فن وأدب - مقالاتمقالات

نمل الولد الطيب

قصة قصيرة

كان الولد الطيب مكروها في البيت، هادئا بلا دور وبلا فائدة، صامتا كأبكم، مرتبكا كمخطىء، له أسئلة ساذجة.. تافهة.. بلهاء، في لحظات الحنان الطارىء يتلعثم وينادي أُمه: “ما.. ما.. ماما”، تخرج رفيعة حادة كنداء جدي على أمه البعيدة، كان نداؤه منفرا.

أخوه الفالح يحضر البرسيم والحب من الغيطان القريبة، يقفز الحيطان كقرد، يمر سريعا كطيف، الولد الفالح مفيد جدا ومحبوب جدا.

أخوه القادم من الخارج بمظاهر الغرب يملك أحدث الأجهزة، ملابسه على الموضة؛ ملابس ممزقة ونظارة من ماركة عالمية وشعر مصفف، يجلب للبيت المال ومظاهر التمدن وله أصدقاء كثر على وسائل التواصل من بلدان مختلفة.

أخوه الناصح _ذلك القريب جدا من أمه_ له وجه وسيم وعين عسلية تجذب كل بنات الحي كي يتقربن إلى أمه، ويقدمن لها خدمات صغيرة وينادينها (يا خالة) في رقة وعذوبة.

أما أخوه الشاطر فيذهب إلى السوق بخمس بيضات ويعود بعشرة جنيهات، تاجر يبيع ويشتري ويبيع، ماهر كحاوٍ.. مقنع ككاهن.

بعد أن ذاق النمل السكر

كثيرا ما يجوع الولد الطيب، فينتظرطويلا كي تمتد المائدة حينما يأتي الآخرون، حين يجوع جدا يذهب إلى المطبخ باحثا عن طعام فلا يجده، يجد النمل يبحث فى القمامة، يقول  للنمل: “هل أنت جائع مثلي؟”، ويأتي بحبيبات السكر، ينثر قليلا منها على الأرض، يرى النمل يتجمع حولها ليحملها، يتابع الصف الطويل وهو يسير حاملا السكر بفرحة طاغية، فينسى جوعه الشديد، يقول: “النمل يحب السكر.. أنا أعطيه السكر.. هل يحبني النمل؟”.

اكتشفوا فعلته فتأكدوا أنه أحمق جدا، ازدادوا كرها له وأبعدوه في غرفة بعيدة مظلمة.

بعد أن ذاق النمل السكر ما عاد يبحث في القمامة، كانوا ينتظرون الولد الذي ينثره لهم، حين تأخر راحوا يبحثون بأنفسهم عن مخازن السكر، وصلوا إليها وعادت صفوفهم تحمل الحبيبات.

لم يفلح بحث القادم من الغرب على جوجل عن كيفية طرد النمل، ولم تتمكن بنات الحي الرقيقات من القضاء عليه، كن يقتلن منه الكثير فيعود أكثر.

قال الولد الفالح: “أنا مشغول بمراوغة أصحاب الغيطان، عيونهم تترقبني، لو غفل عقلي عن التفكير لحظة لأمسكوا بي وقتلوني، لا تشغلوني بنملكم”.

قال الولد الشاطر لنفسه: “حين تبور التجارة ولا أجد حمقى أبيع لهم بالسعر المضاعف، ولا مضطرين أشتري منهم بالقليل لا أبتئس، أبكي كالأطفال وألطم خدودي، أصيح: يا أسيادي بيضي تكسر، وخلفي أم مريضة وإخوة صغار بثمن البيض كنت سأشتري لهم الطعام ولها الدواء، ساعدوني يا عباد الله!، فيتجمع حولي الطيبون وأعود بالنقود، أنا ابن السوق وصاحب الحيلة، يأتي هذا الأحمق بنمله اللعين فيسرقني؟ هو الذى علمهم أكل السكر، يجب أن يجعلهم يكرهونه”.

بللورات النمل

جاءوا بالولد الطيب، فرح لما وجد النمل كثيرا، لكنه تذكر وصيتهم له فقال للنمل: “لا تأكلوا السكر! السكر ليس حلوا!”، ما أن أتم عبارته حتى ارتعش جسده وبكى، فهو يعرف أنه يكذب على النمل، سقطت دموعه حارة غزيرة، كانت الدمعة تسقط على النملة فتتبلور ككرة زجاج بداخلها النملة،

حين فرغت دموعه كان لديه آلاف البللورات كبيض شفاف، جمعها وأخذها معه إلى حجرته البعيدة المظلمة، رأوها في الليل مضيئة كاللآلي أخذوها منه، عمل بها القادم من الغرب منشورات للنشر على الفيس بوك لتجلب عددا كبيرا من المعجبين ويزداد شهرة ويتابعه الكثيرون،

عمل منها الناصح قلائدا أهداها للبنات تتطوح على صدورهن وتلمع، صنع منها الفالح كشافا ساعده على التسلل ليلا إلى الحقول، صنع منها الشاطر مصابيحا شديدة الإضاءة باعها فى السوق، راجت تجارته وملأت مصابيحه البيوت.

لما مات الولد الطيب حزنا على النمل خرج النمل من بيضه البللوري، كان كبيرا جدا بأجنحة طويلة وأنياب حادة وأرجل عديدة بمخالب قوية. التقوا في السماء، ودّعوا روحه الصاعدة، صنعوا غيمة سوداء قاتمة، وفي هدوء ونهم هبطوا على المدينة.

تمت

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

روح الحياة

الجزيرة

في مملكة القط والفأر

اظهر المزيد

يوسف أحمد الجعفري

كاتب ومؤلف قصصي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى