علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

وهم التَمَلُك

يركب سيارته الفارهة ، يدخن السيجار المستورد ، ينظر بضيق للزحام و ينطلق بسرعة جنونية دون مراعاة لأية ضوابط ، يوقفه عسكري المرور ، فيصيح فيه  ” أنت مش عارف أنا مين ؟” يخرج بطاقة من جيبه ، فيكاد العسكري المسكين يتهاوي خوفا ” اتفضل يا باشا” يرد العسكري بصوت مرتعد ، لترتسم على وجه “الباشا ” بسمه سخرية تحمل خلفها شعورا بالزهو والقوة والتملك ،  ثم يسمع هاتفه يرن ، يرد بسرعة وارتباك ” أيوة يا فندم ، حاضر يا فندم ، حضرتك تأمر خدامك يا فندم !”

هو يظن أنه يملك غيره لأن بحوزته المال ولديه السلطة ومن ثم يملك القوة والتي أصبحت مرادفا للحق ! فقد استقر بداخله أن المال يستطيع أن يشتري به #النفوس ، وأن السلطة يستطيع أن يرهب بها القلوب ، ثم يا للسخرية ، يرتجف صوته عندما يُحدثه من هو أكثر منه مالا وأقوي سلطة ، فيصبح  السيد القوي “الباشا” خادما ذليلا ، إنها حلقة المنافع والمصالح اللعينة التي يبيع من أجلها الانسان نفسه ومبادئه ، إنه حقا وهم عقيم يودي بصاحبه لهلاك محقق !

هذا المشهد المتكرر وغيره من المشاهد المختلفة في التفاصيل والمجتمعة في المعني أصبحت متوغلة بشدة في العالم بأسره ولا سيما في مجتمعاتنا  تشير جميعها الى مشكلة خطيرة في مفهوم “التَمَلُّك” وهي مشكلة وعي بالدرجة الأولى ، فهل إذا حصل الانسان على المال أصبحت ملكيته لهذا المال مطلقة يفعل به ما يشاء؟ وهل وصوله لسلطة أو مكانة وامتلاكه مساحة واسعة من التصرف واتخاذ القرارات بشأن غيره يكون مطلقا يفعل به ما تهواه نفسه ؟ هل عندما نتزوج فنحن نملك أزواجنا بهذا الرباط المقدس ؟ و هل إذا رُزقنا بأطفال امتلاكناهم فأصبح كل ما نفعله بهم ومعهم هو حق مطلق لنا لأنهم أبناؤنا ؟ الأسئلة قد لا تنتهي حول هذه القضية وبالرغم من أن كثيرا من الإجابات على هذه الأسئلة قد تكون ” لا بالطبع لا يعني أني أمتلك أيا من هذه الأشياء” إلا أن الواقع يحكي أشياء أخرى !

وبالنظرة #العاقلة للأمور سيتضح لنا حقيقة أن ما نملكه من مال أو سلطة أو قوة أو زوج أو ولد هو امتلاك محدود و غير مطلق ، وهو إما أن يزول عنا أو نرحل نحن عنه في لحظة ودون أية مقدمات ، لتبقى لنا حقيقة واحدة وهي أن ما نمتلكه حقا هو إرادتنا في الاختيار والفعل  فيما مُكنّا فيه من نعم متعددة مصدرها ومردها هو من وإلى الإله المُنعِم سبحانه وتعالى.

فهذا الغني القوي صاحب السلطة والمكانة ، يشكو قلة أرباحه ، وركود السوق فيمنع الحقوق ويبخل ويظلم نفسه وغيره ، وذاك الفقير اللذي قد لا يملك قوت يومه ، يتصدق ويعطي ويقول: اُعطى مما أعطاني الله وله الحمد على ما وهب ، الفرق هنا ليس في امتلاك المال أوالقوة ، إنما الفرق في الوعي والفهم لحقيقة الإنسان ومغزى حياته ولإرادة الاختيار والفعل !

إن ما يملكه الإنسان حقا هو الإرادة الحرة والتي بها هو إنسان ، فبالإرادة الحرة يختار #الإنسان طريقه فإما أن يبحث عن الحقيقة ، #حقيقة نفسه وغاية وجوده ، أو أن يعيش دون أن يهتم ، يعيش ليأكل ويشرب ويتزاوج ويبطش ويموت دون أن يعرف لماذا خلق وما هي جدوى حياته ! بالإرادة الحرة يستطيع الإنسان أن يختار أن يُحسن أو يُسيء ، يستطيع أن يبنى الأمم أو يهدمها ، يستطيع أن ينفق ماله أو وقته وجهده أو علمه أو جميعهم  في الخير والحق وإقامة العدل ، أو أن ينفقهم في الشر والأذى ونشر الظلم ، يستطيع أن يقول كلمة طيبة ويفعل صالحا يترك أثرا يدوم حتى بعد أن تزول قدمه ، أو يقول كلمة خبيثة ويفعل قبيحا تحفر جروحا قد لا تلتئم مدى الحياة!  وبالنهاية فما تملكه من إرادة #حرة وما ينتج عنها من أفعال وسلوك وعمل ، هو فقط ما سيبقى معك حتما ويبقى لك دوما.

#بالعقل_نبدأ

اظهر المزيد

منى الشيخ

مطور برامج

باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالاسكندرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى