مقالات

هل تعلم كم النخب الذين تم إخفائهم عن أجيالنا …. الأسباب والدوافع

سواء كنت من هذا الجيل أو الجيل السابق، لو بحثت عن النخب الفكرية والعلمية وكذلك الأدبية والفنية، بل لو نظرت لكل النخب في تلك المراحل السابقة والحالية؛ تستطيع ببساطة أن تحصر عدد المشهورين في كل المجالات التي يمثل رموزها النخب المحركة لثقافة ورؤية شعوبها، وكذلك تستطيع ببساطة أن تتعرف على أهم المخترعين الذين غيروا مسار حياتنا بالاختراعات الهامة التي قدموها للبشرية، وحتى نكون منصفين، نحن لا ننكر على هؤلاء ما وصلوا إليه من شهرة، أو أن نقلل مما قدموه من فوائد للناس والمجتمعات.

لكن هذه المقدمة هي للانتقال منها لمحور كلامنا عن الكثير من المبدعين والعباقرة في كل المجالات، والذين لا نعرف عنهم شيئا، سواء أسماؤهم أو أفكارهم، وما هي الإسهامات التي لو توفرت لهم من الفرص والشهرة التي توفرت لغيرهم؛ لكنا على أقل تقدير في نمط مغاير من الثقافة والأدب والفن وكذلك الابتكارات العلمية، كم عددهم؟ ما هي مؤهلاتهم؟ ما هي الإسهامات التي لو قدموها للمجتمعات لتغير وجه الحياة؟

بمجرد أن تقرأ المقال وتتعرف على الأسباب ستدرك بنفسك من هم، والأغرب أنك ستدرك أنك قابلت الكثير والكثير منهم… كما ستدرك قدر الظلم الذي وقع عليهم، وللأسف الشديد أننا كأفراد كنا جزءًا من هذا الظلم، أو بالأحرى كنا سببًا من أسباب ظلمهم وعدم قدرتهم على أخذ مكانتهم الحقيقية!

تبدأ القصة من مرحلة صراع الأفكار بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي في أثناء الحربين العالمية الأولى والثانية، والتي كان غرضاها السيطرة على العالم واحتكار المعرفة وفرض نمط أحدهما على باقي العالم. وإن كان في حقيقة الأمر هو امتداد يسبق تلك المرحلة بكثير، ولكن لنبقى في هذه المرحلة القريبة نوعا ما لأذهان الكثير منا.
حيث شهد العالم صراعًا عسكريًا رهيبًا بكل المقاييس، ويكفيك لتدرك فظاعة وهول تلك الحقبة أن تعرف أن القتلى كانوا في بعض الإحصائيات قرابة 50 مليونًا، والجرحى والمشردين يقارب هذا الرقم، حيث شهد العالم صراعًا أيديولوجيًا بين معسكر يرى الحرية الفردية والملكية الخاصة هما شعار ومنطلق تلك المرحلة، ومعسكر آخر يرى أن المساواة بين كافة أفراد المجتمع والملكية المشتركة هي شعار ومنطق تلك المرحلة. وإن كان يجمع الفريقان النظرة المادية ومركزية الإنسان، وفي مثل هذا الصراع لم تكن الآلة العسكرية هي المحرك الوحيد في الصراع بالسلاح!

بل الذي كان يشكل التأثير الأكبر هو سلاح الأفكار والمفكرين والمنظرين الذين قدموا للشعوب مبررات كل معسكر وأحقيته بقيادة العالم لأنه هو الصواب، حيث اجتهد ونظّر هؤلاء المفكرين و النخب في تعزيز وجهة نظرهم الداعمة لكل فريق في شتى جوانب الحياة، سواءً علي الجانب الاجتماعي أو الاقتصادي أو النظام السياسي الأصلح، وكذلك نمط العلاقات والسلوكيات التي يجب على الشعوب أن يتبنوها حتى يتحقق لهم الحلم الموعود بالرفاهية والتقدم والحياة الرغدة!

وبناء علي ما سبق كانت لتلك المرحلة “مفكريها” الذين يدافعون عن أفكار هذا المعسكر أو ذاك؛ فنجد أن المفكرين البارزين في هذه المرحلة هم فقط الذين يتبنون أحد أفكار المعسكرين دون غيرهم من باقي المفكرين الآخرين، الذين كانت لهم وجهات نظر مغايرة للمعسكرين، حيث كانت لهم رؤيتهم الخاصة التي في أغلب الأحيان كانت هي الرؤية الواقعية التي تنبع من الواقع والتي كانت تسعى لخدمة الإنسانية بوجه عام، لا لخدمة فريق على حساب فريق فكانت رؤيتهم المغايرة تلك لما هو سائد في هذا الوقت السبب الرئيس في عدم تسليط الضوء عليهم، فنجد من يهاجم الرأسمالية والاشتراكية ليس له نصيب من طرح أفكاره على الناس، كذلك نجد من يرفض القتل والاستعمار وسياسته ليس له نصيب من نشر أفكاره ووصولها للناس!
فقد كانت مرحلة تسعى بكل الوسائل لفرض سيطرتها بالأفكار الداعمة لها فقط مما تسبب في ضياع الكثير والكثير من الأصوات الواقعية والمنطقية، التي لو أتيح لها الفرصة لكان الواقع غير الذي سار عليه الآن، أو على أقل تقدير لكنا أمام رؤية مختلفة عن تلك الرؤية التي ضربت بكل الثوابت والخصوصيات عرض الحائط.

وبعد انتهاء الصراع ظاهريا فقط، وبعد أن بسطت الرأسمالية سطوتها على أغلب العالم؛ استمر نفس النهج في تقديم من يمثلها ويدافع عن أفكارها ويروج لها حتى وقتنا هذا، فكم من مفكر وباحث ومخترع لم يجد له فرصة لأنه لا يجيد التملق والرياء والخداع! كم من شباب حلموا باكتشاف مواهبهم التي كانت تبشر بكل خير ولكنهم من طبقة اجتماعية إما معارضة للفكر المادي أو من طبقة اجتماعية فقيرة أرهقتها المادية بأثقال الحياة!

فكم مرة شاهدنا نحن تلك النماذج وتساءلنا حائرين لماذا لم يجدوا فرصة؟ ولم يأخذوا مكانتهم الحقيقية التي يستحقونها بما يمتلكون من مواهب وأقدار قد تتفوق عن غيرهم ممن يتصدرون المشهد؟

لكن لا ننسى وسط هذا الخلل المسؤولية التي تقع على عاتق كل منا، فنحن أيضا نتحمل جزءًا من ذلك الظلم الذي وقع على هؤلاء بتركنا لهم وعدم البحث عنهم والأخذ منهم، فلقد عظمنا أفرادًا لمجرد شهرتهم وقدرتهم على الوصول لأكبر عدد من الناس، والشواهد الكثيرة تدل على ذلك ولكن لو دققنا النظر، لوجدنا الغالبية العظمى منها إما تملك العلم والتخصص ولا تملك الأخلاق التي يجب أن يتصفوا بها باعتبارهم قدوة لأفراد المجتمع، أو نجد البعض الآخر منهم يملك الأخلاق الحسنة ولكن يفتقد لرؤية علمية وواقعية تساعده على الدفاع عن القيم والثوابت التي يتبناها.

فكم من عبقري غيب عنا! وكم من مفكرين لا نعرف عنهم شيئًا؟ أظن أنه قد تتفق معي أنهم كثير، ولا سبيل لتغيير وكسر هذا الظلم إلا بالبحث عنهم كأفراد، والتحقق من مدى علمهم وأخلاقهم وإعطائهم المكانة التي يستحقونها؛ وبذلك نكون على أقل تقدير قد رفعنا عنهم جزءًا من الظلم الذي تسببنا فيه.

اقرأ أيضاً:

الصراع الحضاري وأزمة الحضارة

صناعة النخبة

 ثنائية الفرد أم المجتمع

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق