مقالات

ذئاب حول الأسد

أشمل وأجمل حياة تطمح إليها الروح الإنسانية تلك الحياة التي تستوعب الروح، بما فيها كله من سعة وأسرار وأشواق ورجاء ونظر وانتظار، ولأن طوفان الأقصى كان معركة قوة روح، قبل أن تكون معركة قوة سلاح، فسنظلم الطوفان وأبطال الطوفان إن تصورنا أن ما حدث كان محدودًا في محض تحرير الأسرى ورفع الحصار، ووضع المسألة الفلسطينية في بؤرة بصر العالم.

هذه كلها أشياء مهمة لكنها بسيطة، قياسًا بأهداف الروح والحياة التي تطمح إليها الروح مما كان يبتغيه الرجال الكبار، الذين اختزلوا حياتهم في جوهرها الأساسي، واندمجوا في الوجود الأسمى والأشرف.

أولئك الذين كانت أقوالهم وأفعالهم، جزءًا لا يتجزأ من صميم كيانهم، وثبت لنا وللدنيا أنهم أصحاب رؤية بعيدة تتجاوز إحداثيات الزمان والمكان فيما حدث.

هذه ليست فرضيات عاطفية، ما كادت ترى حدثًا بهذا الحجم حتى عميت عليها الأشياء، (أكبر كارثة في تاريخ إسرائيل، أفيجادور ليبرمان).

وأكبر خطأ في تكوين صورة دقيقة عن الحقيقة، التي في قلب الموضوع أن تخرج الموضوع من أرض الموضوع. كيف يكون ذلك؟

اضغط على الاعلان لو أعجبك

يقولون إن الحقائق المتراكمة في حالة فوضى حتمًا سيأتي عليها يوم ما تتخذ فيه شكلًا منظمًا، متى؟ حين يأتيها حدث ما تعرفه جيدًا، ويعرفها جيدًا.

بعضنا يفترض أن ما حدث ويحدث في فلسطين عملية تحرير ومقاومة إنسانية نبيلة، ليكن! لكنه جزء فقط من فوضى “الحقائق المتراكمة”.

بعضنا يفترض أن ما حدث ويحدث صراع قومي على الأرض، ليكن! وهذا أيضًا مثل ما سبق.

بعضنا يفترض أن ما حدث و يحدث صراع ديني على مقدسات، ليكن! وهذا أيضًا مثل ما سبق.

لكننا لو أخذنا خيط التاريخ ومددناه على امتداد الزمن سنجد أن الـ”حدث ما” المنتظر هو ما سنعرفه بعد قليل.

سنعرف أن “الغرب الأوروبي” لم تتشكل له هوية، ولم يتعرف على نفسه، إلا بوجود “عالم الإسلام”! وهذه حقيقة من حقائق التاريخ.

سندرك ذلك بوضوح شامل من دراسات علي عزت بيجوفيتش (الإسلام بين الشرق والغرب) ودراسات د/عبد الوهاب المسيري (موسوعة اليهود/ اليهودية الصهيونية) ودراسات د/إدوارد سعيد (الاستشراق) ودراسات د/قاسم عبده قاسم (ماهية الحروب الصليبية) رحمهم الله جميعًا.

“ليست الغزوات الجرمانية هي التي قضت على الإمبراطورية الرومانية. سبب القضاء عليها كان التقدم السريع والمفاجئ للإسلام، وهو حدث ذو أبعاد تاريخية، جعل حوض البحر المتوسط الذي كان دائمًا ممرًا للتجارة والفكر “بحيرة إسلامية”. مما أدى إلى انتقال محور الحياة من حوض البحر المتوسط باتجاه الشمال! للمرة الأولى في التاريخ.

هل كان بإمكان العرب في الصحراء أن يقوموا بهذا العمل العظيم دون الروح الدينية المتغلغلة في قلوبهم وكان لها الأثر الفعال في إنهاض الهمم وشحذ العزائم للسير في مشارق الأرض ومغاربها لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وإظهار الحق؟!”.

قائل هذا الكلام المؤرخ البلجيكي الكبير هنري بيرين (ت/1935م) وصاحب الكتاب الشهير (محمد وشارلمان) الذي ذُكِر فيه الكلام السابق.

“الروح الدينية المتغلغلة في قلوبهم” هي هذا، الـ”حدث ما” المنتظر، وهي مفتاح ما نراه كله الآن في تلك البقعة الطاهرة ذات الـ36 كم، التي هي في الجغرافيا “قطاع غزة”، وفي التاريخ ستكون “المرآة المصقولة” التي ستجعلنا نلقي نظرة صريحة على أعمق أعماق نفوسنا.

فهل عرفنا لم تلتف هذه الذئاب  كلها الآن، حول “الأسد”؟

لأننا الآن في لحظة التقاء العارف بموضوع المعرفة، كما يقول أهل الطريق، اللقاء الذي يكتمل عنده النور ويشرق منه الفهم.

هل مصادفة أن يقوم نتنياهو في هذا التوقيت بزيارة أمريكا، التي سيخرج من رئيسها وفورًا ذلك “الهراء الهزؤ” حول غزة؟! وهو يعلم باعتبارات السن والخبرة ليس أكثر أنه لن يستطيع تنفيذ حرف واحد مما قاله، ثم ذات فجأة يلهث وراءه اللاهثون، ويمتلئ فضاء الإعلام بكلامه المجنون، لقد بدأت الآن (حفلة التفاهة) يا كونراد! لماذا؟

لتحويل الأنظار وتغمية العيون والقلوب، عن رؤية أعظم مشاهد التاريخ الحديث في الشرق، تقريبًا لم نشهد بعد أسر العميد (عساف ياجورى) سنة 1973م مثل هذه المشاهد التي تأتينا كل سبت من غزة، وسبحانه وتعالى يخرج الحي من الميت، ما نراه بالفعل إحياء لـ”موات” تاريخي طويل، طال وطال زمانه.

هذه ليست مشاهد عابرة، هذا حدث عظيم يطل على الأمة من أعظم نوافذ التاريخ، أراده الأبطال وقصدوه ليكون فعلًا وأثرًا، كما كان.

القائد الألماني الشهير كلاوزفيتز (ت/1831م) يقول: “إن النصر فرض إرادتك على العدو”، وهو ما حدث، ولن يتوقف ما حدث عن تدفقه وانسيابه، إنه طوفان!

أحد الجنرالات الإسرائيليين قال: “أطالع مشاهد مقاتلي القسام حال خروجهم من مواقع القتال بعد وقف إطلاق النار وبعد حرب ضروس، بقيافة عسكرية وانضباط عال، وشعور بالزهو والفخر”.

ويضيف: “أعرف الحروب، هذه هيئات منتصرين وسلوكهم، والفارق عما كانوا عليه قبل بدء الحرب أمران: حضور الشهداء بأرواحهم، وزيادة الثقة بالنفس وبخوار العدو”.

من الساعة الأولى لرؤية هذه المشاهد، خرجت الأصوات من كل مكان تصرخ وتولول، هذا استفزاز! هذا استعراض! سينهار الاتفاق! أسوأ تلك الأصوات لم تكن من هناك! بل التي خرجت من بعض من يخدعوننا بأنهم منا، وما هم منا.

يظل الخسيس يثأر لخسته من شرف الشريف.

المجاهدون والمناضلون الأبطال، وهم في تفاصيل هذا “الحدث الأعظم” كلها، يظلون داخله وأمامه وخلفه، وفوق ما فعلوه هم أتقياء أخفياء متطهرون من أوثان النفوس الوضيعة، وهواها المدنس.

من خطط ونفذ، واستطاع أن يقوم بما حدث ويحدث كله من يوم 7 أكتوبر بهذا الكمال كله؟

واستطاع أن يحتفظ بأسراه، في أصعب ظرف حربي عرفه تاريخ الحروب الحديثة، وفي مواجهة كل أجهزة مخابرات العالم الغربي؟ واستطاع أن يحشد وراءه هؤلاء الأبطال كلهم من العُزل والشيوخ والنساء بهذا الصبر العظيم كله؟ هل تتخيله يقوم باستعراضات صواريخ الظافر والقاهر إياها؟

ما شهدناه كان قطعة من عين ما شهدناه من يوم 7 أكتوبر ذاته، وهو أن الهدف والغاية عند من خطط ونفذ ممتدًا بطول التاريخ وعرضه، ويتجاوز في معناه ومغزاه وجلاله وبهائه سطور القصة التقليدية لهذا الصراع، طوال سبعين عامًا مع “نفايات الصليبيين” كما سماهم محمود درويش رحمه الله.

لقد هُزم الغرب (اليورو/أمريكي) في غزة، وانتهى الأمر. الباقي تفاصيل، ستحدث بالتداعي الطبيعي للأشياء.

إن(الذئاب) وإن كان الزمان لها         لا، لن تسود بأرض فيها أسود.

مقالات ذات صلة:

خلاصة ما جرى

سوبر مان وبداية النهاية

القضية الفلسطينية والوعي السياسي الغائب

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول