علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

نسكت وانت موجود ما نرضى نتكلم! – الثقة فى الآخر وفقدان الأمانة

الأمانة ومراتبها

عزيزى القارئ… أرجو ألا يخدعك عنوان المقال فتـتسرع في الحكم عليه، بناء على الظاهر قبل أن تعرف ما يحمل باطنه!

إنَّ الأخلاق السامية والحميدة هي اختيار كل عاقل، وكلما ارتقى الإنسان فى سلم العقلانية وصحّ تفكيره كلما ارتقت أخلاقه، فتجده  صادقًا، يحترم آراء الآخرين وأفكارهم، لا يتعصب لأشخاص وإنما لمبادئ وقيم، لا يؤذي غيره بأى شكل من أشكال الأذى، ويتحمل الأمانة ويحفظها…

إلى غير ذلك من الأخلاق والقيم؛ ومقالنا هذا عن الأمانة كقيمة أخلاقية سامية لكل عاقل بغض النظر عمّا يدين به.فإنَّ الأمانة لها مراتب متعددة…

– أعلاها وأعظمها وأحقها بالقيام بأدائها، هى الأمانة التى كلف الله بها بني آدم جميعاً، وهي أمانة إعمار هذه الأرض وإقامة العدل فيها، ونشر الخير والتبليغ عن خالق هذا الكون، وتوحيده وإفراده بالعبودية وعدم الإفساد فى الأرض؛ فهي أولى الأمانات لأنها الغاية الكبرى التى من أجلها خُلقنا.

:وهناك أنواع أخرى من الأمانة بين بنى البشر، وهي بمنزلة الخاص من العام، ومنها

– أمانة حفظ الأشياء المادية:

وهي حفظ ما يودعه الآخرون من مال أو ما يشابهه من الأشياء المادية حتى يستردوها، وعدم التصرف فيها بغير وجه حق أو إتلافها أو إنكار أخذها منهم، ومنها أمانة حفظ الجسد وعدم إتلافه أو تحميله ما لا يطيق، ومنها عدم أكل مال اليتيم أو المستضعفين عمومًا ممن للإنسان ولاية عليهم؛ لأن كل ذلك مما ينبت الشر فى النفوس فتطغى وتُفسِد وتظلم، وكل ذلك يتعارض مع تحقيق الأمانة الأولى.

– أمانة الكلمة وحفظ الخصوصيات:

ومنها ألا يكتم الإنسان كلمة ستجلب منفعة أو تُحقّ حقّاً أو ترفع ظلماً إذا ما كان قادرًا على ذلك، أو يختار الصمت إذا ما خشي طغيان الضرر على الخير المرجو، وأمانة عدم التحريف والتزييف فى الكلم بقصد الظلم أو إيقاع الأذى بالبشر، أو بث الكراهية فى نفوسهم تجاه بعضهم البعض أو لحاجة أخرى فى النفس…

ومنها أمانة حفظ ما اختصك به الآخر من أسرار وحديث نفس ليبثه لك وحدك، وحفظ الخصوصيات بين الأهل والأزواج والأصحاب، فإن حفظ الأسرار وعدم نقلها من شأنه أن يبث فى النفوس الثقة والطمأنينة والأمان النفسي،

وهذا مما نحتاج إليه الآن فى ظل انعدام الخصوصية، وإفشاء الأحديث ما بين الأصحاب والأحباب والأهل والإخوة على مواقع التواصل أو في التجمعات بدافع المزاح!، مما يجعل النفوس تضيق، فلا يجد المرء متسعاً يبث فيه شكواه وهمومه؛ فتضيق نفسه وتثقل بما فيها.

وعنوان المقال يشير لهذا النوع من الأمانة، حيث انتشر منشور ساخر كتبه أحد رواد موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك في صيغة حوار بين اثنين… يقول أحدهما:

– نسكت وانت موجود ما نرضى نتكلم!

= فيرد الآخر: علشان أنا معلم؟

– فيجيب: لأ؛ علشان أنت بتنقل الكلام.

وفى الامتناع عن الكلام إشارة لعدم الثقة فى الآخر؛ لانعدام أمانته فى حفظ ما يقال أمامه، وليس هيبة واحتراماً له.

الأمانة العلمية:

وهي أمانة عظيمة، تتطلب أن يأخذ الإنسان حذره من إلقاء معلومات خاطئة أو فاسدة تضر العقول والنفوس، أو إلقاء معلومات لا تستوعبها عقول الآخرين، فتضرهم وتوقع الشك فى قلوبهم، وإنما يكون الخطاب على قدر العقول وما تستطيع أن تدركه، وهذا من صور الرحمة.

ومنها أمانة نسبة العلم والأفكار لأصحابها.

ومنها ألا يكتم العلم ولا يختزل منه؛ خشية أن يصير الآخرون أفضل منه، مع حفظ حقه فى الاجتهاد. فقد روى لنا التاريخ نماذج لتلاميذ تفوقوا على معلميهم ولم يكره المعلم أن يكون تلميذه أفضل منه، ولم يبخل عليه بما لديه من علم؛

من هذه النماذج: الفنان الإيراني “أيمن مالكي”، وهو رسام واقعي تكاد رسوماته أن تلامس الواقع، بدأ تعلم الرسم ومبادئه الأساسية فى الخامسة عشرة من عمره على يد الفنان “مرتضى كاتويزيان” وكان معلمه الأول والوحيد، فتفوق على معلمه واحترف الرسم حتى حاز على جائزة أفضل فنان واقعي فى عصره.

وهذا إن دل فإنما يدل على إخلاص وأمانة معلّم فى إيصال ما لديه، وهمة تلميذ فى بذل أقصى ما عنده.

– أمانة الولاية:

بأن يقوم الولي بمسؤولياته تجاه رعيته، ولا يظلم أو يهمل أو يفرّط في أداء واجبه.

-أمانة التولية:

ويقصد بها اختيارالشخص المناسب للمكان المناسب، بناء على الكفاءة والقدرات الشخصية، فلا يُوضع شخص في مكان لا يناسبه لأن هذا ظلم له وعبء عليه ومن ناحية أخرى ظلم لغيره لأنه لن يستطيع أداء مهامه كما يجب، ولا يتم اختيار شخص لأمر ما وهناك من هو أكفأ منه لأداء هذا الأمر.

-أمانة الواجب:

ومنها أمانة الأم والأب فى الرعاية والتربية السليمة لأبنائهم والقيام بمسؤولياتهم المختلفة، وقيام العامل بعمله على أحسن ما يمكن، ومنها عدم الغش فى البيع والشراء.

وكل شكل من أشكال القيام بالمسؤولية، هو تحقيق لقيمة الأمانة .

اقرأ أيضاً :

كيف نرفض ما يحدث في الواقع دون أن ننفصل عنه ؟

انطلق نحو الآفاق .. كيف نبدأ حركة التغيير ؟

دواء فاوست .. صناعة الدواء بين الاحتكار والعدل! أحق الحياة مكفول للجميع ؟

اظهر المزيد

زمزم عبد العظيم

عضوة بفريق بالعقل نبدأ بالقاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى