إصداراتقضايا وجودية - مقالاتمقالات

هل نستحق الإبادة؟

من منّا لا يصادف في طريقه يوميا عددا من أصحاب المحلات التجارية وهم يهدرون المياه أمام محلاتهم بحجة ألايثير الهواء الأتربة علي بضائعهم وغير مكترثين لأزمة المياه والصراعات القائمة عليها منذ سنين؟ وأنّ حربا علي وشك القيام بسببها، فكل مايهمهم هو نظافة بضائعهم.

 هؤلاء الأشخاص الذين لايمتلكون وعيا فرديا أو جماعيا -وما أكثرهم في دول العالم الثالث والمجتمعات النامية – يضرون مجتمعاتهم أكثر مما يفيدونها بل ويتكاثرون ليجلبوا للعالم المزيد من أمثالهم، أجيالا غائبة عن الوعي لا فائدة مرجوة منهم ولاقيمة لهم أمام ما تقدمه الدول المتقدمة من فائدة للبشرية!

هذه النظرة – العنصرية-  للدول المتخلفة هي نظرة (#اليوجينيا) ،فهي تعتبرهم مجموعة أفراد لا تستحق الحياة و لديهم جينات فاسدة متدنية لا تحتاج البشرية إليها، بل وإنهم يؤخرون تطور البش. واليوجينيا هي علم تحسين السلالة البشرية عن طريق التحكم في النسل، فهي تعطي الحق للأفراد ذوي القدرات العقلية والجسدية الجيدة -الأشخاص الصالحين بنظرهم- الحق في الإنجاب بل و تشجعهم علي التزاوج مبكرًا، وفي المقابل فهي تحرم الأفراد غير الصالحين من الإنجاب، وهذه الأفكار ظهرت لأول مرة كعلم تحت هذا المصطلح علي يد عالم بريطاني متعصب للجنس الأبيض يدعي “فرانسيس جالتون” .

لكن بالنظر في التاريخ القديم نجد أن أول الداعيين لأفكار اليوجينيا قبل أن تصبح علما هو أفلاطون، ففي جمهوريته كان الحكام يشجعون تزويج الصالحين عقليا وجسديا، وفي المقابل منع غيرهم من المرضي و ذوي العاهات وضعاف العقول من التزاوج نهائيا!!

أما في العصر الحديث فيعد هتلر هو أشهر المتأثرين بأفكار اليوجينيا بعد تبلورها كعلم نظري، فكان يري أن جنسه هو الأرقي علي الإطلاق وينبغي له سيادة العالم فأصبح يضطهد الذين من غير جنسه لدرجة انه أصدر أوامر لتعقيم غير الصالحين من ضعاف العقول وأصحاب الأمراض المزمنة  لمنعهم نهائياً من التناسل، فكانوا في رأيه أحقر من أن يمرروا جيناتهم للأجيال التالية.

فأي علم عنصري هذا ؟! ومن أعطي لمؤيدي ومطبقي هذا العلم الحق في منح الحياة للبعض وسلبها من البعض الآخر لأسباب لا دخل للبشر بها! وما ذنب هؤلاء أنهم تربوا في بيئات أقل تحضرا تفتقر إلي النُخب والمثقفين؟ وما ذنبهم أنهم لم يجدوا من يعلمهم ويهتم بتوعيتهم لينعموا بحياة أفضل؟! اليوجينيا تفضل دهسهم و إبادتهم بدلا من تقديم يد العون لهم، فبالطبع لا يمكن أن ندعوا العنصرية علما. ماذا يعرف اليوجينيين عما هو أصلح للكون كافة ليحكموا بالموت و الحياة؟! و يصمموا عالما كل من فيه أذكياء وأقوياء. فقرار كهذا يتطلب الكثير من المعرفة. فإن كانت اليوجينيا هي الأفضل للبشرية كما يدّعون و إذا اتفقنا أن الأفضل هو العادل و هذا أمر فطري سيحكم به أي شخص لم تلوثه الصراعات البشرية و #السفسطة. فوجب إذن علي اليوجينيين أن يعرفوا بما هوعادل لكل شئ في الكون. و من مجيئه مهم و من لا. هذا ليس بالقرار الهين مطلقا و لا شئ يمكنك أن تقوله هكذا بناءً علي استقراءات عشوائية. فاليوجينيا تضع هنا نظاما كاملا بديلا للنظام القائم. فللحياة نظامها الخاص في الانتخاب والمفاضلة بين الصفات المختلفة، هي كالمصفوفة تحوي ملايين الاحتمالات مبنية علي ملايين من العوامل تجعل وجود كل شئ سواء استحسناه او استقبحناه مهما. و لكن بالطبع اليوجينيا نظرية قوية و لها منظريها و اتباعها، والآن ومع التقدم الهائل الذي وصل إليه الغرب ظهرت بعض الجماعات المتطرفة العنصرية داعية لإعلاء جنس معين ويحتمون إبادة الأجناس الآخري التي لافائدة منها(العالم الثالث). ونحن إن نظرنا إلي أنفسنا بعين اليوجينيا فسنجد أننا شعوب فقيرة يغلب علي معظم أهلها الجهل ولا نمتلك أي وعي لذاتنا أو لمجتمعنا إلا القليل منّا.

وهنا يأتي دور النُخب الصالحة في المساعدة علي النهوض بمجتمعاتنا والاهتمام بالتعليم ورفع الوعي وتنمية الجانب الفكري و ذلك مثلا عن طريق تشجيع أصحاب الابتكارات والأفكار الجديدة، لكي نلحق بالركب، أم أننا حقا نستحق الإبادة؟

#بالعقل_نبدأ

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى