مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

هو الحشيش حلال؟ بالمنطق تتضح الأمور لنصل إلى الحقيقة الكاملة

“أرأيت ماذا يقول الشيخ عن الحشيش ؟ لقد أعلن عن كونه حلالًا!! وكأن مجتمعنا في حاجة إلى سقوط أخلاقي آخر! “ها هم رجال الدين” هكذا يقولها أحد الأشخاص محادثًا صاحبه ومنفعلًا، بينما يرد عليه صاحبه ساخرًا من الشيخ، ناعتًا إياه ببعض الألفاظ التي يندى لها الجبين، مع حملة شرسة على العالم الديني الشهير نتيجة فتواه، صفحات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي جعلت منه محط سخرية، حتى أن إحداها قامت بوضع صورة لوجهه على جسد راقصة تتغني بـ “يا أم المطاهر رشي الملح سبع مرات”، هالتني تلك الحملة التي تعرض لها ذلك العالم، تلك الحملة التي تجبرك أن تحاول التيقن من أن هذا العالم قد صرح بمثل تلك الفتوى حقًا، لأُصدم وقد رأيت التصريح بتلك الفتوى فعلًا، فالشيخ قد قالها بملء فيه: ” الحشيش طاهر “، والحقيقة أن صدمتي ودهشتي لم تكن أبدًا بسبب ما قاله الشيخ، فالشيخ كلماته واضحة دقيقة لا لبس فيها! الحشيش طاهر، لم يزد عن هذا، فماذا تعني كلماته؟ إن الحشيش طاهر غير نجس ولمسه لا ينقض الوضوء، هكذا فقط، لم يفتي بحليته، أو أعطى ضوءًا أخضرًا لشربه، ولكنها أزمات المجتمع وقد تجلت في أقبح صورها.

تذكرت هذا الموقف حين بدأت حملة جديدة عن تصريح آخر لأحد رجال الدين، “الأصوات الحلقية التي تعبر عن الاستياء أو الإهانة والتي تشبه صوت الخنزير ليست حرامًا”، لتنطلق الألسن لتنهش في عرض الشيخ، وتلاحقه اللعنات والسباب، مع استهجان مما وصل إليه علماء الدين وشيوخه!

مرة أخرى، يتجلى التعامل الخاطيء تمامًا مع الدين في أوضح وأقبح صورة، في معرض استهجان أحد المعترضين على فتوى الشيخ يقول: “طول عمرنا عارفين إن الأصوات دي بتنجس البوء 40 يوم”، من أين أتت هذه المعلومة؟ ما هي مدى صحتها؟ هل قائل العبارة له باع في دراسة السنة النبوية والأحاديث وإسنادها؟ هل ما قاله الشيخ يمكن القبول به أو رفضه عقلًا فقط؟ كلها أسئلة تمثل أساس البحث عن صحة ما قاله من عدمه، ولكن هذا كله ليس ما يدور حوله موضوعنا، وخاصة مع الجدل الدائر حاليًا حول خلع الفنانة المعتزلة لحجابها، نعود مرة أخرى لقلب المشكلة التي يعاني منها مجتمعنا.

تتعطل سيارته وسط الطريق وقد أضاء مصباح الوقود، معلنًا خلو سيارته من الوقود تمامًا، يخرج من سيارته يتفحص زيت المحرك، المياه في المبرد، ضغط هواء الإطارات وفي الختام يعلن أن بالتأكيد المشكلة في البطارية، يعود إلى سيارته، يحاول مرة أخرى ولكن -بالطبع- لا تعمل السيارة، هكذا هي مشكلة اليوم مع كل حدث جديد نتفحص الموتور والإطارات ونتجاهل كليًا هذا المصباح الذي يصرخ معلنًا أن المشكلة في الوقود، نضيف المياه للمبرد وحين لا تعمل السيارة، نضرب أخماسًا في أسداسًا من الدهشة، كيف لا تعمل؟ لقد أضفنا المياه وتفقدنا زيت المحرك! وهكذا هو الحال، فمع فتوى (طهارة الحشيش )، تم الخلط بين مفهومي الطهارة والإباحة، وفي قضية (خلع الحجاب) تم الخلط بين الحرام ومن أهل النار، وفي قضية (الأصوات الحلقية) تم الخلط بين عدم وجود إشكال شرعي أو حرمانية وذنب، وبين الاستهجان الاجتماعي وما لا يليق بالإنسان المؤمن ذي الخلق.

لذا اعتنى المنطق بشدة بقضيتي الدليل والمعرف كموضوعين أساسيين له، وحيث إن المنطق هو أول العلوم العقلية من حيث الدراسة، تتضح أهمية البدء في البحث في أي قضية كانت بالسؤال الأهم على الإطلاق (يعني إيه؟).

وبالعودة إلى قضية علماء الدين ودورهم كمثال، ينبغي أن نتساءل ماذا يعني الدين؟ والتعريف الأقرب للدقة والشمولية له هو: مجموعة الاعتقادات -النظرية– والشعائر والسلوكيات العملية المرتبطة بتلك الاعتقادات اليقينية، فينقسم الدين إلى مجموعة من العقائد النظرية وهي هنا مثل: وجود الإله، صفاته ووجود النبوة، ومجموعة من الشرائع السلوكية المرتبطة بتلك العقيدة، وهي مجموعة من العبادات مثل: الصلاة والصوم، ومجموعة من المعاملات مثل: الزواج والمواريث، وحيث إن العقائد هي الأفكار الكلية لأي دين والتي يمكن الوصول إليها بالدليل والبرهان العقلي، فإنها لا تندرج تحتها الجزئيات التفصيلية كخلع الحجاب أو طهارة الحشيش أو حرمانية الأصوات الحلقية، لذا كانت الشريعة هي المنوط بها النظر إلى تلك القضايا، ولكن هل يمكن النظر إلى تلك القضايا بالدليل والبرهان العقلي؟ لا بالطبع لأنها من القضايا الجزئية التفصيلية، وكيف يمكن الحكم بأنها قضايا جزئية ولِم لا يمكن أن ينطبق نفس القول على العقيدة مثلًا؟ لأنها قضايا تقع ضمن تغييرات الزمان والمكان، فمثلًا في قضية الصلاة إذا كنت في منزلك فتصلي الظهر أربع ركعات، أما إن كنت على سفر فيمكن أن تصليه اثنتان فقط حسب الحكم الشرعي، فتغير الحكم بتغير المكان، أو بعض الأحكام الفقهية التي تم نسخها كاتجاه القبلة مثلًا، بينما العقيدة فهي قضايا كلية لا تتغير بتغير الزمان والمكان، فالخالق موجود دائمًا وأبدًا، وحيثما كنت يظل موجودًا.

فكانت الحاجة إلى دراسة علوم الدين الشرعية والفقهية أصلًا في الحكم على بعض القضايا، وكان علماء الدين هم المسؤولون عن الاجتهاد تبعًا للقواعد الشرعية والعلمية لاستنباط وتبيان تلك الأحكام، ولما كانت تلك الأحكام تخص الحكم الديني والإلهي لبعض السلوكيات، فلا ينبغي لإنسان مهما كان أن يتقول على الله ورسوله بما ليس صحيحًا، حتى ولو عابه الناس على ذلك.
لذا تخيل معي ما حدث، الشيخ الجليل يسأله أحدهم عن مسألة علمية فقهية، وليكن شرطيًّا من مكافحة المخدرات يسأله: هل يا شيخنا الفاضل يجوز الصلاة بعد أن لامست الحشيش في إحدى المداهمات؟ فيرد الشيخ: يجوز فالحشيش طاهر، ليصبح معرضًا لوابل من السخرية والسباب، دون أي تمهل في النظر إلى المفهوم الذي سئل عنه وأجاب عليه، بل ذهب البعض للسخرية من أن الأزهر أجاز شرب الحشيش ! فحرف وبدل في الحكم الفقهي فقط لتكتمل المزحة.

يظل السؤال هنا؟ لماذا نأخذ بكلام الشيخ ونخلع منا عقولنا؟ إن في هذا السؤال استمرارًا لذلك الخلط في المفاهيم الذي كنا نتحدث عنه، فالأخذ بالحكم الشرعي والفتوى من أهلها ليس خلعًا للعقل ولا بخسًا لمقداره، بل هو اتباع حكم العقل، كمن أصيب بداء فُخيِّر بين أمرين، أن يحاول علاج نفسه لعله ينجح! أو يذهب إلى الطبيب المختص، والذي بالطبع أمره بأن يأخذ علاج ما، هل يمكن القول عن هذا الشخص بأنه أحمق أو خلع عقله؟ إنما هو تمام العقل في اتباع الحقيقة أينما وجدها، سعيًا لتحقيق الغاية التكاملية من الوجود الإنساني، بأن يعرف الإنسان أولًا ثم يعمل بتلك المعرفة، فيبحث بين دفات الكتب العلمية عن حقيقة العالم المادي وقوانينه، وتدور عيناه على كلمات الكتب الشرعية بحثًأ عن أحكامه السلوكية، ويلتهم الكلمات العقلية بنهم بحثًا عن إقامة بنيان مبادئه التي بها يعرف ويسلك، وأول تلك المعرفة تبدأ دائمًا بـ (يعني إيه؟).

اقرأ أيضاً:

البحث عن السبب الجذري

هو في امل ؟

هل يجب على الإنسان أن يؤمن بنفسه ؟

الوسوم
اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق