التصنيفات
علم نفس وأخلاق - مقالات مقالات

خطيئة التحرش

إذا جاز لنا أن نطلق على التحرش لفظ خطيئة فهو خطيئة بالفعل بجانب الخطايا الكثيرة الموجودة في مجتمعاتنا والتي نعاني منها ويدرسها علم الاجتماع ليتوصل لحلول تساعد المجتمع في القضاء عليها، والتحرش ظاهرة تستشري يوما بعد يوم ونرى منها أشكال متعددة منها بالقول والفعل وهو في حالة تتطور إلى الأسوأ.
وعندما يتحرش أطفال في المرحلة الإعدادية بمُعلمة كُلِّفت بمراقبة هؤلاء التلاميذ أثناء آدائهم للامتحان تحرشوا بها ومعذرة قاموا بلمس أماكن حساسة بجسدها ليشغلوها أثناء ما كان زملاؤهم يقومون بالغش، فما كان منها إلا أن صرخت ولكن لا مجيب ولا منقذ، حتي شاهدت زميلة لها هذا الموقف وهرعت لطلب النجدة لزميلتها المُتحرَّش بها، الأمر الذي حسمه القضاء فيما بعد بتفسير هذه الظاهرة في حيثيات الحكم فيما يشاهده هؤلاء الصغار من أعمال سينمائية تعظم لديهم البطل البلطجي وما يقوم به من أعمال البلطجة والتي كانت السبب في جرأتهم الغريبة التي كانت وراء فعلهم المُشين بمعلمتهم أثناء مراقبتها لهم .

السبب الأساسي للتحرش:

عندما يصل أطفال لهذا الفعل الجرئ فعلينا أن نتساءل من أين لهم هذه الجرأة الغريبة لهذا الفعل؟ التحرش كان موجودا ومن زمن كبير، ولكن في الفترة الأخيرة كثرت حالات التحرش بشكل كبير بالقول والفعل وأنت تسير في الشارع تجد أمام ناظريك الكثير من حالات التحرش بالقول والفعل.
أنت لا تحتاج لمن يحكي لك ولا تحتاج لتقرأ عن حالات التحرش فهي تحدث أمام عينيك ليل نهار، وأنا لا أبالغ؛ كلنا يمشي في الطرقات ويرى ذلك بنفسه، وعلى من يريد أن يرى مهرجان التحرش سيراه في أوقات الأعياد حيث الآلاف والملايين من الشباب الصغير الذي يخرج من أجل صيد ضحاياه من المُتحرَّش بهم، حتي إن المهتمين ينصحون البنات بتجنب الخروج في أوقات الأعياد لما يمثله من خطورة كبيرة عليهم .
ومن العبث أن ينبري غير المتخصصين في تفسير ظواهر اجتماعية تهم المجتمع في إيجاد حلول لها، عندما نسمع من فنان مؤلف لقصص أفلام سينمائية يقول إن التحرش ظهر أول ما ظهر في السبعينيات بتحرش المناصرين لحجاب المرأة بغير الملتزمات بالحجاب حتي يعلمن أن الحجاب يحميهن من التحرش وهذا كلام عجيب يتفوه به غير المختص بالعلوم الاجتماعية. لا يمت للحقيقة بصلة ويبعد المجتمع عن الحل وذلك عندما يتصدر غير المختصين بطرح أسبابهم المذعومة للظاهرة من منطلق الحق في حرية التعبير .

هل من حلول ؟!

التحرش ظاهرة كأي ظاهرة اجتماعية لها من الحلول والتي لا أقول أنها كفيلة بالقضاء عليها نهائيا؛ بل بالتقليل منها إلى حد كبير بالقدر الذي يسمح معه السيطرة عليها. ومن هذه الحلول المقترحة والتي هي على سبيل المثال لا الحصر :-
1:- تطبيق القانون
تطبيق القانون بشكل جدي في مواجهة المتحرش بتطبيق العقوبة المناسبة والشديدة التي تجعله يفكر ألف مرة بعد ذلك قبل ارتكابها، ولقد أعجبني إبداع بعض المتطوعين من الشباب الرافضين لظاهرة التحرش من استخدام “إسبراي” والذي يصعب إزالته لمدة أيام لمن يضبط بالتحرش ورش المتحرش من رأسه لقدمه لكي يُفضح، ويُعرف أنه من المتحرشين وكان هذا التطبيق في أحد الأعياد حيث يكثر التحرش فما بالك بإبداع المشرّعين القانونيين .
2:- المراقبة
مراقبة محتوى الأعمال التليفزيونية والسينمائية من ناحية الألفاظ والأقوال والقصص في المسلسلات والأفلام الموجهة للجمهور، فحرية الإبداع والتعبير تنتهي عند سلامة أخلاق المجتمع وأفراده، ولا يكفي وضع علامة “بلاس 12” أو “بلاس 18” أو ما إلى ذلك، فالممنوع مرغوب وهذا اعتراف من أصحاب العمل السينمائي أو التليفزيوني أنه قد يكون المحتوى غير مناسب وضار في مشاهدته.
3:- نشر الثقافة الرياضية
نشر الثقافة الرياضية والتشجيع عليها وبيان أهميتها بالتسهيل على الشباب وعلى غير الشباب في ممارسة الرياضة بإقامة ملاعب كرة القدم في كل مكان، وفتح صالات الجيم بأسعار مناسبة تتيح للجميع ممارسة الرياضة، وفتح جميع الاستادات لممارسة الرياضة في جميع أنواع ألعاب القوى، كل ذلك من شأنه إشغال الشباب فيما ينفع وإفراغ طاقتهم فيما يفيد،
ولا ننسى تجربة دولة البرازيل التي أخرجت لنا خيرة اللاعبين في كرة القدم والتي كانت الأندية العالمية تتسابق عليهم، فكان شغل البرازيل الشاغل في دائرة اهتماماتهم فتح ملاعب كرة القدم للشباب في كل أنحاء البلاد مما جعل البرازيل ولسنوات عديدة القبلة العالمية لكرة القدم؛ فنجوم الكرة البرازيلية خريجي هذه الملاعب .
4:- إلغاء القنوات الإباحية
عمل كل مايلزم من الناحية التقنية والقانونية لإلغاء القنوات الإباحية من على شبكة الإنترنت ولا يجوز إعطاء مثل هذة القنوات الحرية؛ فهي لا تستحقها وتضر -بشكل كبير جدا- ناشئينا وشبابنا الأمر الذي لا يجوز السكوت عليه .
5:- تسهيل الزواج
على المجتمع الدور الأساسي والهام وهو تسهيل أمر الزواج وعلى الآباء والأمهات عدم المغالاة؛ مما يشكل عجزا للشباب عن الزواج، وإنما يكون شغلهم الشاغل اختيار الرجل المناسب صاحب الأخلاق العليا لابنتهم واختيار البنت الرشيدة العاقلة لابنهم .
6:- علم الأخلاق
والأهم من كل ما سبق هو: علم الأخلاق؛ علينا أن نُفهِّم النشء -رجال الغد- من خلال هذا العلم وبالاستعانة بالفلسفة وبأقوال الحكماء بأسلوب مبسط سهل الفهم أن النظرة المادية للحياة وحدها ليست كافية بل لابد أن يصاحبها نظرة إنسانية ليتحقق التوازن المطلوب؛ فالنظرة المادية أمرًا واقعيًا لايمكن نكرانه؛ فهي جزء من حياتنا المشهود،
ولكن نظرة مادية عن أخرى تختلف؛ فالنظرة المادية المرفوضة والتي لا تمت لعلم الأخلاق بصلة هي النظرة المادية العبثية للحياة اللاهثة وراء المتعة وتحقيقها بأي وسيلة دون اعتبار لمشاعر الآخرين، أما النظرة المادية في علم الأخلاق هي المتعة التي ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة لتحقيق الاستقرارالنفسي وتكوين الأسرة،
وبالإضافة إلى النظرة المادية العاقلة يوجد النظرة الإنسانية للآخر فهو مثلي إنسان له مشاعر وأحاسيس يُفرحه ما يفرحني ويسوؤه ما يسوؤني، وأن أضع نفسي مكان المتحرش بها هل كنت أرضى لو تعرضت لهذا الموقف؟ بالطبع لا فلن أرضى للآخر ما لا أرضاه لنفسي .
النظرة المادية العبثية اللاهثة وراء المتعة بلا ضابط ولا رابط هي النظرة الغالبة علينا للأسف الشديد، وأصبحت خطيئة التحرش لاتقتصر على صغار السن والشباب، بل نجد رجالا متزوجين ومتحرشين، وكبارا في السن متصابين ولو كان لعلم الأخلاق كلمة الفصل؛ لانقلب السحر على الساحر في الحال ولكان الحال غير هذا الحال .
الخطيئة الكبرى هي خطيئة التغافل عن الحلول الموجودة بالفعل للظاهرة الخطرة في المجتمع وبدلا من دراستها تمهيدًا لتطبيقها؛ نشغل أنفسنا بالظاهرة نفسها، وتكون محلا للقيل والقال في وسائل الإعلام المختلفة، وتكون عرضة لأن يدلي كل من هب ودب من غير المختصين برأيه فيها مما يزيد الطين بلة .
عندما تخضع ظاهرة التحرش وغيرها من الظواهر الخطرة على مجتمعنا للمختصين سواء في علم الاجتماع وعلم النفس وفي الجريمة والاقتصاد وغير ذلك من التخصصات التي لها علاقة بالمجتمع ومن يعيشون داخل المجتمع فاعلم أن الحلول تكون مضمونة التطبيق والحل.
التصنيفات
مقالات

الحرب الناعمة (الجزء الرابع) – “علامات وقوع الحرب”

كما ذكرنا في المقالات السابقة بوجود اشتراك بالأدوات والوسائل بين “الحرب الناعمة” وغيرها من العمليات الإعلامية والدعائية والحروب النفسية والسياسية. أردنا في هذا المقال رصد مجموعة من المؤشرات والعلامات التي إن توفرت يمكننا القول بوقوع “الحرب الناعمة “.

 ويمكن تلخيص تلك المؤشرات والعلامات في ثلاث نقاط:

  • وجود درجة من الاصطفاف والتوافق والحشد الدولي من مجموعة من عدة دول مؤثرة على الصعيد الدولي ضد الدولة المراد السيطرة عليها، والذي لا يمكن لنا قبول فكرة أن هذا الحشد والتوافق في الضغط على هذه الدولة هو مجرد صدفة.
  • التركيز الإعلامي بحملات يومية أو بصفة دورية متواصلة، بحيث يتم توظيف كل إمكانيات القنوات المشاركة في تلك الحرب وتحريك كل برامجها وكوادرها سواء إعلامية أو إلكترونية وصحفية دفعة واحدة في فترة زمنية واحدة، ونخص بالذكر هنا القنوات ذات الطابع العالمي، بهدف خلق حالة من الرأي العام وخطفه في حملة التوجيه المراد تحقيقها على تلك الدولة، من خلال تنسيق عال الدقة للأدوار والمواقف التي تصب في تحقيق هدف بعينه.
  • التحرك بصورة فجائية في مواقف ومناسبات معينة، بغرض صناعة إن جاز التعبير “حالة درامية إعلامية ” بحيث يمكن من خلالها تطويع الأحداث وإعطائها القابلية للتوظيف والعمل على البناء عليها مستقبلا، من اتهام لشخصيات أو مؤسسات.

فقد شهدت الكثير من دول العالم أحداثا درامية وعمليات قتل ودهس، خلقت تداعيات متعاقبة فيما بعد من حالات فوضى واضطرابات داخلية من اتهامات وتشهير وغيرها من الأحداث القابلة للتوظيف فيما يخدم أهداف الحرب الناعمة.

ويمكن هنا أن نرصد بعضا من استراتيجيات الحرب الناعمة التي ترصد بدء عملها على أرض الواقع:

  • التشهير الدائم وخلق حالات إعلامية منظمة ومتعاقبة لإضعاف الخصم.
  • التركيز على الرموز والأفراد والكيانات وتقوية جماعات مقابلة وتقديم الدعم الكامل لجهة على حساب أخرى من خلال الكثير من وسائل الدعم المادي أو المعنوي.
  • خلق بيئة متوترة على جوانب عدة سياسية، اجتماعية، ثقافية، إلخ.
  • خلق حالة من الجدل والمشاحنات في قضايا وموضوعات ذات طبيعة حساسة تؤدي إلى إحداث حالة من الانقسام داخل المجتمع الواحد.
  • استمالة واستدراج تيارات ذات توجهات معينة بهدف توريطها في قضايا وأزمات تزيد حالة الانقسام داخل المجتمع.
  • خلق حالة من السيولة الفكرية والثقافية والاجتماعية حول ثوابت المجتمع من مفاهيم وقيم ترسخت داخل الوجدان الشعبي والقيمي للمجتمع، مما يسمح بالبناء عليه فيما بعد لتنفيذ الخطط المعدة سابقا لتغتير شخصية المجتمع بما يخدم خطط السيطرة.
  • إبراز الصوت المعارض للدولة في المحافل الدولية وتدويل دوره مما يسمح بتوظيف الرأي العام العالمي ضد البلد المراد السيطرة عليها.

ومن المؤشرات أيضا  لبداية الحرب الناعمة على أرض الواقع يمكن ملاحظة الآتي:

  • زيادة البث الإعلامي من مصادر إن جاز التعبير “شعبية” من خلال الاستفادة من الإنترنت وبث العديد من المداخلات والتحليلات والبرامج.
  • استخدام شخصيات لها نوع من المصداقية لدى الرأي العام وتوظيفها في تلك الحملات الإعلامية.
  • إنشاء جمعيات ومؤسسات شبابية ذات طابع مدني أو خدمي تعمل على تكملة خطط الحرب الناعمة في محافل عدة ومع فئات مختلفة.
  • فتح قنوات اتصال مع كيانات ومؤسسات بهدف استدراجها لخطط الحرب الناعمة ونزع مصداقيتها في الرأي العام.
  • تركيز الإعلام على الشخصيات ذات الأفكار الشاذة والمتطرفة داخل المجتمع بهدف التفرقة وبث وإشعال روح الخلاف داخل المجتمع المراد السيطرة عليه.
  • استقطاب شخصيات تغريبية تؤمن بالفكر الغربي المادي، وتقديم الدعم الإعلامي والمادي لها، لتمارس دورها المشكك داخل المجتمع.

كل ما عرضناه سابقا يستدعي الإقرار بوجود تلك الحرب على أرض الواقع وفي أكثر من مكان والفهم الجيد لتلك الإجراءات والخطط حتى يسهل مواجهتها.

اقرأ أيضا:

الحرب الناعمة (1) – التعريف

الحرب الناعمة (2) – أمثلة تطبيقية

الحرب الناعمة الجزء الثالث – “الأهداف”

التصنيفات
مقالات

الحرب الناعمة (الجزء الأول) – التعريف

نشأة المصطلح

يعتبر مصطلح الحرب الناعمة اشتقاق من كلمة القوة الناعمة كما روج لها المنظر الأول لهذه القوة البروفيسور جوزيف ناي نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق ومدير مجلس المخابرات الوطني الأمريكي، وعميد كلية الدراسات الحكومية في جامعة هارفارد، وهو أحد أهم المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين.

وقد ظهر هذا المصطلح لنقل الحرب الاستعمارية المباشرة على الأرض لساحة قتال أخرى غير الساحة التقليدية التي يواجه فيها الاستعمار العسكري المباشر مقاومة شرسة من أصحاب الحق. فقد درس المفكرين الاستراتيجيين للفكر الاستعماري أسباب الهزيمة المذلة التي منيت به الجيوش الاستعمارية في أكثر من مكان، ومع مزيد من التدقيق والدراسة خلصوا أن ميدان الحرب التقليدي هو ميدان خسارة لهم بالرغم من القوة العسكرية الكبيرة التي يمتكلها جيوشهم.

ومن نماذج تلك الدراسات حول موضوع الحرب الناعمة وتأثيرها لتحقيق مخططات الاستعمار بشكله الجديد في منطقتنا، نجد الباحث في مركز دراسات الأمن القومي الصهيوني ميخائيل ميلشتاين يقول: “إن تفوق إسرائيل يحتاج إلى معركة صبورة استنزافية مديدة السنين لا ترتكز فقط على كسر القوة العسكرية للقوى المناهضة لإسرائيل، وإنما تسعى أيضا لتقويض المراكز التي تتبلور فيها الأفكار ومنها تنغرس في وعي الجمهور. وفي هذا الإطار يبرز على وجه الخصوص دور أجهزة الإعلام والتعليم.

فبعد أن نحدث التغيير الجوهري والطويل الأجل في أنمـاط عمــل هذه المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وغيرها من مؤسسات تواصل مع الجمهور يمكن أن نلغي فكرة المقاومة من الوعي أو نهزمها”.

مراحل تطور المصطلح

ومصطلح الحرب الناعمة قد مر بمراحل من التطور في فترات زمنية سابقة، فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1991 وانتصار الأمريكيين في الحرب الباردة وسعيها لزعامة العالم آن ذاك، حيث أصدر”جوزيف ناي” كتاب بعنوان “مفارقة القوة” ثم أتبعه على أثر هجمات 11 سبتمبر العام 2001 بإصدار كتابه الثاني “ملزمون بالقيادة” وتوج مشروعه في كتابه الشهير “القوة الناعمة” في العام 2004 بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق.

وبعد فشل القوة العسكرية الصلبة الأمريكية في أفغانستان والعراق وقبلها بتاريخ سابق في فيتنام والذي ظل يلاحق العنجهية العسكرية الاستعمارية لوقتنا هذا، لكن تحديدا بعد فشل القوة العسكرية الصلبة في كل من العراق وأفغانستان، قدمت توصيات لجنة بيكر هاملتون لتعديل الخطة الأمريكية للمنطقة للحد من الأكلاف العسكرية والبشرية والمالية للحروب تمكن مجموعة من الخبراء والباحثين الاستراتيجيين من إدراج مقولة الحرب الناعمة في صلب هذه الخطة المرسومة.

لذلك يمكن القول بأن مصطلح الحرب الناعمة ولد ليعبر عن سياسات الاستعمار الجديد في نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين مستعينا بالتطور الهائل الذي حدث في عالم الاتصال ووسائل الإعلام.

الفارق بين الحرب الناعمة والحرب النفسية

وثمة فرق بين الحرب الناعمة والحرب النفسية لا يمكن إغفاله، حيث تركِّز الحرب الناعمة بأساليبها على الاستمالة والإغواء والجذب، من دون أن تظهر للعيان ومن دون أن تترك أي بصمات.

في حين تركِّز الحرب النفسية والدعائية على إرغام الطرف المقابل وتدمير إرادته ومعنوياته بصورة شبه مباشرة وعلنية. فالأدوات المستخدمة اليوم في الحرب الناعمة متوفرة وفي متناول الجميع من دون استثناء، ودخلت إلى كل البيوت من وسائل التواصل بأنواعها المختلفة، في حين أن الحرب النفسية توجه بشكل أساسي نحو كتل منظمة ومتراصة ومتماسكة وصلبة، مثل: الجيوش والحكومات.

فالحرب الناعمة تستهدف الجميع وفي كل الأوقات وبوسائل متنوعة جدا، وبجاذبية. أما الحرب النفسية فتتجه لإضعاف القدرة على قاعدة أنها إذا أضعفتهم أسقطتهم فيسهل التأثير على الناس.

تعريفات آخرى

ومن تعريفات الحرب الناعمة تعريف مايكل آيزنشتات الباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والعسكرية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى بأنها ” استخدام الأقوال والأفعال والصور الانفعالية كجزء من حملة تواصل استراتيجي طويلة المدى لتشكيل الحالة النفسية لبلد معاد لأمريكا”.

كما عرفها ” جوزيف ناي” أنها “الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلا عن الإرغام أو دفع الأموال. وتنشأ القوة الناعمة من الجاذبية الثقافية لبلد ما، والمثل السياسية التي يحملها، والسياسات التي ينتهجها في الواقع، وعندما تبدو السياسات الأمريكية مشروعة بنظر الآخرين تتسع القوة الناعمة الأمريكية.

وعندما نجعل الآخرين يعجبون بالمُثل التي نؤمن بها، ونجعلهم يريدون ما نريد فإننا لن نضطر إلى الإنفاق كثيرا على موارد السياسات التقليدية – العصا والجزرة – أي على عوامل الإرغام العسكري والإغراء الاقتصادي. ومن أهم المثل الأمريكية التي لها قدرة على تحريك وجذب الآخرين نحونا الديمقراطية وحقوق الإنسان وإتاحة الفرص للأفراد”.

 أشكال القوة

وأضاف: “أن القوة تنقسم إلى ثلاثة أشكال وأنواع “القوة الاقتصادية والقوة الصلبة العسكرية والقوة الناعمة، وعلى هذا الأساس فالقوة الصلبة لا تنفصل عن القوة الناعمة والقوة الاقتصادية، فهذه القوى الثلاث تشكل أبعاد وزوايا القوة والتفوق والهيمنة والسيطرة في السياسة الدولية”.

وتابع يقول: “إن سياق القوة قد تغير بفعل عوامل لها صلة بالعولمة وانتشار وسائل الإعلام والاتصال والمعلومات ويقظة المشاعر القومية والإقليمية وعدم ردعية السلاح النووي وضمور وضعف شهوة الغزو والاستعمار العسكري لدى الدول الكبرى ما أدى إلى تغير وتبدل في أشكال القوة، لأن معادلات القوة لا تعمل إلا في السياق والإطار الذي توجد فيه علاقات وموازين القوة. فالدبابة لا تصلح لحرب المستنقعات والغابات، والصاروخ والمدفعية لا يصلحان لجذب وكسب الآخرين.

ومن ناحية أخرى القوة الناعمة هي الأكفأ والأفعل في عالم اليوم على توفير القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج والأهداف المتوخاة بدون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للعوامل والوسائل العسكرية والصلبة، وهي الأقدر على تشكيل تفضيلات وخيارات الآخرين وجدول أعمال الآخرين السياسي، وكل دولار يُصرف في مجالات القوة الناعمة أفضل وأجدى بأضعاف من صرف 100 في مجالات القوة الصلبة”.

اقرأ أيضا:

ولم الحرب إذن؟!

الاستعمار الحديث

اللعب على الطريقة الأمريكية!

التصنيفات
قضايا شبابية - مقالات مقالات

المثالية الوهمية

“لا أستطيع التنفس من فضلك؛ توقف!”

كانت تلك الكلمات هى التى أشعلت واحدة من أكبر الأمم وأوضحت مدى الزيف والصورة الوهمية المُصَدَّرة للعالم من تلك الأمة؛ بلد التقدم والحريات. كانت تلك كلمات الراحل “جورج فلويد” بعد أن قام أحد الضباط بالضغط على عنق “جورج” بشدة لمدة ما يقارب من تسع دقائق متتالية وهو يترجاه أن يتركه حتى يستطيع التنفس دون استجابه من الظابط حتى فارق “جورج” الوعى، ولم يتم التدخل السريع لإنقاذه حتى فارق الحياة، واندلعت بعدها العديد من المظاهرات والمسيرات في الولايات المتحدة التى تُندد بذلك الفعل وانتشر الكثير من مقاطع الفيديو التى يظهر فيها الشعب ذو الحضارة والحرية وهو يقوم بأعمال التدمير والتخريب. وفى هذا المقال سوف نحاول أن نُسلط الضوء على بعض الصور المغلوطة عن بلد الأمنيات .

– هل أمريكا هى بلد الحريات ؟!

الكثير من الشباب مع مطلع الألفينيات؛ اتخذ الولايات المتحدة الوجهة الأولى للسفر والهجرة ولماذا لا؟! فهى البلد التى تدعم المواهب والحريات وتسمع بالتعبير عن الرأى دون أى تعرض للشخص أو كما كانوا يظنون ذلك ولكن دعنا نتساءل؛ أليس من جانب الحرية بل وأهم جزء فيها هو تقبل الآخر وتقبل الاختلاف معه؟!

سواء كان ذلك الاختلاف فى اللغة أو فى الشكل أو فى الديانة، ولكن بلد الحريات كما هو مزعوم قامت بواحدة من أبشع الجرائم فى تاريخ العالم؛ حيث قامت بمحو أمة بكاملها؛ ما يقارب من 110 مليون شخص تم قتلهم على يد بلد الحريات وذلك بغرض استعماري فقط. ولأنهم مختلفون عنهم؛ فأين تلك الحرية المزعومة والتى يتغنِّى بها الكثير من وسائل الإعلام فى مجتمعنا؟!

ولم تنتهِ العنصرية عند الهنود الحمر ؛بل امتدت لتصل إلى أصحاب البشرة السوداء؛ فكثير من أصحاب البشرة البيضاء فى أمريكا ينظرون نظرة العلو. بل إنه توجد الكثير من الأحاديث التى لا أساس لها من الصحة؛ والتى تنص على أن أصحاب العرق الأبيض هم أكثر قربًا من الإله وهم الجنس السامى الذى اختاره الإله فى الأرض،

وليست واقعة “جورج فلويد” هى الوحيدة فى العصر الحديث التى تُظهر مدى قبح الوجه العنصرى؛ ففى العام 2018 استيقظ العالم على مقتل شاب أسود وهو “ديانتى ياربر” والذى قُتل على يد الشرطة الأمريكية بعشرين رصاصة برغم عدم حمله لأى سلاح، وتحولت جنازته إلى مسيرة للتنديد بتلك المعاملة فى حق السود أو من هم أصل إفريقى، وغيرها الكثير والكثير من الحوادث التى تُظهر الوجه الحقيقى العنصري لتلك البلد.

الأم الحنون على الوطن العربى!

قد يظهر للبعض أن أمريكا تهتم بشكل مبالغ بالشئون العربية، بل وتتحكم فى العديد من القارات الصادرة؛ فتظهر الكثير من الدعم للبلدان العربية ولكن تلك الصورة هى صورة زائفة لا أساس لها من الصحة وذلك لأن الذى يجعل أمريكا تظهر كل ذلك الاهتمام هو النفط العربى؛ فهى تسعى بشكل كبير إلى الاستحواذ على سوق النفط العالمى وامتلاك مثل تلك السلعة يعنى القوة والسيطرة فذلك ليس عطفا منها على الشعوب العربية؛ بل تظهر لنا أنه حينما لما تسطع أخذ النفط بالخداع والمكر والدهاء فإنها لجأت إلى الاحتلال العسكرى كما حدث فى العراق وغيرها.

هذه هى السياسة المتبعة وهى سياسة المنفعة فقط. هذا قد يبدو السبب الظاهر أما السبب الباطن فى كل ذلك الاهتمام هو السماع بفتح الأراضى العربية وذلك للترويج للمنتجات الأمريكية من حيث الغذاء أو المنتجات الحياتية اليومية؛ وذلك لتحقيق المكاسب المادية فهو ليس مساعدة أو رغبة من الولايات المتحدة فى مساعدة تلك الدول كما هو ظاهر على الساحة .

– صاحبة القيم والأخلاق!

الناظر للوهلة الأولى قد ينظر بنظرة من العظمة إلى الولايات المتحدة من حيث ذلك الرصيد الهائل من وفرة الموارد والاتساع الهائل فى المنظور الصناعى والإنشائى، ولكن تظل الولايات المتحدة فاشلة فى تحقيق ميزان من القيم الإنسانية والمبادئ سواء من حيث التفكك الأسرى الواضح لدى العوام والنظام الرأسمالى الذى يحقق ويخدم المنفعة على حساب كل شئ؛ فقد يلجأ بعض الأمريكين إلى القتل والنهب والسرقة من أجل تحقيق المنفعة وهذا ما ظهر جليًا فى انتشار عمليات السرقة فى الفترة الأخيرة؛ وذلك لأنه لا توجد قيم حاكمة ولا ضوابط تحكم تلك المعاملات وقيم ضابطة، لذلك فلا يجب علينا الانخداع بما يسوقه الإعلام من صورة مخادعة.

نظرة واقعية :-

إذا ما نظرنا إلى ما يحدث اليوم فى أمريكا؛ فهو أدق وأوضح دليل بلا منازع على قبح تلك المنظومة ودرجة الخداع الذى تقوم به؛ فهى تقوم بقمع المظاهرات ومنعها.

أليس هذا حق كانت تنادى به أمريكا الأم طيلة السنوات الماضية؟! حيث صرح الرئيس الأمريكى قائلا أنه إذا فشلت المدن والولايات الأميركية في السيطرة على المظاهرات و”حماية السكان”، فإنه سيرسل الجيش “ليحل لهم المشكلة بسرعة وأشار إلى الحق فى استخدام القوة فى تفريق المتظاهرين؛ بل إن الأمر لا يقتصر على الرئيس فقط بل على الوعى الخاص بالشعوب؛ فمع انتشار الفوضى؛ ظهر العديد من حالات السرقة المختلفة للعديد من المحال التجارية، وظهرت عمليات السطو المسلح؛ بل إن نسبة شراء السلاح الأمريكى قد قاربت إلى الضعف.

فكيف تكون تلك هى الشعوب التى تدعو للسلام وراعية السلام الدولى فى مجتمعنا؟! الأمر متروك لك – عزيزى القارئ- لتطلق الحكم بعد النظر بنظرة عقلانية بعيدة عن التعصب والصورة الإعلامية ولك الحكم .

اقرأ أيضا:

الحلم الأمريكي الذي يسعى له الكثير من دول العالم

قصة تمثال

العنصرية دمار العالم

التصنيفات
مقالات

الثقة المغشوشة _ دور وسائل الإعلام والقنوات الفضائية المختلفة في الأزمة

تابعنا الإحصائيات الرسمية فيما يخص الإصابة بفيروس كورونا والتي بدأت بأرقام صغيرة بالمقارنة بأعداد الإصابة العالمي، وذهبت آراء المحللين والمتابعين أن ذلك يرجع إلى البيئة الحارة والتي هي سمة من سمات بلادنا واعتبرنا أنَّ هذه نعمة، فالفيروس قد لا يجد له مكانًا وسط هذه البيئة الحارة، لكن بعد ما اكتسبنا هذه الثقة سريعًا ما انهارت أمام ظهور إصابات في إفريقيا وتحذير منظمة الصحة العالمية أن أعداد الإصابات في إفريقيا مرشحة لأربعة ملايين إصابة ووفاة مائة وتسعون ألف حالة مصابة.

ثقة تتبعها إحباط

في المنطقة العربية والبلاد الإفريقية عند بداية الوباء كانت الأعداد بالمقارنة بالدول المصابة وخاصة العربية كانت الأعداد قليلة جدًا حتى أن “ترامب” غرد قائلا فيما يشبه الحقد؛ أن الأعداد القليلة في هذه الدول النامية ترجع إلى التطعيمات ضد الملاريا والتي أكسبت أجسامهم المناعة اللازمة لمواجهة الفيروس، والتي نحن أصحاب الفضل في وصولهم لهذه التطعيمات

وبعد ما اكتسبنا الثقة من كلام “ترامب” فيما يخص مناعتنا إزاء الفيروس؛ سريعا ما اكتشفنا أنها ثقة مغشوشة وأصابنا الإحباط لتزايد أعداد الإصابات فى المنطقة العربية والبلاد الإفريقية .

من المسئول عن إكسابنا الثقة المغشوشة؟

في بلادي؛ تَابعتُ وسائل الإعلام والقنوات الفضائية المختلفة، والتي أرى أنها المسئولة الرئيسية في إكسابنا الثقة المغشوشة مما كان لها أكبر التأثير في سلوكنا إزاء الأزمة، كان للإعلاميين والفنانين والمثقفين على العالم الافتراضي نغمة واحدة؛ ظلوا يكررونها ليل نهار في بداية الوباء مع قلة الأعداد الرسمية،

أنَّه لا داعي للخوف والقلق، الأعداد قليلة جدا بالمقارنة بأعداد المصابين بالخارج، و ليس هناك ما يُقلق والوضع تحت السيطرة، بل إن هناك من الفنانين من كانت نغمتهم السخرية من كورونا.

فهناك فنانة تقول على وسائل الإعلام باستظراف سخيف؛ ” احنا شعب بياكل بصل وفسيخ كورونا دى متحوقش معانا”وفنانة أخرى تقول “كورونا إيه دا احنا نقطعها وناكلها بسننا” وبعد ما تأكدوا من خطورة الوضع خرج الفنانون – علينا- بحملة لجمع التبرعات للعمالة غير المنتظمة المضرورة من الوضع .

لقد خاطبت النخبة الإعلامية والمثقفة والفنانون العقل الجمعي لمجتمعنا بلا مسئولية واضحة في بداية الأزمة وظل هذا الخطاب اللا مسئول مستمر حتى زادت الأعداد الرسمية بشكل ملحوظ بشكل تصاعدي سواء أعداد الإصابات والوفيات.

وخرجت علينا نفس هذه الوجوه الإعلامية والمثقفون متشنجين منتفخة أوداجهم عالية أصواتهم مُحمِّلين الشعب المسئولية عن الزيادة التصاعدية في الإصابات ناسين أو متناسين أن نسبة متابعتهم قد زادت بحكم لزوم عدد لا بأس به من الناس لمنازلهم، وأن لهم حضور في هذه المنازل.

نَسوا أو تناسوا أنهم أكسبوا الناس ثقة متزايدة من البداية أن الوضع تحت السيطرة والأعداد قليلة لا خوف منها.

وإذا بنا نكتشف أنها ثقة مغشوشة وما ترتب عليها من ممارسات الناس الاجتماعية من التزاور والعزومات والتجمعات تأثرًا بهذه الثقة التي كلها تُشكّل بيئة خصبة لزيادة العدوى .

دور المثقف والإعلامي

المثقف والإعلامي عندما يخاطب العقل الجمعي عليه أن يوضح له حقيقة الأمر دون زيادة أو نقصان. إنها مسئولية الكلمة -يا سادة- والتي على أساسها يتحدد السلوك ومن ثَّم المصير، وكما قال الكاتب الكبير “عبد الرحمن الشرقاوي” عن الكلمة : أتعرف ما معنى الكلمة ؟!

مفتاح الجنة في كلمة.

دخول النار في كلمة.

وقضاء الله هو كلمة.

إن الكلمة مسئولية! إن الرجل هو كلمة ، شرف الله هو الكلمة.

اقرأ أيضا:

الآثار النفسية لكورونا

المادية أخطر من الفيروس، الخطة البريطانية

رسالة الفن… بيـن ما هو كائن وما ينبغي أن يكون

التصنيفات
مقالات منطق ومعرفة - مقالات

التفكير العلمي والتصدي للشائعات (2) – ضرورة التوعية بالمواجهة غير التقليدية

تحدثنا في المقال السابق عن دور التفكير العلمي في التصدي للشائعات التي تعد سمة رئيسة من سمات الجيل الرابع من الحروب، وذكرنا ثلاث مراحل مهمة، نكمل في هذا المقال عرض منهجنا العلمي في التصدي للشائعات والأكاذيب من خلال المواجهة غير التقليدية.

رابعا: العمل على تجديد الخطاب الإعلامي:

يعم الوعي المجتمع خلال الإعلام الموضوعي الذي يدعم الدولة المصرية مدعما ذلك بأسباب ذلك الدفاع، فعبارة “أنا أرى” وجهة نظر، ووجهة النظر لابد أن تكون قائمة على أسس ومعايير معينة ومدعمة ببراهين وإثباتات يقبلها العقل، فلابد أن يفكر الإعلامي تفكيرا منطقيا، تفكيرا تلزم نتائجه عن مقدماته كما ذكرنا سابقا.

إنَّ وجهة النظر الشخصية لابد أن تقوم على أسس موضوعية وليست ذاتية، فلا يقول الإعلامي: “أنا أعرف أن الثلج أبيض”، فيمكن للإعلامي القول بدلا عن ذلك _كما أشار كارل بوبر فيلسوف العلم المعاصر النمساوي الأصل_: “في ضوء جميع الأدلة المتاحة لي فأنا أعتقد أن الثلج أبيض”.

فالاعتقاد الذاتي للإعلامي أو وجهة نظره الشخصية لكي أقتنع بها كمشاهد لابد أن يتعامل معها على أساس أدلتها الموضوعية، أي لابد أن يقدم الدليل على وجهة نظره الشخصية، لأن وجهة النظر الشخصية لا تكون اعتباطا، إنما لابد لها أن تقوم على أسس ومعايير وأدلة يقبلها العقل.

ولابد أن تعلم أيها القارئ الكريم أن هناك علاقة عكسية بين تصديق الشعب للإعلام والإعلاميين وبين انتشار الشائعات والأكاذيب، فكلما قلت درجة تصديق الشعب للإعلام والإعلاميين كلما زادت نسبة الشائعات وراجت الأكاذيب. وهذا يؤثر بدوره على الأمن والاقتصاد والمجتمع بأكمله.

فينبغي على أجهزة الإعلام تحري الدقة في نقل المعلومات التي تبثها، وعدم الانسياق وراء الشائعات، إضافة إلى أن تقوم الجهات المعنية بسرعة تكذيب الشائعات والرد عليها بالأدلة المقنعة، فالصمت لا يعد حلا للمشكلة، لأن المواطن هنا يُشوش تفكيره وبالتالي يفقد الثقة في قياداته وبذلك نكون حققنا للعدو هدفه بكل سهولة.

خامسا: ضرورة التوعية بالمواجهة غير التقليدية لهذا النمط غير التقليدي من الحروب.

جميعنا يعلم أنَّ حروب الجيل الرابع هي حروب جديدة خرجت من رحم التطور التكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم اليوم، كما أنَّ حروب الجيل الرابع تعرف بحروب المعلومات، لذلك تجب ضرورة رفع الوعي الثقافي المعلوماتي والتكنولوجي لدى الشعوب وخاصة الشباب للتصدي لهذه الحروب وكشف أساليبها المختلفة.

ومن منطلق أن الوسيلة الأساسية في بث الشائعات والأكاذيب _والأكثر رواجا هذه الأيام_ هي مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر وغيرهما وجبت علينا الإشارة إلى فلسفة التعامل مع هذه المواقع، وكشف ما تنطوي عليه من سياسات إذا استخدمت استخداما سيئا قد تضر الشأن العام بشكل كبير.

لذلك يجب رفع الوعي الثقافي لدى الشعوب والتنبيه من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تلعب دورا كبيرا في بث الشائعات، حيث أنَّ الدولة حاربت أكثر من خمسة عشر ألف شائعة خلال الأشهر القليلة الماضية.

 والمواجهة غير التقليدية من وجهة نظرنا تقوم على الآتي:

الوعي بفلسفة البيانات الضخمة التي تنتجها الآلات وتخزنها الشركات في خوادم عملاقة، وتستخدمها في التعرف على ميول وتوجيه فكر الشباب من خلال مدوناتهم وحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وارتباطهم بالشبكات المختلفة.

ومن منطلق القاعدة الأساسية التي اتفقنا عليها سابقا: “الفكر هو المسؤول عن السلوك، اضبط الفكر ينضبط السلوك”، فإن محاولتنا لتقويم فكر الشباب تعتمد على تسليح الشباب بمهارات التفكير النقدي غير المتقبل للمعلومات أو الشائعات دون فحصها وتدقيقها وإخضاعها لاختبارات الصدق خلال خطوات التفكير العلمي.

أصبحت الشركات العملاقة قادرة على التحكم في فكر وعقول الشباب من خلال البيانات. فأصبحت الشركات من خلال البيانات التي تجمعها من خلال الشباب كفيلة بالتأثير على الشباب وتوجيههم في اتجاهات معينة، وأصبحوا على دراية بالمدخل المناسب لكل فرد.

ولمواجهة هذا الأمر لابد من التسلح بثقافة التعامل النقدي مع الأمور وعدم الانسياق والانصياع للأفكار الغريبة دون تفكير علمي منهجي.

ركز فكرك وبحثك على دعم الدولة، على النافع وليس الضار.

فلابد أن يتعلم الشباب أدوات واستراتيجيات البحث عبر شبكة الإنترنت وطريقة التعامل الآمن مع الشبكات ومواقع التواصل الاجتماعي، للتصدي لهذه الشائعات التي تعمل على غزو الفكر والثقافة في عصر التكنولوجيات الفائقة.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

الإنسان والحكم الظنى وأثره في حياتنا

 هل الظن وحده يكفي؟

هل هناك طريقة للتأكد من صحة المعلومات؟

التصنيفات
فن وأدب - مقالات مقالات

من الواقع إلى بطولة سبايدر مان – عن مفهوم القوة وصورة البطل الحقيقي

البطل الخارق:-

بالطبع قد مر على سمعنا أو سَمِعنَا عن الأبطال الخارقين؛ فهذا سوبر مان الذى يطير ولا  يُهزَم وهذا  “الرجل العنكبوت – سبايدرمان” هو البطل الخارق الذي انتشل بشبكته العجيبة معظم الأعداء، وهذا الذى يستطيع أن يحمل طائرة بمفرده وغيره من الأمثلة المختلفة، وهذا غير مستغرب أن يكون قد دخل إلى ثقافتنا؛

فشركة (مارفل) وهى إحدى أهم الشركات المنتجة لأفلام الأبطال الخارقين قد أنتجت بمفردها منذ عام 2008 حتى وقتنا هذا ما يقارب من اثني وعشرون فيلمًا عن الأبطال الخارقين وما يقارب من خمسة عشر مسلسلًا تليفزيونيًا؛ فتم غزو العالم بفكرة البطل الخارق، فظل البطل منذ الصغر فى وجهة نظرنا على أنه الشخص البارز والمميز الذى يستطيع فعل أشياء لا يقدر على فعلها أي شخص غيره.

لا بد من وجود البطل !!

 في كل مجتمع تنتشر الحاجة إلى البطل؛ فهو حاجة اجتماعية وثقافية للمجتمع، وبعض المجتمعات تلجأ إلى صناعة بطل وهمي في حالة غياب البطل الحقيقي ودائما ما يقترن وجود البطل بحمله للصفات الإيجابية مثل الدفاع عن المظلوم ومساعدة الفقراء وغيرها من الصفات فينظُر إليه هؤلاء على أنه حاميهم والمدافع القوي عن الآخرين، بعبارة أخرى، على أنه مُنقذهم .

ظهور البطولة ومفهوم القوة:-

كثيرا ما نجد الربط بين مفهوم القوة والبطولة وهذا يتضح بكثرة في الحضارات القديمة حيث نجد في عصر الفراعنة الملوك، والفراعنة الذين كانوا  يمارسون أعمال لا يقوى عليها إلا الأبطال مثل مشاهد الصيد مثلا، نرى الفرعون المصري أو الملك يصطاد الأسود بالرمح خلال الاشتباك المباشر معها، وليس عن بعد،

وهذا ما لا يقدر أن يقوم به أي كان علي القيام به، وهذا ليس بمستغرب فى ذلك العصر لأن ما دفع بمفهوم القوة أن يكون هو المفهوم الحقيقي للبطولة في ذلك العصر هو نوعية التحديات التي كان الملوك يواجهونها في ذلك العصر ألا وهى الحروب والرغبة في الاستعمار والسيطرة ولكن يبقى السؤال هل هذه هي صورة البطل الحقيقي ؟!

صورة البطل الحقيقي:-

 قامت شركة (سي إن إن) الإعلامية بعمل استفتاء عن صورة البطل الحقيقي حيث دعت المشاركين إلى اختيار بطل بين العديد من الأبطال الذين تم عرضهم عليهم فكان النسبه الأعلى لاختيار الأبطال الحقيقييّن مثل البطل الذى يساعد الفقراء أو الذى يقوم بالمساعدة فى محو الأمية.

إن صورة البطل التى يحاول الغرب تصديرها إلى العالم العربي من حيث القوة فقط هي صورة وهمية واهية لأن البطل الحقيقي هو البطل الذى يملك القوة العقلية قبل القوة الجسدية وبلا شك فإن القوة الجسدية زائلة لا محالة مع الوقت إنما القوى العقلية هي الباقية.

وعلى سبيل المثال لذلك نجد أن الحق لا يستمد صحته من القوة بل العكس؛ فالقضية الفلسطينية هي قضية وأفكارها سليمة، ولكن القوة ليست ملكها؛ فهذا لا يعنى أن العدو الذى يمتلك القوة هو البطل.

ويتضح ذلك أيضا في حبنا أو كرهنا للأشخاص؛ فنحن لا نحب الشخص لأنه قوى أو مفتول العضلات وإنما نحبه لكرمه أو لحسن خُلقه وغيرها من الصفات النبيلة. وأوضح صورة للبطل الحقيقي هو البطل عند العرب حيث كان البطل في نظر القبيلة العربية سيدها وفارسها وحامي حماها والأهم من ذلك أنه شخص كريم ذو مروءة وصاحب رأي سديد وقادر دائمًا على اتخاذ الموقف المناسب في المكان والزمان المناسبين.

اقرأ أيضا:

البطل الخارق .. هوليود ومنقذ الإنسانية المنتظر

من هو البطل الحقيقي؟

كيف يُوجه الإعلام العقل الجمعي؟

 

التصنيفات
قضايا شبابية - مقالات مقالات

“حسن الصورة جمال ظاهر” فمن الأجمل؟ – قيمة المرأة ومفهوم الجمال

الفيديو بلوجر

انتشرت في الآونة الأخيرة العديد من الفتيات المروجة لمنتجات العناية بجمال البشرة والشعر وأدوات التجميل تحت مسمى “الفيديو بلوجر”، وكذلك فيديوهات أخرى لكيفية اختيار الملابس وما هي الماركات العالمية التى تناسب قيمة المرأة بالإضافة إلى متابعة أول بأول للخصومات والعروض لحيازة أكبر قدر من المكاسب.

يكفي فقط أن تكتب كلمة من ستة حروف “الجمال” في محركات البحث وسيظهر أمامك الكثير من النتائج فيما هو متعلق بذلك.
ناهيك عن الأرقام الخرافية للذين شاهدوا تلك الفيديوهات قد تتعدى الملايين مشاهدة وذلك أمر محزن للغاية.

فمن الجميل أن يتم الاعتناء بالجسد ولكن لماذا المبالغة؟ لماذا ننفق أموال طائلة من أجل نتيجة لحظية زائلة؟! فهناك فتيات يردن فقط أن يعملن كي يحصلن على مزيد من المال لشراء كل ما يحتاجونه من تلك الماركات، ومنهن من يعملن بالفعل لكن رواتبهم لا تكفي لمتطلباتهن الجمالية.

لو تطلعنا لحقيقة الأمر لوجدنا أنها مسرحية ولكن منتجيها مختفون من على الساحة وممثليها هم فقط هؤلاء الفتيات اللائي تم خداعهن أيضا من قبل المروجين ومن قبل الصورة المثالية التي تم إيصالها إلى أذهانهم.

مخرجو المسرحية

من حددوا أن قيمة المرأة في جمالها الخارجي وروجوا لذلك في كل شيء يخصها في كافة احتياجاتها، وجعلوا معايير تقييمها لذاتها ليس على أساس الخُلق بل على الأكثر جمالا وتألقا ولفتاً للأنظار مستغلين الضغوطات النفسية التي تقع بها المرأة وأيضا المشاكل التي قد تواجهها فيتم التلاعب على هذه الوتيرة فينقاض وراءهم من يقع فريسة بين أيديهم.

من جعلوا صيحات الموضة تتصدر جميع المجلات حيث يعرضها الفتيات ذوات الأجسام المعتدلة والبشرة النضرة في حين أن تلك اللقطات تم تعديلها عشرات المرات لتظهر بتلك الرؤية الخادعة الجذابة.

قيمة المرأة الحقيقية

إن قيمة المرأة ليس فيما تملك من جمال وأموال بل فيما لديها من عقل راجح وحكمة متزنة وحياء يستر جمالها وعدل تستطيع به إعطاء كل جزء في حياتها حقه، المرأة العاقلة هي من تراعي جمالها الداخلي والخارجي فلا تنشغل بطرف مهملة باقي الجوانب، هي من تهتم باكتساب الأخلاق الرفيعة والعلوم الفكرية المختلفة التي تساعدها على إتقان أدوارها المختلفة سواء كانت فتاة عاملة أو ربة منزل.

فلكل فتاة؛ جمالك ليس في كم ما تضعينه على وجهك وليس بعنايتك الزائدة عن الطبيعي بجسدك بل جمالك فيما انتصرت به على نفسك وحفظتي به عقلك ووجهتي به ذاتك لتحصيل الفضيلة.

وضعي تلك الحكمة نصب عينيكي:

“حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن”  فليكن باطنك هو الخيار الأول.

اقرأ أيضا:

حوادث مؤسفة تكشف لنا أحوال المرأة في المجتمع الغربي – الغرب ليس جنة

تحرر المرأة

التبكيت والمرأة – مناقشة حول قضية تحرير المرأة ومحاولة لكشف الحقيقة

التصنيفات
فن وأدب - مقالات مقالات

يا محاسن الصدف، هل نشأ العالم من قبيل الصدفة ؟ (الجزء الثاني)

الصدفة والإلحاد

تناول أحد مشاهير “اليوتيوب” مسألة نشأة العالم صدفة في برنامجه مؤخرا، وساق بعض الحجج التي تحاول أن تقنعنا بأن الصدفة قد لا تكون نادرة كما نظن، وبأن الكون يمكن أن ينشأ صدفة كما يدّعي كثير من الملحدين، وقد رددنا على حججه في المقال السابق، ونناقش في هذا المقال احتمالية نشأة الكون صدفة بعيدا عن حججه السابقة.

 

بعيدا عن العروض المسرحية، ما احتمالية نشأة الكون صدفة؟

لنبحث في إمكانية احتمالية نشأة كون يتمتع بدقة ونظام كوننا صدفة، إن كوننا يتكون من عدد ضخم من الموجودات شديدة التعقيد، أحد أنواع هذه الموجودات هي الكائنات الحية، وتتكون أجسام هذه الكائنات من أنظمة حيوية وأعضاء معقدة، ويتكون العضو من أنسجة، والنسيج من خلايا، وتتكون الخلايا من بروتينات، ويتكون البروتين من عدد من الأحماض الأمينية. والبروتين متوسط الطول يتكون من حوالي 150 حمضا أمينيا، فلنبحث أولًا في إمكانية نشأة بروتين واحد متوسط الطول صدفة.

 ما يتطلب لنشأة بروتين واحد

يوجد في الطبيعة حوالي 500 نوع من الأحماض الأمينية، 20 منها فقط هو ما يدخل في بناء البروتينات، وكل حمض أميني له نسختان، نسخة يمينية التناظر وأخرى يسارية التناظر، والنسخ يسارية التناظر فقط هي التي تدخل في بناء البروتينات، وترتبط الأحماض الأمينية ببعضها بنوعين من الروابط أحدهما فقط تدخل في بناء البروتينات وهي الروابط الببتيدية.

أي أننا لإيجاد البروتين المطلوب صدفة سنقوم باختيار الأحماض الأمينية عشوائيا من الطبيعة، ويجب أن تتوفر كل هذه الشروط من خلال الصدفة البحتة في 150 حمضا أمينيًا متتاليين وفي الروابط المتكونة بينهم، ثم يجب أن يكون تتابع الأحماض الأمينية مناسبا بحيث يُكوّن بروتينا فعالا، وكل هذا بمحض الصدفة .

و احتمالية ذلك كله هي أقل من واحد إلى 16410، وهذه احتمالية تعتبر مساوية للصفر، أي مستحيلة. هذا كي ينشأ بروتين واحد، مع العلم أن الخلية الواحدة قد يوجد بها ما يصل إلى 20 9 بروتين!

ولكي تتخيل مدى ضخامة العدد 16410 يكفي أن تعلم أن عدد الجسيمات الأولية في الكون هو 10 80 جسيما، وعدد الثواني منذ بداية الكون حسب نظرية الانفجار الكبير 10 16 ثانية، وعدد الأحداث منذ الانفجار الكبير 10 139 حدثا!

استحالة نشأة البروتين الواحد صدفة

فلكي ينشأ هذا البروتين صدفة نحتاج إذًا لتكرار عملية الصناعة العشوائية 10 164 مرة! أي صناعة 10 164 بروتين، واحد منهم فقط سيكون سليما والباقي غير سليم!

وبفرض أن كل مرة صناعة تستغرق ثانية واحدة فإن عمر الكون لن يكفي! علما بأن صناعة بروتين واحد بهذا الطول داخل الخلية الحية المجهزة لصناعته تستغرق ما يقرب من 20 ثانية وليست ثانية واحدة!

ولو استعملنا كل الأجسام الموجودة في الكون في هذه المحاولات فلن تكفي! ولو أن كل الأحداث التي حدثت في الكون كانت داخلة في صنع هذا البروتين فلن تكفي! ولنتذكر أن هذا بروتين واحد فقط وسط هذا الكون المذهل!

ولو أن كل مرة تكرار تحدث في كون مختلف كما يحاول أن يخبرنا مقدم الحلقة فإننا سنحتاج لتكرار الكون 16410 مرة لكي ننتج بروتينا واحدا صحيحاً! فما بالك بعدد الأكوان المطلوبة لإنتاج خلية! وعدد الأكوان المطلوبة للوصول لكون مثل كوننا!

وهذا يؤدي إلى أن عدد الاكوان المتوازية المفترضة لا يمكن تصوره بأي حال من الأحوال، ويحتاج لموجد مذهل الإمكانيات! أي إله كلي القدرة والإرادة والعلم!

لكن ما هي الصدفة ؟

إذا حدث أن شخصا ما أثناء لعبه لامس ثوبه النار فاحترق، فإن صدور الاحتراق عن النار شيء طبيعي، لكن صدور الاحتراق عن اللعب هو الصدفة ، لأن اللعب لا يؤدي بنفسه لاحتراق الثوب.

فالأحداث التي تحدث في الكون من حولنا لها أسباب، وقد يكون السبب يؤدي لصدور نتيجة ما دائما أو في أكثر الأحيان، كالنار التي ستحرق الثوب في كل مرة تلامسه فيها، إذ يحتوي السبب على المقومات الأساسية المطلوبة لحدوث النتيجة، في هذه الحالة فإن صدور النتيجة عن السبب شيء طبيعي وليس صدفة.

أما لو كان السبب لا يؤدي بطبيعته للنتيجة، لكنه أدى إليها في إحدى المرات فهذا ما يسمى بالصدفة، كتسبب اللعب في الاحتراق.

وبهذا يتضح أن ما نراه صدفة له سبب طبيعي ملائم له أيضًا، فاحتراق الثوب في المثال هو نتيجة طبيعية لملامسته النار، لكننا عندما نظرنا للعب كسبب للاحتراق رأينا الأمر صدفة، فأي حدث لا بد له من سبب ملائم له وإلا لن يحدث أصلا.

وقد يأتي قائل ويقول إننا لو كررنا اللعب عدد كبير جدا من المرات فبالتأكيد ستأتي مرة ويحترق الثوب صدفة، وهذا صحيح، لكن الثوب عندما يحترق صدفة في إحدى المرات فسيكون السبب هو تسخينه أيضًا، لأن ببساطة لا احتراق بدون تسخين.

لا بد من موجد منظم

وبالتالي فنشأة الكون المنظم والمضبوط بدقة للعناية بالكائنات الحية -أيا كانت طريقة النشأة وأيا كانت طريقة النظر إليها- لا بد لها من موجد منظم معتن حي عالم مريد قادر كما ذكرنا في المقال الأول، فهذا هو السبب الملائم والطبيعي لذلك، مهما حاولنا الالتفاف على الأمر وفرض فرضيات مختلفة.

ولو فرضنا أن النظام والعناية غير موجودين إلا في كون واحد فقط من الأكوان الوهمية التي يفترضونها، أو غير موجودين إلا في جزء بسيط من عالمنا، فإنهما بحاجة أيضا إلى موجد منظم معتن، لأن هذا هو السبب الملائم لهما.

بل الأمر في حالة خلق الكون أكثر تعقيدا، لأن باقي الأكوان المفروضة أو باقي أجزاء الكون تحتاج بدورها إلى موجد أيضًا، ولديه القدرة على إيجاد هذا التنوع أو الوجود الضخم كما أشرنا سابقا.

وعموما فإن تجربة كافة الاحتمالات الممكنة لضمان الوصول لنتيجة ما مثلما يطرح في بعض الأمثلة في الحلقة لا يجعل هذه النتيجة صدفة، بل يصبح صدورها أمرا طبيعيا وحتميا وله سبب ملائم هو هذه التجربة الدقيقة، وهو ما يحتاج أيضا لفاعل عالم بكل الاحتمالات وتفاصيلها وكيفيتها وقادر عليها ومريد لها.
علما بأن صفات الإله المثبتة بالبرهان تنزهه حتى عن ذلك، فهو أعلم من أن يجرب، بل هو من خلق الأشياء وخلق لها نتائجها فلا يحتاج لتجربتها ليعرف نتائجها!

الإلحاد لا منطقي!

وطبقا لما ذكرنا في هذا المقال وسابقه نجد أن الفكر الإلحادي في حقيقته فكر لا منطقي، إذ يناقض نفسه، فكلما حاول إثبات عدم وجود الإله يسوق حججا تثبت وجود الإله أيضا رغما عنه كما سبق توضيحه بالتفصيل.

كما يحاول الالتفاف حول الحقائق الثابتة، فيهرب من حقيقة النظام والضبط الدقيقين للكون ودلالتهما على وجود الإله، ويفترض فرضيات لا دليل علمي عليها مثل وجود عدد لا نهائي من الأكوان.

وترك اليقين واستبداله بظن ضعيف أو بافتراضات لا أدلة عليها هو عمل غير عقلاني وغير منطقي ويخالف البحث العلمي السليم، بل لا يقوم به طفل صغير لديه تمييز، إذ إن الطفل الصغير عندما يرى أمامه قطعتي حلوى فهو يتصرف معهما كقطعتي حلوى ويأكلهما، ولا يفترض أنهما غير موجودتين مثلا.

ما سبب الإلحاد؟

إذًا ما الذي يدفع إنسان لترك الحقائق الواضحة واستبدالها بأوهام؟ ولتبني وجهات نظر تناقض نفسها؟

إما أن لديه ضعف عقلي يجعله ضعيف التمييز بين المنطقي وغير المنطقي، أو تعرض لشبهات لم يستطع كشف الباطل فيها، أو أن لديه دافع نفسي ما.

فالإيمان بوجود الإله أكثر منطقية وعقلانية وعلمية واتساقا مع النفس من الإلحاد كما اتضح في المقالين، ويبدو أن الإلحاد يتطلب تسليم الإنسان بقضايا لا منطقية وفرضيات لا دليل عليها أكثر من الإيمان! كأن يسلم بإمكانية وجود عدد لا نهائي من الأكوان دون دليل، بدلا من الاعتراف بأن النظام يحتاج لمنظم!

اقرأ أيضًا:

يا محاسن الصدف، هل نشأ العالم من قبيل الصدفة ؟ (الجزء الأول)

مركزية الإنسان و مركزية الإله … بين الغاية والهدف (الجزء الأول)

نظرية التطور؛ بين التاريخ والفلسفة .. أولًا: البحث التاريخي

 

التصنيفات
فن وأدب - مقالات مقالات

يا محاسن الصدف، هل نشأ العالم من قبيل الصدفة ؟ (الجزء الأول)

الصدفة والإلحاد:

تناول أحد مشاهير “اليوتيوب” مسألة نشأة العالم صدفة في برنامجه مؤخرا، وساق بعض الحجج التي تحاول أن تقنعنا بأن الصدفة قد لا تكون نادرة كما نظن، وبأن الكون يمكن أن ينشأ صدفة كما يدّعي كثير من الملحدين.

 

حجج الصدفة:

وقد ساق بعض الحجج لإثبات أن الصدفة قد تكون غير نادرة، فمع زيادة عدد مرات التكرار تزداد احتمالية حدوث الصدفة، فأنت عندما تشتري تذكرة “اليانصيب” تصبح احتمالية فوزك ضئيلة، لكن ماذا لو اشتريت 5 مليون تذكرة؟ عندها ستزداد فرصك في الفوز كثيرا.

و الحجة الثانية تتابع بأن تقول إنك إن لم تر غير مرة التكرار التي حدثت فيها الصدفة ستعتقد أن هناك معجزة ما حدثت.

و الحجة الثالثة خاصة بأن افتراضاتنا إذا غيرناها سيتغير ما نظنه نادرًا وصدفة. فمثلا إذا ألقينا قطعة نقود في الهواء فإن احتمالية سقوطها على نفس الوجه كل مرة نادر جدا أو مستحيل، لكن عندما نعرف أن قطعة النقود الملقاة لها نفس الرسم على الوجهين فإن خروج نفس الرسم كل مرة يصبح شيئا منطقيا.

 

نقد الحجج:

والحجتين الأولى والثانية صحيحتان، واعترضانا على استخدامهما فيما بعد كما سيأتي.

لكن الحجة الثالثة فيها مشكلة، فالموضوع ليس مجرد تغيير افتراضات، بل يعتمد على معرفة الواقع، ففي حالة قطعة النقود كانت معرفتنا الأولى غير صحيحة فقد توهمنا أن قطعة النقود عادية، لكن عندما صححنا معرفتنا توصلنا للاحتمالات الصحيحة، ولو كانت معرفتنا صحيحة من البداية لما احتجنا تغيير الافتراضات.

وبالمثل في قوانين قطاع الأعمال المذكورة في الحلقة، حيث كنا سابقا نعتقد أن قطاع الأعمال يخضع لقوانين معينة، وطبقا لهذه القوانين فإن انهيار بعض الشركات وحدوث أزمات مالية شيء نادر جدا، لكن في الواقع فإن انهيار الشركات وحدوث الأزمات لم يكن بهذه الندرة، وبالتالي فالقوانين كانت خاطئة.

ويستعمل مقدم البرنامج هذه الحجج الثلاث لإثبات أن الكون نشأ صدفة كما سنرى.

 

وجود الإله:

ولنتأمل في مسألة وجود الإله قبل أن ننظر في دعواه، فعندما ننظر في الكون من حولنا نجد أن به نظاما، وهذا شيء لا يختلف عليه اثنان، والنظام لا بد له من منظم عالم بكيفية النظام ومريد له وقادر عليه، أي أنه حي ليس بميت أو جماد.

فمثلا لو وضعت كرسيا في قاعة بها كتب مبعثرة فلن يقوم الكرسي بتنظيمها ولو بعد ألف عام، لأنه جماد بلا حياة أو علم أو قدرة أو إرادة، وهذه الصفات أصلًا ليست من صفات المادة، بل من صفات الأحياء.

والكون به أيضا عناية بالموجودات الحية، فعندما ننظر من حولنا نجد الكون مضبوطا بدقة مذهلة ليلائم وجود الحياة فيه، فمثلا لو تغير ثابت الجاذبية بمقدار ضئيل جدا جدا جدا فلن توجد نجوم أو كواكب ولن توجد حياة، وكذلك لو تغيرت المسافة بين الأرض والشمس فلن توجد الحياة على الأرض، وبالمثل لو تغير تركيب الغلاف الجوي للأرض، والأمثلة على ذلك كثيرة.

والعناية بالآخرين لا تقوم بها الجمادات، بل تحتاج لمعتنٍ عالم مريد قادر حي أيضًا.

والوجود لا يصدر من العدم، بل لا بد من وجود سابق عليه ولديه القدرة على إيجاده بهذه المواصفات، فالكون يستحيل أن يوجد من عدم بحت، والحياة الموجودة فيه يستحيل أن تنشأ من موت بحت، وكذلك العلم والإرادة والقدرة الموجودون في الكون، فلا بد من مصدر للكون له وجود وحياة وعلم وإرادة وقدرة، وهكذا.

 

الحجج الثلاثة ونشأة الكون صدفة:

ويستعمل مقدم البرنامج الحجج الثلاثة المذكورة في أول المقال لمحاولة إثبات أن الكون يمكن أن ينشأ صدفة، فباستعمال الحجتين الأولى والثانية يقول إنه لو كان هناك عدد ضخم من الأكوان كما تقول نظرية الأكوان المتعددة فمن الممكن أن يوجد ببساطة كون فيه هذه الدقة المذهلة.

وباستعمال الحجة الثالثة يقول إننا نفترض أن تغير ثابت واحد كثابت الجاذبية سيدمر الكون، لكن ماذا لو غيرنا افتراضنا؟ فلنفترض تغير جميع الثوابت مع بعضها بشكل يحافظ على الاتزان الموجود في الكون، وبحيث أن التغيير في بعضها يذهب أثر تغيير البعض الآخر.

 

نقد حجج نشأة الكون صدفة:

ولا يوجد أصلا أي دليل علمي حسي أو تجريبي على وجود الأكوان المتعددة.

ثم لو فرضنا جدلا وجود هذه الأكوان، فمن أين جاءت؟ هل جاءت من ظاهرة مادية بحتة كآلة مثلا لصناعة الأكوان؟ هذه الآلة بدورها لا بد أنها شديدة التعقيد والنظام بحيث تصنع هذا العدد المذهل من الاكوان المتنوعة، فلا بد لهذه الآلة من موجد ومنظم، أي لا بد من وجود إله.

أو أن هذه الأكوان جاءت مباشرة من موجد لديه القدرة على التغيير والإبداع والإيجاد المتنوع والمستمر لهذا العدد المذهل من الأكوان، ولديه إرادة مذهلة تجعله يقوم بكل هذه التكرارات المعقدة، ولديه علم بكيفية القيام بكل هذه التكرارات وإيجاد الأكوان المتنوعة والمختلفة جدا، أي أنه إله ذو قدرة مذهلة وإرادة مذهلة وعلم مذهل.

أما عن الحجة الأخيرة التي تقول بإمكانية ضبط الثوابت كلها بصورة مختلفة تؤدي لوجود أكوان أخرى صالحة للحياة فلم يذكر لنا تفاصيل هذا الضبط الجديد المزعوم، بل طرح الأمر كمجرد افتراض.

ولو فرضنا جدلا إمكانية هذا الضبط فهو ضبط معقد جدا، إذ يحتاج لتغيير كل ثوابت الكون بصورة تؤدي لاستمرار التوازن في الكون وبحيث يلغي التغيير في بعضها تأثير تغيير البعض الآخر، وهذا يحتاج لدقة مذهلة وضبط مذهل جدا جدا، مما يؤكد حتمية وجود ضابط شديد الدقة والقدرة.

أو أنه يقصد أن مع تغيير الاحتمالات كثيرا جدا ستأتي بعض الاحتمالات بأكوان أخرى منضبطة، وهذا يعيدنا لفرضية وجود أكوان كثيرة وقد سبق الرد عليها.

 

ملاحظات أخيرة:

نجد استدلالات أخرى عجيبة ذكرت في الحلقة، حيث تبدأ بقصة غريبة عن صدف حدثت لممثل ما كان يبحث عن كتاب في مكتبات لندن ولم يجده، وعندما دخل المترو وجد نسخة من الكتاب موضوعة بجواره بلا صاحب فيأخذها، وعندما يقابل الممثل مؤلف الكتاب يخبره المؤلف بأنه قام بوضع بعض الخطوط تحت بعض الفقرات في إحدى نسخ الكتاب تمهيدًا لتغييرها، لكن صديقا له أضاع هذه النسخة في لندن، وتكون المفاجأة أن النسخة التي وجدها الممثل هي نفس النسخة التي يبحث عنها المؤلف.

ويستخدم مقدم البرنامج هذه القصة للاستدلال على إمكانية حدوث الصدف النادرة، مما يجعل المرء يتعجب من حال بعض الملحدين الذين يسخرون من المؤمنين لإيمانهم بقصص يرونها هم خرافية أو غريبة، فالقصة المذكورة غريبة بالتأكيد، وسواء مصدرها المؤلف أو الممثل فكليهما معتادان على “تأليف القصص” أو “ادعاء وتمثيل القصص” لكسب العيش، ولو كان مصدرها غيرهما فهو يضعف القصة أكثر.

وفي آخر الحلقة يتم ذكر عالم ما يقول إن تغيير ثوابت الكون كلها مع بعضها يمكن أن يوجد كون آخر ملائم للحياة، وهي الحجة التي رددنا عليها منذ قليل. لكن ما هو البحث الذي ذكر العالم فيه هذا الاستنتاج؟ وما الاستدلالات التي استخدمت فيه؟ وما مدى دقة وصحة هذه الاستدلالات؟ وأين نشر هذا البحث؟ وما مدى موثوقية الجهة التي نشرته؟ كل هذا غير مذكور بالطبع، بالرغم من حساسية الموضوع المذكور وحاجته لاستدلالات قوية.

ونتابع تفنيد نظرية الصدفة في مقال لاحق.

اقرأ أيضا :

يا محاسن الصدف، هل نشأ العالم من قبيل الصدفة ؟ (الجزء الثاني)

مركزية الإنسان و مركزية الإله … بين الغاية والهدف (الجزء الأول)

نظرية التطور؛ بين التاريخ والفلسفة .. أولًا: البحث التاريخي