مقالات

رمضان ليهزم غربتنا (الجزء الثاني) – أثر الصيام على الإدراك والمجتمع

فى الجزء الأول  تحدثنا عن سبب غربتنا وهو ” الإدراك الذى لا يتجاوز الحواس ”  وبعض  مظاهر هذه الغربة  وبقى قليل منها ، وبقى أيضا  لماذا رمضان جدير بهزيمة غربتنا ؟! وكيف نعود برمضان إلى أصولنا فتبرأ نفوسنا المنهكة من اغترابها.

إذا كانت السياسة هى  إدارة الشؤون المشتركة  بما يحقق الخير للجميع.

الإدراك الذي لا يتجاوز الحس

فالمريض بـ ” الإدراك الذى لا يتجاوز الحواس ”  يرى منتهى  الخير والعدالة فى  امتلاكه المأوى،  و وسائل العيش التى يشتهيها  و إن لقى آخر فى نفس المجتمع يعانى حرمانا من متطلبات مادية أساسية  ربما لا يرى فى  سياسة المجتمع عوارا  يستحق النقد  طالما  مريضنا  ماديا فى أمان تام!

و إن  أحس بما يهدد بحرمانه من  الأشياء  التى يحيا عليها ولها  انتفض : أين حقوقى ؟

رؤية فردية تدور حول الحقوق المادية ..

رؤية لا تلتفت أبدا  إلى غايات المجتمع -التى يقررها السياسيون  أصحاب القرارات والمتحكمون فى ما يشكل الوعى الجماهيرى –   ولا إلى وسائل  تحقيق الغايات .. لماذا  لا تلتفت؟!

لأنها رؤية  محشورة فى  إدراك حسى  فردى  وفقط !

ربما تبدو حالة المريض  بـ” الإدراك الذى لا يتجاوز الحس ”  خطيرة الآن !

لكن، لنكونَ  أقرب للأحوال الواقعية التى نعيشها : أقول إننا لسنا طوال الوقت بهذا التطرف فى رؤيتنا لأنفسنا وللأشياء وللآخر والسياسة ولا يمكن أن يكون أحدنا  هكذا  طوال عمره ، لكننا نتفاوت  فى  نصيبنا من أوقات الاعتدال العاقل  عندما نرى ونحكم ونتصرف!

تصويب الإدراك

” الإدراك الذى لا يتجاوز الحواس ”  ليست مشكلة  فى علاقتنا بالدين فقط؛ ليست مشكلة صيام لا يتجاوز فراغ البطون أو إقبال على القرآن والذكر بالحواس فقط!

المشكلة  هى كيف ندرك؟!  أو ما معنى كونى إنسان؟!

و لأن  صيامنا الذى لا يتجاوز فراغ البطون  وعلاقتنا  السطحية بالقرآن من مظاهر ونتائج مرض ” الإدراك الذى لا يتجاوز الحواس  ”  لأن ذلك عرض واحد من أعراض المرض.

فإن رمضان فرصة لتسليط الضوء على العلة الأصلية؛ على  مرض ” الإدراك الذى لا يتجاوز الحواس”

رمضان –باعتباره شهر صيام ووقت يزداد فيه إقبالنا على كلام الله المكتوب – فرصة لتفهم الذات  و الأشياء والآخر والمجتمع ؛ فرصة  للبحث عن سبب  التشتت والإنهاك  الذى أصاب نفوسنا، فرصة  تضع فى أيدينا  تأشيرة الغربة  لنمزقها -إن أردنا .. لكن كيف ؟!

هل رأيت حيوانا يصوم رغم أنه جائع والطعام موفور أمامه ؟!

ما الاختلاف الذى جعل البشر  يصومون ؟! لماذا يمتنعون عن فعل شيء  بمقدورهم أن يفعلوه؟!

حرية الإختيار

إن الصوم  امتناع عن فعل شيء ما (تناول الطعام  أو أنواع معينة منه أو الكلام أو…)  رغم قدرة الإنسان على فعله ،  إذن هو بذلك مظهر لحرية إرادة الإنسان.

يختار الإنسان المسلم –مثلا –  فى شهر رمضان الامتناع عن الطعام والشراب  فترة من اليوم  لأنه –من المفترض-  يعلم أن فى هذا الامتناع خير له – رغم ألم الجوع.  ويعلم  أن عدم صيامه (بغير عذر ) شر له.

الإنسان حر الإرادة ويترتب على عمله خير أو شر ، سعادة أو شقاء .. ولأنه من غير البديهى أن يريد الإنسان بفعل ما شرا أو شقاءا لنفسه  فإنه بحاجة إلى تمييز الحق من الباطل   ليكون قادرا على توجيه إرادته الحرة  -قدر استطاعته- نحو فعل ما يظنه خيرا.

الصيام يقول لنا أن الإنسان حر مسؤول يحتاج إلى معرفة تأخذ بيده إلى الخير.

وهذا الخير  بالتأكيد  ليس محصورا فى  تلبية حاجات الجسد  وإلا فما معنى الامتناع  الحر عن الطعام ( أو عن أى  مطلب مادى)

هل يقول الصيام شيئا آخر ؟!

نعم  يقول  الكثير لمن يتفكر  ويبحث عن معرفة فلا تبخل على نفسك!

ولعل مما ينبهنا الصيام إليه أيضا :

لماذا لا نلتهم الطعام ( أو نفعل الممنوع)  حين نكون بعيدين عن أعين الناس  رغم قدرتنا على ذلك؟!

لأننا نعلم أن الله مطلع علينا، نعلم أننا نصوم لله لا للناس، نراعى نظر الله إلينا لا نظر الناس .

الصيام يقول أن الإنسان حر الإرادة،  مسؤول محتاج للمعرفة الصحيحة  حبا فى فعل الخير،  همه نظر الله.

و هذ الإدراك الجديد  الذى  ينبهنا الصيام  إليه . أليس  به  تكون البراءة من داء “الإدراك الذى لا يتجاوز الحواس”؟!

من هنا رمضان  جدير بأن يهزم غربتنا. جدير بذلك لأنه يمنحنا إدراكا  غير  مقصور على  حسابات الحواس  و الغرائز فقط.

شهر رمضان جدير أن يطيب نفوسنا المنهكة، كيف؟!

لعل ذلك يتضح من الآتى؛

كيف يمكن أن يرى الإنسان  الصائم  ذاته؟!

يرى الصائم  أنه ليس مجرد جسد  و آماله ليست فى تحقيق مطالب الجسد فقط ، يرى أنه قادر على التحكم فى رغبات جسده  وغرائزه وفقا لتمييزه الحق من الباطل ، يأخذ من الصيام وسيلة يعود بها إلى إنسانيته فى مختلف مواقف  حياته ، يتذكر قدرته على الصوم فبالتالى هو  قادر على منع لسانه من  كلام قبيح و منع يده من  أن تمتد إلى رشوة أو  تنال من ضعيف، يدرك أن وجوده فى الحياة له غاية  أهم من قضاء  أوقات طويلة أمام  أضحوكات و ملهيات  كتيرة  هو فى غنى عنها ، ويرى أنه  فى حاجة إلى وقته لينشغل بعلم نافع أو فعل يظن أنه خير، فهل يمتنع عاقل عن شهوة طعام  -رغم شعوره بالجوع – ليلهو بتضييع معظم وقته فى تفاهات ! .. وهكذا .

أما بالنسبة لعالم الأشياء؛ فيوجهنا الصيام نحو رؤية للأشياء  تتمتع بقدر من الاستقامة المعقولة  الخاشعة ؛ فالرِّى بعد عطش و مرضاة الجسد بقليل من طعام  بعد جوع  يعلمنا أن  استمتاعنا أصلا  بالطعام والشراب هو منحة من الله  و بأمر منه،  فمسموح لنا تناول الطعام والشراب فى وقت سمح الله لنا فيه بذلك  وماعدا هذا الوقت فهو مخالفة لأمر الله .

و لهذا  يمكن أن نرى أن  اعتيادنا  الشبع  المتواصل  فى الأيام الخالية  دون ذكر فضل الله إلا درجة من الغفلة.

و حين نظن  أننا نشبع لأننا نكسب من المال ما نوفر به الطعام   فإن ذلك  الظن وليد  “إدراك لا يتجاوز الحواس”…   فكر قليلا فى النعم الأخرى التى أنت معتاد عليها … هل بيدك أمر شيء يا مسكين؟!  هل أنت وحدك صاحب الفضل على نفسك ؟!  أم أن الله وحده أهل الحمد  سبحانه؟!

وماذا عن الآخر …

كيف يؤثر الصيام فى رؤيتنا للآخر ؟!

أود هنا أن أستحضر صورة  جارنا الطفل الذى عوده أبواه أن ينزل وقت الإفطار  ليسقى  المارة  الذين  حان وقت  إفطارهم  وليس معهم ماء، و يمكنك استحضار حث الشريعة على إفطار الصائم  وأجر ذلك عند الله . ما الفائدة المادية المباشرة  التى أحصل عليها  عندما أفطر صائما ؟!

فى الحقيقة لا فائدة مادية مباشرة على  لكنه التوجه نحو الآخر بالفضل والرحمة  دون انتظار النفع المادى  المباشر منه.

هل يمكن أن تجتمع الرحمة بالآخر مع أذيته من أجل  نفع فردى  مادي؟! هل يمكن أن تجتمع الرحمة مع احتقار الآخر أو  إعطائه قيمة الصفر فى الحياة  لأنه يبدو غير نافع لك ماديا؟!

هل يمكن أن  ترحم الآخر وتمتد يدك إليه بالفضل  وأنت فى عملك عندما تكون مسؤولا  لا تعطي الآخر  حقه  إما تكاسلا  أو اتباعا  لقوانين الصراع التى وضعناها  نحن ؟!

الصيام  يدفعنا بالتوجه نحو الآخر لا بإعطائه حقه فقط إنما بالتودد إليه  بالفضل ، طمعا فى أن ينظر الله إليك ويراك عادلا رحيما بقدرك البشرى.

أما  بالنسبة للصيام و سياسة المجتمع

إذا كان أفراد المجتمع يصومون  معلنين بذلك  أن الخير لا يقتصر على تلبية حاجات الإنسان المادية . فكيف يقبل العاقل  الفاهم معنى صيامه  سياسة مجتمع  تسيء إدارة الموارد المادية  فنجد  فى نفس المجتمع من يموت جوعا ومن يموت من كثرة الطعام؟!

حتى وإن لم تكن أنت  جائعا أو متضررا من الأوضاع، حقيقة صيامك تدعوك لرفض وضع كهذا لأن هناك آخر حقوقه ضائعة. وهذا الآخر مفترض أن تمتد يدك إليه بالرحمة .

 

كيف يمكن قبول سياسة تعتمد على  استضعاف  مجتمع  لمجتمع آخر  والاستيلاء على  خيراته لتحقيق  غايات مادية  للطرف الأقوى – سواء كان مجتمعنا الطرف الباطش أو المقهور؟!

ونكتفى بهذا.

وأخيرا:

رمضان شهر الصيام نافذة نور وحبل نجاة

فلنحاول أن نتمسك بالحبل لا بظلاله  ..كيف؟!

فلنحاول فهم معنى ما نفعل .

و نفهم لماذا نتصرف بهذه الطريقة أو تلك

هل نحن على صواب أم على خطأ، هل  بإمكاننا أن نتجنب خطأ ما أو أن نتصرف بطريقة أفضل ؟

هل نقدر  قيمة  حرية إرادتنا ونتصرف بناء على معرفة  صحيحة قدر الاستطاعة  ظانين بما نفعل خيرا؟

إن الوعى بالذات ،وتأمل النفس، و مراعاة  منحة الإرادة الحرة  بالتماس المعرفة الصحيحة والفعل الخير قدر الاستطاعة  ومراقبة  الله  الُمطلع على  الباطن  و الظاهر:   ليس أمرا سهلا  لكنه مطلوب ما استطعت.

وأنت فى صيامك بالفعل تقوم به، ألست صائما لأنك تعرف أن فى هذا خير لك ؟! ألست ترفض تناول الطعام  وأنت بعيد عن أعين الناس لأنك تعلم أن الله يراك؟!

و معنى ذلك (أى صيامك ) : أنك  يا إنسان حر الإرادة و بمعرفتك  تُطوع جسدك  فى سبيل الحق  حبا فى أن يراك الله متوجها إليه وحده!

إذا  أخذت من الصيام درسا لتطبقه فى بقية حياتك  سَتطمئن نفسك بعد طول الغربة والشتات.

 

اقرأ أيضا :

رمضان ليهزم غربتنا – كيف نرمم نفوسنا المنهكة في هذا الشهر الكريم ؟

وقفات رمضانية 

رمضان، في كهف أفلاطون

النقاش الجرئ والضجر العلني، لماذا نصوم في رمضان؟ ما الهدف من كل هذ الشقاء؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى