فن وأدب - مقالاتمقالات

نحو نظرية نقدية مسرحية عربية

رسخ في أذهاننا أن المسرح الفن الحي المباشر غربي متمرد ثائر على صياغة العرض والمضمون وعناصر جماليات العرض وفن تشكيل الصورة المسرحية التي استوعبها بقديمها وحديثها وجديدها وما حولها وما بعدياتها، ومن تناول العرض ما بين الحداثة وما قبلها وما بعدها، متفاعلًا مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، منها ما لاقى استحسانًا وصمد، ومنها كان أشبه بالفقاعة التي انفجرت سريعًا، وما تنافر مع مزاج الجمهور على الرغم من رعاية الهيئات المسرحية الرسمية وغيرها منها حينًا ثم انفضت عنه.

إن المسرح الغربي عمومًا دائم الابتكار والتطور، صامد في تطوره المتلاحق، يمارس الانتقاء الواعي ما بين تأكيد وترسيخ وما بين رفض، لكنه لم يتغافل الجمهور يومًا، محاولاته وابتكاراته كلها كانت تضع الجمهور صوب عينها، فشل ما فشل واندثر وما بقي مثبتًا وجوده في تناول ذكي يتميز بالمعاصرة.

لم يحدث هذا كله إلا في ظل حركة نقدية واعية متفاعلة مع المذهب النقدي الفلسفي وعلوم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا والأثنولوجيا وغيرها، مع مواكبة شديدة ومحاولة لتحديد المصطلح وتدقيقه واستعماله في مواضعه.

وبناء على هذا هيمن الفكر المسرحي الغربي وسيطر على مجموعة –هي الأكثر شهرة، تداولًا لأسمائهم– من النقاد المسرحيين وصناع المسرح والأكاديميين العرب بصفة عامة، الذين أقاموا من أنفسهم سدنة لمسرح غربي الفكر والطراز عربي اللسان، مرددين في تعال للمصطلحات الغربية بحالها دون أدنى محاولة لتفسيرها وتقريب فهمها.

وإن فعلوا فقد قاموا بذلك في لغة عربية منحوتة من حوشي اللفظ وغريبه، أولئك الذين لا يفرقون في كتاباتهم وخطاباتهم وكتبهم ما بين الخطاب الموجه للمتخصصين والخطاب الموجه للعامة وفيهم جمهور المسرح.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ما ترتب عليه انصراف الجمهور عن المسرح وانحساره واختطافه في مهرجانات صفرية المردود، محشوة ومكدسة بالعروض الغامضة الصادمة، التي تولي الجمهور ظهرها ولا تقيم له وزنًا ولا اعتبارًا، كل هذا في عشوائية بعيدًا عن أي نظرية نقدية عربية للمسرح العربي، لما له وبه من خصوصيات فكرية وثقافية وعقائدية واجتماعية وإنسانية واقتصادية وسياسية.

ونظرًا لتدهور أحوال المسرح وفي ظل إعلام مسرحي عليل في شقيه النقدي ما بين النقاد المتخصصين وغير المتخصصين وأدعياء النقد، وبين الشق الخبري المهلل المهلهل المادح المرتزق الكاذب المنافق الذي يروج للمرحلة بتداعياتها مصورًا إياها في أحلى صورة ليصطدم بالجمهور ويتسبب في نفوره أكثر فأكثر، لذا تبرز الضرورة الملحة لنظرية مسرحية نقدية عربية.

تعريف النظرية النقدية المسرحية

آلية قوية تتجاوز التحليل السطحي للعروض المسرحية، والغوص في أعماق بنيتها الاجتماعية والسياسية والفلسفية، بهدف فهم العالم عن طريق المسرح، واستخدامه في تحفيز التفكير النقدي بخصوص العلاقات الاجتماعية وعمليات التغيير.

وتعد منهجًا فكريًا وفلسفيًا يستخدم لتحليل العروض المسرحية وتفكيكها، بهدف كشف العلاقات المعقدة للسلطة، والظلم الاجتماعي، والأيديولوجيات المهيمنة التي قد تكون كامنة داخل العمل المسرحي.

إذًا هي ليست محض تقييم فني بسيط لأداء الممثلين أو الإخراج، بل طريقة لفهم كيف يعكس المسرح المجتمع ويشكّله، وكيف يشارك في الحوارات الاجتماعية والثقافية.

بعد قراءة للتجربة العربية المسرحية على امتداد تاريخه والتعرف بدقة على ميول جمهوره واتجاهاته وسماته الفكرية والاجتماعية والثقافية، كان لزامًا أن يُنادى بصياغة نظرية نقدية عربية، هدفها أن ترتقي بالمسرح، تيماته (أفكار العروض المركزية)، موضوعاته، نصوصه، عروضه ككل، لتتناول مشتملات المسرح كافة:

النص وعدم تجاوزه والتعامل معه باستخفاف، والعرض فكريًا وفنيًا بتتبع فن تشكيل الصورة المسرحية (صوامت ونواطق وحركات)، وتغذية العروض بتراثه الفرجوي وفنونه الشعبية، مع الاهتمام بالمتلقي (الجمهور) والحرص على وصول رسالة العرض المسرحي له، التي تساهم في تشكيل وعيه في أبهى وأوضح صورة في توافق وتنام بلا تنافر ولا صدام، لضمان تحقيق أعلى قدر من التفاعلية والتأثير والوعي.

مع الحرص على تصنيف جمهور العروض والفعاليات وأماكن عروضها، فالعروض كلها التي تشتمل على تجريب تعرض أساسًا أمام جمهور أكاديمي ونخبوي وأصحاب الثقافة المسرحية العالية، وبعد مناقشتها وتفنيدها يعرض للعامة ما يتوافق معها فكريًا وفنيًا، لتضييق الهوة بين النظرية والتطبيق، واضعين في الاعتبار مدى تقبل الجمهور لها قبل عرضها عليه.

ولا بد للنظرية النقدية أن تبحث في تقديم صورة المجتمع وما فيه من حسنات ومثالب وسيئات ومآخذ، تبرز حتى تدفع المتلقي للتغيير في غير مباشرة بل كنتيجة لامتعاضه من السلبيات وصورته عليها داخليًا فيسعى لتبديلها وتنقية المجتمع وتطهيره منها.

ولا بد للنظرية النقدية العربية أن تتمتع بقدر وافر من المرونة ما يتسع للمذاهب المسرحية كافة على امتداد تاريخها بغية صناعة عروض راقية، ولا بد من التصدي لانفلات استخدام المصطلح المسرحي وعشوائيته، والاتفاق على مصطلحات تكون ذات قيمة وفاعلية وضرورية للمسرح ونقده بلا تزيد أو فزلكة ونحت مقيت للألفاظ.

ولا بد للنقاد أن يتعلموا كفاية كتابة المقالة النقدية الموجهة للعامة، وتنقية لغتهم ومقالاتهم وحواراتهم من حشو الحشو ودس الدس لمصطلحات العلم بها لا يفيد ولا الجهل بها وطرحها جانبًا بمضر.

وفتح الأكاديميات للنقاش العلمي والبحث في قضايا لها اتصال مباشر بمجتمعنا العربي، فلدينا إرث فني غني من عادات وتقاليد ورقصات وحركات إيقاعية واحتفالات وأزياء وموضوعات وموسيقى وألحان شعبية متنوعة، مع الاهتمام بالنقد التطبيقي والتركيز عليه بقدر كاف، ومساعدة السبل وتهيئتها وتيسيرها للمنظرين والباحثين للتطبيق بعيدًا عن البرج العاجي للتنظير.

مقالات ذات صلة

الحداثة والمسرح الحداثي

وظيفة المسرح

هل النقد الأدبي معرفة؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. كمال يونس

استشاري طب الأطفال ، كاتب ونقد مسرحي ، قاص