فن وأدب - مقالاتمقالات

نيوتن عاريا!

«أنا لا أصطنع فروضا» هكذا قال «نيوتن» Newton تأكيدا على منهجه الاستقرائي القائم فقط على الملاحظة والتجربة، وإن لجأ إلى الاستنباط في صياغة قوانين الحركة! «لكن كل شيء معقد أكثر مما تعتقد، أنت تشاهد فقط جزءا صغيرا من الحقيقة!»، هكذا انتقده «وليم بليك» William Blake (1757 – 1827)، الشاعر والرسام الانجليزي المعروف.

«بليك»

هو الفنان الذي تجلت ملامح الحركة الرومانتيكية في أعماله بشكل مبكر، أي قبل تدشينها رسميا على أيدي روادها: «كاسبار دافيد فريدريش» Caspar David Friedrich، و«وليم وردزورث» William Wordsworth و«صموئيل تيلر كولرج» Samuel Taylor Coleridge.

يحار نقاد الفن عند تصنيفه، فإذا ما أرادوا تصنيفه وفقا لمدارس الفن، انتقلوا من عصر النهضة إلى الرومانسية، ومن الرومانسية إلى الواقعية، وهكذا، بل لقد وصفه معظم معاصريه بالجنون نظرا لآرائه الغريبة والمتطرفة في شتى أمور الدين والفلسفة والسياسة والفن!

كان شديد الانتقاد لرموز النهضة الأوروبية، وبصفة خاصة لـ «إسحق نيوتن»، و«فرنسيس بيكون» و«جون لوك»، فهؤلاء العلماء والفلاسفة – من وجهة نظره – بتعويلهم على التجريب والمعرفة الحسية، إنما يضعون المادة في مرتبة أعلى من الروح، ويضربون عرض الحائط برحابة الخيال والفن والحدس المباشر!

بين فيزياء نيوتن ولوحات بليك

من هنا جاءت فكرة لوحته المعنونة «نيوتن»، وفيها يبدو نيوتن عاريا يجلس على صخرة في أعماق المحيط منكبا على ورقة يصوب عليها فرجاره، محاولا فهم الكون واستنباط قوانين رياضية توصله إلى الحقيقة، غافلا عن أسرار الكون المحيطة به، ومسخرا كامل انتباهه لما هو مخطوط على الورقة!

إنه لا يلقي بالا للأشجار والأحجار والليل المحيط به، ولا حتى لأسرار جسده العاري! الأمر الذي دفع «بليك» إلى التساؤل: هل منطق المعادلات هو منطق الكون على الحقيقة؟ وهل يمكن أن نصل إلى الحقيقة إذا كان كامل انتباهنا منصبا على الأوراق؟

لا شك أن فيزياء نيوتن قد خدمت البشر أكثر من لوحات بليك، بل لقد تأثر بليك ذاته بما قدمه نيوتن من أفكار عن الضوء واللون، ما ألهمه كثرة من الصور والرؤى الشعرية، ومع ذلك تظل اللوحة عملا فنيا رائعا، يعبر عن محدودية النظرة لكل أولئك الذين يعتكفون داخل عقولهم دون أن يوجهوا نظرهم بين الفينة والأخرى إلى النافذة كي ينظروا إلى بعد آخر من أبعاد الحقيقة.

أولئك الذين أوقفوا العالم عند رؤاهم وإن كانت قاصرة، الذين اتخذوا من أيديولوجياتهم سجنا يموتون بداخله من أجل اللاشيء، الذين يعبدون أصناما نحتوها بأيديهم لينحروا حريتهم وبشريتهم ومستقبلهم قرابين تحت أقدامها، هؤلاء هم أهل وطني، لذا أقول لهم افتحوا نوافذكم لتستنشقوا هواء جديدا نظيفا، حطموا أسوار الوهم وظلال الكهف لتروا ضوء الشمس، حرروا أنفسكم بشمول الوعي، فالحقيقة أضخم وأخصب مما تظنون!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

رسالة الفن

الفنان المشتبك

هيراقليطس الباكي، وديموقريطس الضاحك!

الوسوم
اظهر المزيد

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق