مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

هل كان هناك موت قبل كورونا؟! – بعض المغالطات المنتشرة حول فيروس كورونا (كوفيد – 19)

يعمل الخوف والهلع في كثير من الأحيان على إضعاف قدرة كثير من البشر على التفكير بمنهج علمي سليم، حيث يجعلهم يفقدون قدرتهم على التركيز، ومن ثم الوقوع فريسة لكثير من المغالطات المنطقية أثناء حكمهم على بعض الأمور، لاسيما إن كان هذا الأمر يتعلق بالخوف من الموت، فما بالكم لو كان هذا الخوف ناتجا عن حذر الإصابة بفيروس غير مرئي تحول إلى جائحة كبرى اجتاحت العالم بأسره؟!

مغالطات يقع فيها فئة كبيرة من المجتمع:

  • مغالطة التعميم:

تقع فئة كبيرة من الناس هذه الأيام فريسة في شباك بعض المغالطات المنطقية أثناء حكمهم على فيروس كورونا وطرق الوقاية منه وأعراض الإصابة به وتطبيق بروتوكولات العلاج. ومن بين هذه المغالطات مغالطة منطقية كبيرة يطلق عليها “مغالطة التعميم”، بحيث يستخلص البعض نتيجة عن خصائص الفئة كلها من خلال خصائص عينة منها، وإن جاز استخدام هذه الطريقة في أمور بعينها فلا يجوز استخدامها في كل الأمور.

من خلال اختبار هذه المغالطة على تداعيات فيروس كورونا ومدى تطبيق فئة كبيرة من المصريين لها، نجد أن هناك فئة من وفيات هذه الأيام تموت متأثرة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وبسبب هاجس الخوف من الإصابة بالعدوى سيطر الفيروس على سلوك الناس، وأدى إلى تشويش فكرهم، مما أدى إلى وقوع البعض فريسة لمغالطة التعميم، وجعلهم يرجعون أسباب موت جميع الوفيات التي حدثت أثناء انتشار فيروس كورونا إلى فيروس كورونا حصرا وليس إلى سبب آخر، الأمر الذي يجعلنا نتساءل السؤال الاستنكاري: هل كان هناك موت قبل كورونا؟!

بالطبع كان هناك موت، ويعلم جميعنا كذلك أن للموت أسباب عدة، ولا زالت أسباب الموت التقليدية ما قبل كورونا موجودة أثناء انتشار جائحة كورونا، وموت الفرد متأثرا بإصابته بالفيروس واحد من هذه الأسباب وليس كل الأسباب.

  • مغالطة إغفال الاستثناءات:

وبطريقة مشابهة، يقع كثيرون في مغالطة منطقية أخرى يطلق عليها “مغالطة إغفال الاستثناءات” بحيث يقع العامة في شرك إغفال الاستثناءات، ويغفلون أو يتغافلون عن أنه قد يكون لبعض القواعد شواذ، جميعنا يعلم –كما ذكرنا- أن هناك نسبة كبيرة من الوفيات الأيام الماضية كانت بسبب الإصابة بعدوى فيروس كورونا، لكن لابد ألا نغفل أن هناك نسبة لا بأس بها من هذه الوفيات توفيت بأسباب أخرى عدا فيروس كورونا، كالحوادث بأنواعها، والأمراض المزمنة، والسكتات القلبية.. إلخ، فأثناء الجوائح قد نطلق على الأسباب التقليدية للموت استثناءات لأن الموت بسبب الجائحة يصبح هو القاعدة الأساسية.

في الواقع هناك موت قبل كورونا وله أسبابه، وموت أثناء كورونا وله أسبابه سواء كانت الإصابة بالفيروس أو أسبابا أخرى، وموت بعد انحسار جائحة كورونا _إن شاء الله_ وله أسبابه أيضا، فقد تتشابه الأسباب أو تختلف لكن الموت واحد.

  • مغالطة الاحتكام إلى الناس:

مع تنامي استخدام الناس للتكنولوجيا، وسيل المعلومات الجارف الذي ترتب عليها، هناك مغالطة كبرى يفعلها الناس كثيرا في ظل انتشار الجوائح ألا وهي “مغالطة الاحتكام إلى الناس”، وهي تتلخص في إيمان البعض بأن الشائعات صحيحة لأن غالبية الناس يؤمنون بها أو يفعلونها، وهذا بالفعل ما كان يحدث في وقت ذروة فيروس كورونا في مصر، تُطلق الشائعة، ويُروِّج لها كثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعان ما تنتشر في الشارع المصري وتصبح رأيا عاما ينخدع به كثيرون.

فأصبح غالبية المصريين لا يثقون في البيانات ولا في التقارير التي تعلنها المؤسسات المسئولة عن متابعة تطورات الفيروس وأعراضه وكيفية الوقاية منه، أو المؤسسات المختصة بمتابعة وتعداد حالات الإصابة وحالات التعافي وحالات الوفاة أو كليهما، بل أصبح المؤثر أكثر في الواقع هو رأي الناس، وما يتبادلونه من أطراف حديث، وما يشاع على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فغالبية الناس يرون أن (س) صحيح، إذن (س) لا يمكن أن يكون خطأ.

طريقة تعامل البشر مع مختلف الأوبئة

لا شك أن هناك كثيرا من الأمراض والأوبئة والفيروسات كانت موجودة ما قبل كورونا، حيث حصد الموت الأسود “الطاعون” ملايين البشر من سكان أوروبا والشرق الأوسط في النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي، وبحسب الوثائق التاريخية فإن وباء الطاعون كان قادما من الصين أيضا.

ومرت على البشرية أنواع أخرى من الأمراض والأوبئة والفيروسات، كالملاريا والكوليرا وإنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير والإنفلونزا الإسبانية والإنفلونزا الموسمية.. إلخ، حتى ظهور عائلة كورونا من الفيروسات، والتي كان آخر ما وصلنا منها فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

ومع تقدم العلم، من هذه الأمراض ما استطعنا السيطرة عليه ومنها ما تعايشنا معه، لكن اللافت للنظر هو طريقة تعامل عامة الناس مع الأوبئة والجوائح، التي تشابهت كثيرا في أكثر من جائحة، فعند سماعهم عن الوباء أو الجائحة يضطرب العقل ويتشتت الذهن بسبب الخوف والهلع، فيفقدون القدرة على التركيز ومن ثم التفكير العلمي فيقعون فريسة للشائعات غير الحقيقية والخرافات والأكاذيب والخزعبلات.

كذلك لعدم تصدي المؤسسات المحلية والعالمية المخول لها أمر هذه الجوائح لهذه الشائعات والخرافات بسرعة وحزم، صدا سلبيا يعمل على انتشارها ووقوع كثيرين فريسة لمروجيها، أو وقوعهم ضحايا التطبيق الخاطئ، إما لطرق الوقاية أو مكافحة العدوى أو بروتوكولات العلاج، مما يؤدي إلى تدهور حالاتهم الصحية أو فقدانهم الحياة.

تلك دعوة إلى التزام الناس الهدوء والتركيز وعدم الهلع أثناء الجوائح، والتفكير بشكل علمي سليم، والتعريف ببعض المغالطات المنطقية لعدم الوقوع فيه، والإنصات لأهل الاختصاص، وعدم تلقي أية أخبار أو معلومات أو تصديقها إلا من المؤسسات المخول لها أمر تثقيف الناس وتعليمهم السلوكيات الصحيحة وقت الجوائح.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

المغالطات المنطقية فى الحياة العملية

التفكير العلمي والتصدي للشائعات (1)

أدب الأوبئة

اظهر المزيد

د. وائل صبره

عضو هيئة تدريس بجامعة سوهاج، مدرس الفلسفة ومناهج البحث كلية آداب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى