سمعت يوما من أحد الأصدقاء يقول ” من ذاق الظلم عرف طعم العدل ” … حقيقة الأمر وقفت أمام هذه المقولة متأملا إن كان ما يقوله حقا فما بالي أرى في مجتمعنا اليوم عكس ما يقول فقد اختلفت مقولته شكلا و موضوعا مع ما أراه كل يوم من أحداث متوالية تزيد يوما بعد يوم احتقانا و ظلما للمجتمع كله لا فئة دون الفئة مما جعلني أعيد النظر في نظرتي للمجتمع ككل لعلني أعلم سبب المشكلة و طريقة حلها إن أمكن
و التاريخ يشهد ليست بلادنا حديثة العهد مع الظلم و الاستبداد فمنذ فجر التاريخ كان الاستبداد و وطننا كرفاق الدرب لا يفترقان إلا عند بعض مفترقات الطرق التي قد يطول إنتظار الوطن عندها و قد يقصر قبل أن يجتمع الرفيقان من جديد لكي يكملان معا السير على الطريق كأنهم قد تعاهدوا على عدم الافتراق و حكامنا ظلوا لسنينا طويلة مرابطين محافظين على هذا العهد فبات الاستبداد عادة أكثر منه فعل مذموم لا ضرر من أن يظلم الحاكم فهو الحاكم أصبح ذلك المنطق يحكم شعوبنا منذ زمن طويل بل كانت هناك أوقات لا يدري فيها الناس المظلومون أنهم مظلومون حقا .. وقعوا لمدة طويلة تحت ظل الاستبداد حتى صار جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية في بعض الأحيان و الظروف
لكن لأن الظلم واجب الإنتهاء كان لابد للناس أن تنتفض في يوم من الأيام و هذا ما حدث يوم الخامس و العشرين من يناير انتفض الناس كل منهم ضد ما لحقه من ظلم و تعددت الأسباب و اختلفت الموازين و إتفق الناس على مواجهة النظام كسبيل للخلاص و رغبة من الجميع في تحقيق العدل له … و رحل مبارك و دارت الأيام و مازال الظلم قائما لم يهتز بل حتى لم يتغير وجهه و شكله القديم و العجيب حجم التأييد و الحنين إليه اليوم عن جهل مركب جهل بظلم الظالم و جهل بالجهل بمعايير ظلمه و استبداده
و نتساءل اليوم عن سبب الاضطراب في الموازين الحادث حولنا هذه الأيام فتجد من كان ينادي بالحرية لا يمانع بمعنها عن خصومه و من كان ينادي بالكرامة لا يجد ما يمنع إهانة المختلفين عنه في مشهد يستحق الوقوف و التأمل و إستخراج المعاني و المسببات مما يتطلب إعمالا للعقل و تنحية جميع العواطف جانبا ذلك سيكون حال أي باحث عن الحقيقة … و في الحقيقة أنني اليوم أراها بوضوح فبعد تعاقب المستبدين علينا طوال عهود طويلة أجد اليوم مجتمعنا الكبير كالطفل الصغير الذي لا يعرف أذى العصا إلا إذا تم معاقبته بها فلا يقدر أن يرى إمكانية أن يتأذى غيره بنفس العصا هو فقط يكره العصا متى يتألم جسده جراء ضربه بها … بل و الكارثة أن بعضا من أولئك الأطفال قد وجدوا في العصا ” لذة ” و لم تعد تؤلمهم ضرباتها لأنهم لم يعرفوا شيئا غير ضربها فبات إذا منعت عنه يشتاق إليها و يرغب بها لأنه ببساطة لم يعهد أن يعامل بطريقة أخرى لم يرى العدل في معاملته لم يعرف حلاوة العدل حقا و لو عرفها لعض أصابعه ندما على سنين الذل التي عاش فيها راغبا في الاستبداد و ظلمه
قد يرى من يقرأ السطور السابقة أنها دعوة للتشاؤم في ظاهرها لكني أرغب حقا أن تكون دعوة للمعرفة و التعليم الحقيقي ..فالطفل لا يستحق العقاب بالاضطهاد و الكره لقاء أنه لم يتلقى التعليم المناسب بل يستحق أن نمد له يد العون أن نحثه على إعمال عقله حقا و أن نتعلم معا معنى العدل حقا لكي يأتي الدور على الحكمة لكي تؤخذ مكان العصا و لأن تشرق علينا شمس العدل فتنور بصائرنا و تهدينا إلى مجتمع أفضل و سعادة نلقاها في الدنيا و الآخرة