فن وأدب - مقالاتمقالات

يا محاسن الصدف، هل نشأ العالم من قبيل الصدفة ؟ (الجزء الأول)

الصدفة والإلحاد:

تناول أحد مشاهير “اليوتيوب” مسألة نشأة العالم صدفة في برنامجه مؤخرا، وساق بعض الحجج التي تحاول أن تقنعنا بأن الصدفة قد لا تكون نادرة كما نظن، وبأن الكون يمكن أن ينشأ صدفة كما يدّعي كثير من الملحدين.

 

حجج الصدفة:

وقد ساق بعض الحجج لإثبات أن الصدفة قد تكون غير نادرة، فمع زيادة عدد مرات التكرار تزداد احتمالية حدوث الصدفة، فأنت عندما تشتري تذكرة “اليانصيب” تصبح احتمالية فوزك ضئيلة، لكن ماذا لو اشتريت 5 مليون تذكرة؟ عندها ستزداد فرصك في الفوز كثيرا.

و الحجة الثانية تتابع بأن تقول إنك إن لم تر غير مرة التكرار التي حدثت فيها الصدفة ستعتقد أن هناك معجزة ما حدثت.

و الحجة الثالثة خاصة بأن افتراضاتنا إذا غيرناها سيتغير ما نظنه نادرًا وصدفة. فمثلا إذا ألقينا قطعة نقود في الهواء فإن احتمالية سقوطها على نفس الوجه كل مرة نادر جدا أو مستحيل، لكن عندما نعرف أن قطعة النقود الملقاة لها نفس الرسم على الوجهين فإن خروج نفس الرسم كل مرة يصبح شيئا منطقيا.

 

نقد الحجج:

والحجتين الأولى والثانية صحيحتان، واعترضانا على استخدامهما فيما بعد كما سيأتي.

لكن الحجة الثالثة فيها مشكلة، فالموضوع ليس مجرد تغيير افتراضات، بل يعتمد على معرفة الواقع، ففي حالة قطعة النقود كانت معرفتنا الأولى غير صحيحة فقد توهمنا أن قطعة النقود عادية، لكن عندما صححنا معرفتنا توصلنا للاحتمالات الصحيحة، ولو كانت معرفتنا صحيحة من البداية لما احتجنا تغيير الافتراضات.

وبالمثل في قوانين قطاع الأعمال المذكورة في الحلقة، حيث كنا سابقا نعتقد أن قطاع الأعمال يخضع لقوانين معينة، وطبقا لهذه القوانين فإن انهيار بعض الشركات وحدوث أزمات مالية شيء نادر جدا، لكن في الواقع فإن انهيار الشركات وحدوث الأزمات لم يكن بهذه الندرة، وبالتالي فالقوانين كانت خاطئة.

ويستعمل مقدم البرنامج هذه الحجج الثلاث لإثبات أن الكون نشأ صدفة كما سنرى.

 

وجود الإله:

ولنتأمل في مسألة وجود الإله قبل أن ننظر في دعواه، فعندما ننظر في الكون من حولنا نجد أن به نظاما، وهذا شيء لا يختلف عليه اثنان، والنظام لا بد له من منظم عالم بكيفية النظام ومريد له وقادر عليه، أي أنه حي ليس بميت أو جماد.

فمثلا لو وضعت كرسيا في قاعة بها كتب مبعثرة فلن يقوم الكرسي بتنظيمها ولو بعد ألف عام، لأنه جماد بلا حياة أو علم أو قدرة أو إرادة، وهذه الصفات أصلًا ليست من صفات المادة، بل من صفات الأحياء.

والكون به أيضا عناية بالموجودات الحية، فعندما ننظر من حولنا نجد الكون مضبوطا بدقة مذهلة ليلائم وجود الحياة فيه، فمثلا لو تغير ثابت الجاذبية بمقدار ضئيل جدا جدا جدا فلن توجد نجوم أو كواكب ولن توجد حياة، وكذلك لو تغيرت المسافة بين الأرض والشمس فلن توجد الحياة على الأرض، وبالمثل لو تغير تركيب الغلاف الجوي للأرض، والأمثلة على ذلك كثيرة.

والعناية بالآخرين لا تقوم بها الجمادات، بل تحتاج لمعتنٍ عالم مريد قادر حي أيضًا.

والوجود لا يصدر من العدم، بل لا بد من وجود سابق عليه ولديه القدرة على إيجاده بهذه المواصفات، فالكون يستحيل أن يوجد من عدم بحت، والحياة الموجودة فيه يستحيل أن تنشأ من موت بحت، وكذلك العلم والإرادة والقدرة الموجودون في الكون، فلا بد من مصدر للكون له وجود وحياة وعلم وإرادة وقدرة، وهكذا.

 

الحجج الثلاثة ونشأة الكون صدفة:

ويستعمل مقدم البرنامج الحجج الثلاثة المذكورة في أول المقال لمحاولة إثبات أن الكون يمكن أن ينشأ صدفة، فباستعمال الحجتين الأولى والثانية يقول إنه لو كان هناك عدد ضخم من الأكوان كما تقول نظرية الأكوان المتعددة فمن الممكن أن يوجد ببساطة كون فيه هذه الدقة المذهلة.

وباستعمال الحجة الثالثة يقول إننا نفترض أن تغير ثابت واحد كثابت الجاذبية سيدمر الكون، لكن ماذا لو غيرنا افتراضنا؟ فلنفترض تغير جميع الثوابت مع بعضها بشكل يحافظ على الاتزان الموجود في الكون، وبحيث أن التغيير في بعضها يذهب أثر تغيير البعض الآخر.

 

نقد حجج نشأة الكون صدفة:

ولا يوجد أصلا أي دليل علمي حسي أو تجريبي على وجود الأكوان المتعددة.

ثم لو فرضنا جدلا وجود هذه الأكوان، فمن أين جاءت؟ هل جاءت من ظاهرة مادية بحتة كآلة مثلا لصناعة الأكوان؟ هذه الآلة بدورها لا بد أنها شديدة التعقيد والنظام بحيث تصنع هذا العدد المذهل من الاكوان المتنوعة، فلا بد لهذه الآلة من موجد ومنظم، أي لا بد من وجود إله.

أو أن هذه الأكوان جاءت مباشرة من موجد لديه القدرة على التغيير والإبداع والإيجاد المتنوع والمستمر لهذا العدد المذهل من الأكوان، ولديه إرادة مذهلة تجعله يقوم بكل هذه التكرارات المعقدة، ولديه علم بكيفية القيام بكل هذه التكرارات وإيجاد الأكوان المتنوعة والمختلفة جدا، أي أنه إله ذو قدرة مذهلة وإرادة مذهلة وعلم مذهل.

أما عن الحجة الأخيرة التي تقول بإمكانية ضبط الثوابت كلها بصورة مختلفة تؤدي لوجود أكوان أخرى صالحة للحياة فلم يذكر لنا تفاصيل هذا الضبط الجديد المزعوم، بل طرح الأمر كمجرد افتراض.

ولو فرضنا جدلا إمكانية هذا الضبط فهو ضبط معقد جدا، إذ يحتاج لتغيير كل ثوابت الكون بصورة تؤدي لاستمرار التوازن في الكون وبحيث يلغي التغيير في بعضها تأثير تغيير البعض الآخر، وهذا يحتاج لدقة مذهلة وضبط مذهل جدا جدا، مما يؤكد حتمية وجود ضابط شديد الدقة والقدرة.

أو أنه يقصد أن مع تغيير الاحتمالات كثيرا جدا ستأتي بعض الاحتمالات بأكوان أخرى منضبطة، وهذا يعيدنا لفرضية وجود أكوان كثيرة وقد سبق الرد عليها.

 

ملاحظات أخيرة:

نجد استدلالات أخرى عجيبة ذكرت في الحلقة، حيث تبدأ بقصة غريبة عن صدف حدثت لممثل ما كان يبحث عن كتاب في مكتبات لندن ولم يجده، وعندما دخل المترو وجد نسخة من الكتاب موضوعة بجواره بلا صاحب فيأخذها، وعندما يقابل الممثل مؤلف الكتاب يخبره المؤلف بأنه قام بوضع بعض الخطوط تحت بعض الفقرات في إحدى نسخ الكتاب تمهيدًا لتغييرها، لكن صديقا له أضاع هذه النسخة في لندن، وتكون المفاجأة أن النسخة التي وجدها الممثل هي نفس النسخة التي يبحث عنها المؤلف.

ويستخدم مقدم البرنامج هذه القصة للاستدلال على إمكانية حدوث الصدف النادرة، مما يجعل المرء يتعجب من حال بعض الملحدين الذين يسخرون من المؤمنين لإيمانهم بقصص يرونها هم خرافية أو غريبة، فالقصة المذكورة غريبة بالتأكيد، وسواء مصدرها المؤلف أو الممثل فكليهما معتادان على “تأليف القصص” أو “ادعاء وتمثيل القصص” لكسب العيش، ولو كان مصدرها غيرهما فهو يضعف القصة أكثر.

وفي آخر الحلقة يتم ذكر عالم ما يقول إن تغيير ثوابت الكون كلها مع بعضها يمكن أن يوجد كون آخر ملائم للحياة، وهي الحجة التي رددنا عليها منذ قليل. لكن ما هو البحث الذي ذكر العالم فيه هذا الاستنتاج؟ وما الاستدلالات التي استخدمت فيه؟ وما مدى دقة وصحة هذه الاستدلالات؟ وأين نشر هذا البحث؟ وما مدى موثوقية الجهة التي نشرته؟ كل هذا غير مذكور بالطبع، بالرغم من حساسية الموضوع المذكور وحاجته لاستدلالات قوية.

ونتابع تفنيد نظرية الصدفة في مقال لاحق.

اقرأ أيضا :

يا محاسن الصدف، هل نشأ العالم من قبيل الصدفة ؟ (الجزء الثاني)

مركزية الإنسان و مركزية الإله … بين الغاية والهدف (الجزء الأول)

نظرية التطور؛ بين التاريخ والفلسفة .. أولًا: البحث التاريخي

 

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد عزت هلال

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق