفكر الإنساني ككل والفكر الإسلامي، خاصة بعد أن أعاده لمنابعه الأصلية الباحثة عن الحقيقة معلية شأن العقل في هذا السبيل.

لمزيد من المقالات برجاء زيارة هذا الرابط

لا تنس الاشتراك بقناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية