مقالات

هل التنمية المنشودة تنمية اقتصادية؟ أم اجتماعية؟ أم تنمية تشمل كل جوانب الحياة؟ (الجزء الثاني)

كنا قد طرحنا سؤالا منطقيا في المقالة السابقة، مفاده: إذا كانت التنمية تتحقق بتحقق أهداف النمو الاقتصادي المتمثلة في تحسين مستوى الدخول، وتخفيض عدد الذين يعيشون في فقر مدقع، إلخ، فكيف نحقق حدا أدنى معقولا ومناسبا من مأكل ومشرب ومسكن ومياه نقية للشرب، وتعليم أساسي وعناية صحية، وإصلاح الدولة، وحماية البيئة والموارد الطبيعية، والمشاركة الشعبية، وحق تقرير المصير وغيرها من الحقوق والحريات التي يمكن أن يطلق عليها الحقوق الطبيعية للإنسان أو اختصارا حقوق الإنسان Human Rights؟

 التنمية الشاملة المتكاملة

وقد أكدنا على أن الإجابة على هذا السؤال تحدد بدقة المقصود بالتنمية الشاملة، تلك التي لا تهتم بجانب واحد فقط كالجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، وإنما تشمل كل جوانب الحياة وعلى اختلاف صورها وأشكالها، فتحدث فيها تغييرات كيفية وعميقة وشاملة، وهذا ما أطلق عليه حديثا “الرؤية السوسيولوجية للتنمية”، والتي تقتضي الخروج بالتنمية من البعد الاقتصادي الكمي إلى آفاق أوسع وأرحب تتصل بنوعية الحياة الكلية والتوازن النسبي بين “الكم والكيف”،

أو ما يُعرف بثورة الآمال المجتمعية التنموية الكبيرة التي اجتاحت العالم منذ منتصف عقد الستينيات، وإخراج قضية التنمية من الدائرة الضيقة للبعد الاقتصادي، وزيادة معدل الدخل الفردي والقومي، إلى ما يعرف بالتنمية الشاملة المتكاملة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وصحيا وعمرانيا، تجري في قنوات البناء الاجتماعي مجرى الدم في عروق الإنسان.

التنمية الاجتماعية

الأمر على هذا النحو مكن “التنمية الشاملة” أن ينبثق منها العديد من المفاهيم الفرعية الأخرى والتي تخدم هدف التنمية وتحقق مسعاها، منها مفهوم “التنمية الاجتماعية” Social Development، والتي يقصد بها عند البعض أمثال هيجينز أنها: “عملية استثمار إنساني تتم في المجالات أو القطاعات التي تمس حياة البشر مثل التعليم، الصحة العامة، الإسكان، الرعاية الاجتماعية”.

كذلك ينظر إليها أيضا على أنها: “عملية تحقيق التوافق الاجتماعي لدى أفراد المجتمع، بما يعنيه هذا التوافق بين إشباع بيولوجي ونفسي واجتماعي”. وانبثقت من مفهوم التنمية الاجتماعية مفاهيم أخرى مثل مفهوم “تنمية المجتمع المحلي” Community Development، والذي وضعته الأمم المتحدة عام 1955 والذي يشير إلى أن تنمية المجتمع المحلي هي: “العملية المصممة لخلق ظروف التقدم الاقتصادي والاجتماعي عن طريق مشاركة الأهالي إيجابيا في هذه العملية والاعتماد الكامل على مبادأة الأهالي بقدر المستطاع”،

ويركز المفهوم على خلق ظروف التقدم الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع المحلي الصغير، وأن أسلوب التنمية يجب أن يبنى على المساهمة الإيجابية من أبناء المجتمع.

التنمية الريفية

كما انبثق أيضا مفهوم التنمية الريفية “Rural Development “، والذي يقصد به: “عملية تغيير ارتقائي مخطط للنهوض الشامل بمختلف نواحي الحياة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا، ويقوم بها أساسا أبناء المجتمع الريفي بنهج ديمقراطي وبتكاتف المساعدات الحكومية بما يحقق تكامل نواحي النهوض من جهة، وتكامل المجتمع النامي مع مجتمعه القومي الكبير من جهة أخرى.

 التنمية السياسية الصناعية

وانتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين، حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية، حتى أصبحت يطلق عليها “التنمية السياسية” Political Development، ويقصد بها: “عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية”، ويقصد بمستوى الدول الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية والتي تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية.

  التنمية المستدامة

كما استُحدثت مفاهيم أخرى للتنمية وانبثقت منها كمفاهيم فرعية، منها مفهوم “التنمية المستدامة” Sustainable Development، والذي أصدرته اللجنة الدولية للبيئة والتنمية في عام 1987 ليقصد بها: “تأمين وتلبية احتياجات الحاضر دون الإخلال أو الانتقاص من قدرات الأجيال المقبلة أو القادمة على تلبية احتياجاتها”، والسبيل إلى ذلك ليس فقط من خلال الاستخدام الرشيد للموارد الحالية، والحفاظ عليها من أخطار التلوث والتبديد والتخريب، ولكن من خلال الأخذ في الاعتبار حق الأجيال المقبلة في التنمية وذلك بالعمل على تنمية الموارد الحالية، كما أن أي خطط لتحسين البيئة يجب أن تتضمن برامجا للحد من الفقر في البلدان النامية، باعتباره سببا مباشرا من أسباب تخريب البيئة.

 التنمية البشرية

و استُحدث أيضا مفهوم التنمية البشرية “Human Development”، الذي وضعة البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عام 1990 وعرّفُه على أنه: “تنمية الناس، من أجل الناس، بواسطة الناس”، ثم تطور وتوسع المفهوم عام 1993 ليقصد به: “عملية تهدف إلى زيادة الخيارات المتاحة أمام الناس”، وقد وُضع دليل يمكن من خلاله قياس التنمية البشرية في أي مجتمع، يعرف باسم “دليل التنمية البشرية” أو “الرقم القياسي للتنمية البشرية”، وهو مؤشر مركب من ثلاثة عناصر هي طول الأجل، المعرفة، الدخل.

مستويات التنمية

ومن حيث المبدأ فإن هذه الخيارات المتاحة أمام الناس بلا حدود وتتغير بمرور الوقت، أما من حيث التطبيق، تتركز الخيارات الأساسية في جميع مستويات التنمية في ثلاثة اختيارات هي:

  • أن يحيا الناس حياة طويلة خالية من العلل.
  • أن يكتسبوا المعرفة.
  • أن يحصلوا على الموارد اللازمة لتحقيق مستوى حياة كريمة .

وإن لم تكن هذه الخيارات الأساسية مكفولة ومتاحة، فإن كثيرا من الفرص الأخرى ستظل بعيدة المنال وكذلك يتعذر الحصول عليها.

وللحديث بقية في مقالة قادمة أخرى بإذن الله تعالى

 

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

معوقات التنمية فى دول العالم الثالث

خدعوك فقالوا عن (الزيادة السكانية )

العولمة (الجزء الأول)

الوسوم
اظهر المزيد

د. أحمد محيي خلف

مدرس التخطيط الاجتماعي والتنمية – قسم علم الاجتماع – كلية الآداب – جامعة المنيا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق