مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

نعم أنا متشكك

 

 

موقف 1

“إنت سمعت اللي حصل؟ بيقولوا إن حصل انفجار كبير جدا في المكان الفلاني وراح ضحيته أكتر من 5000 قتيل ده بيقولوا إنه كان كمين كبير ييجي 300 إرهابي متسلحين بأحدث الأسلحة وبمضادات طيارات ومعاهم قذائف يصل مداها إلى 20 كيلومتر، وهنا يسأله زميله “إنت جبت الأخبار دي منين؟ فيجاوبه: “ده كل الناس بتتكلم عن الحادث وعن اللي حصل إنت مش عايش معانا ولا إيه؟!!”

موقف 2

إنت سمعت عن مثلث برمودا؟ كتب كثيرة بتتكلم عنه وبرامج بتتكلم على إن أي طائرة تحلق في منطقة المثلث لازم تختفي من على شاشات الرادار و كتير من السفن بتتحطم في تلك المنطقة حتى في كتاب في أمريكا اتكلم في الموضوع ده وحقق أعلى مبيعات في سنة إصداره، وقالوا إن في أعماق تلك المنطقة توجد القارة المفقودة: قارة أطلانتس؛ القارة اللي وصل أهلها إلى قمة الحضارة والمجد، وإن أهلها من أشد القوم ذكاءً وعلماً، وفي كلام على أنهم أتوا من الفضاء الخارجي.

موقف 3

على إحدى صفحات الفيس بوك خبر عاجل… لقد توفى الدكتور الجراح العالمي وبسرعة البرق ينتشر الخبر على باقي الصفحات وتنهال عبارات التعزية ويتناقل تلك الأخبار فوج وراء فوج وهكذا دواليك… وفي النهاية يتم تفنيد الخبر بأن الرجل مازال حياً يرزق!

كل المواقف السابقة وأكثر منها بكثير تنتشر على الألسنة وتنتشر كالنار في الهشيم وأتعجب من السرعة الفائقة في انتشارها بين جموع الناس والأدهى من ذلك تداولها على ألسنة أناسٍ المفترض فيهم أنهم متعلمون والذين يجب أن يتوفر فيهم قدر من الوعي والثقافة ليبحثوا في المصادر التي تنتشر منها تلك المعلومات والأخبار! وهذا إن دل فإنما يدل على مدى انتشار الأمية الثقافية بين الشباب الذين هم أمل الأمة للنهوض من كبوتها التي استمرت ومازالت تستمر إلى الآن.

وقديما كنا نسمع أن الشائعات والخرافات يتم تداولها في النجوع والقرى البعيدة عن الحضر والمدنية فكنا نسمع عن النداهة التي تردد الأسماء، ومن يسمعها فإنه ينجذب إليها ويصير كما يقولون مجذوبا قد فقد عقله حتى إنه قد تم عمل فيلم عن النداهة وعن تلك الخرافة، ومن الخرافات أيضا -وقد لمست تلك الخرافة أوساط بعض البشر- وهو أن يصاب المرء -أعاذنا الله وإياكم- بمرض الصرع فينعتون المصاب بهذا المرض عن جهل بأنه ممسوس وقد يصل الأمر بأن يحضروا له من يتمتم عليه بألفاظ غريبة وقد يصل الأمر إلى الضرب وإيذاء المريض! حتى على منابر  الإعلام والتي من المفترض فيها نشر الوعي والثقافة، رأيت من يستضيف المشعوذين ويطلقون عليهم علماء فيقولون ومعنا اليوم عالم التنجيم الفلاني ليحدثنا عن الأبراج وحظوظها هذا العام ويفتي ويقول بأن الممثل المشهور سوف يموت خلال العام وأن أصحاب برج الحمل أو أياً ما كان سوف يجنون الأموال الوفيرة! كل ذلك يتم نشره بين جموع المشاهدين وللأسف يوجد عدد كبير يصدق ما يشاهدونه ويؤمنون به.

كل ما تم ذكره، الكثير منا يلمسه في واقعنا الذي نعايشه فهو منتشر بيننا وبين أصدقائنا وأهلنا وهو التصديق دون تمحيص والترديد لأشياء وأخبار لم يتم ثبوتها علمياً ولم يتم نشر موثق لها ولصحتها؛ فكثير من الأخبار التي تنتشر على صفحات الفضاء الإلكتروني لا يوجد دليل على مصداقيتها.

وما نريد أن نصل إليه هو أن نتحلى بعقل متشكك في كل ما يتم تداوله من أخبار ومقولات تتردد؛ فليست العبرة على الصحة بكثرة من يرددون الخبر؛ فعلى سبيل المثال موضوع مثلث برمودا قد طبعت الكثير من الكتب التي تتحدث عن خوارق المثلث المزعوم وقد أثبت العلم والإحصائيات التي تم جمعها بواسطة علماء وباحثين على درجة من المصداقية أن ما ذكر عن خروقات مثلث برمودا هي محض وهم ويمكن لمن أراد الاستزادة في هذا الموضوع الرجوع إلى البيانات والإحصائيات المنشورة على المواقع ذات المصداقية.

فالشك الذي نبغي أن نتحلى به هو الشك المنهجي الذي غرضه الرئيسي البحث عن الحقيقة والوقوف على صحة الدليل فكما يقول أنتوني فلو “أتبع الدليل إلى حيث يقودك” فالشك هو شك مبتغاه الحقيقة وليس الشك من أجل الشك والمعروف بالسفسطة، فيجب أن نكون أمناء في نقل الأخبار ولا نردد ولا ننقل خبراً إلا بعد التأكد من درجة صحته وكل ذلك لن نناله إلا بعقل ناقد يشك في كل خبر يسمعه ولا يتم قبوله إلا بعد التوثق من صحته ويرجى أن نقرأ ونتعلم أسس وكيفية التفكير المنطقي الذي يبنى على المنطق وعلى الفكر الناقد المتجرد من الهوى والخالي من التحيزات المسبقة، وكل ذلك لن يتأتى بين يوم وليلة، بل عن طريق البحث والقراءة المستمرة والتدريب والتطبيق على أرض الواقع؛ فتطبيق ما نتعلمه يرسخ المعلومة ويجعلها جزءاً أساسياً من عملية التفكير، لذا فلنبدأ من الآن ونأخذ على أنفسنا عهداً بألا نصدق أو ننقل خبراً أو أية معلومات إلا بعد التأكد من مصداقية المصدر بالدليل الصحيح… وعلى فكرة بيقولوا إن في دواء أول ما تخده يخليك سوبر مان سمعت بيه؟!.

اقرأ أيضاً:

كيف يبدأ الوعي

محمد سليم

عضو بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالإسكندرية

مقالات ذات صلة