مقالات

نحو بناء حضارة عربية جديدة

لعل المتأمل للفساد الأخلاقي والانهيار القيمي لدى الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يدرك أن الحضارة الغربية في طريقها إلى النهاية، وحتما ستلاقي مصيرها المحتوم، الفناء، ثم الطي في سجلات النسيان. لقد تجبرت هذه الحضارة وتكبر زاعموها، أمروا حيث لا يجب أمر، ونهوا حيث لا يجب نهي، ومارسوا سيادة إمبريالية لا تكون إلا بمثل العلاقة بين السيد والعبد، شريطة أن يكون السيد بطبعه جلادا قاسيا منزوع الرحمة والضمير.

تلك هي أمريكا، وتلك هي الحضارة الغربية التي قامت على أكتاف الضعفاء والمستعبدين والمعذبين في الأرض، تلك الحضارة الظالمة التي كالت بمائة مكيال، وصفقت لإسرائيل على فعل معين، ثم عاقبت سوريا على ذات الفعل.

لكم في التاريخ عبرة

حضارة الألف وجه ووجه، والألف كيل وكيل، و حضارة مثلها لن تُعمر طويلا. ولكم في التاريخ عبرة لمن يعتبر، فالزعامة قديما كانت لمصر، حيث كانت خزائنا ومنبعا لخيرات الأرض، ومن قبل مصر كانت حضارة عاد وثمود، ومن بعدهما كانت الزعامة لدمشق في الدولة الأموية، ثم لمصر مرة أخرة في الدولة الفاطمية، ثم للاتحاد السوفيتي عقب سقوط دولة الخلافة بتركيا، ثم لأمريكا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.

الأيام دول يداولها الله بين الناس، لا ديمومة لأحد ولا بقاء لشيء، قانون التغيير يسري على الجميع، وسنة التعاقب تجري على الجميع، ولكن كثيرا ممن يدعون العقل لا يعقلون ولا يفهمون ولا يبصرون!

أمريكا تتكبر وتتجبر ولا تريد أن تخفض جناحها أبدا، نسيت أنها وريثة لعرش السيادة، وأنها كما ورثته ستورثه لغيرها!

لم يعتبروا من التاريخ، مع أن التاريخ كله عبر )لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ(. ولأنها تتغافل عن السنة الكونية للخالق في خلقه، فإنها من حيث لا تدري تحفر قبرها بيديها، بجهلها وغبائها، لتدفع ثمن تجبرها وظلمها وتكبرها، ولتدفع ثمن الماديات والشهوات التي انغمست فيها، إنها حتما ولابد ستنزل عن عرش السيادة عما قريب، لن يمر العقد الثالث من هذا القرن إلا وهي في طي النسيان!

يبقى السؤال الأكثر إلحاحا، من الوريث؟! من الذي سيرث عرش السيادة ليقود هذا العالم؟ بقيادة عادلة وغايات إنسانية، فيقوده نحو الحق والخير والعدل والسلام، من الذي يستطيع ذلك؟!

ميلاد جديد

وما أرى انهيار أمريكا وأفول نجمها واندثار حضارتها إلا بمثابة الميلاد الجديد للحضارة العربية التي هي بالأساس كانت أكبر أسرار وأسباب النهضة الغربية.

لقد ظل كتاب أبي بكر الرازي في الطب يُدرس منفردا في المعاهد العلمية الأوربية ردحا من الزمن دون أن ينافسه أي مؤلف آخر، وظلت كتب ابن سينا والخوارزمي وابن باجة تُدرس في أوروبا لقرون طال عهدها ولم ينكر القوم ذلك، بل أقروا تلك الحقائق على ألسنة وأقلام كبار المفكرين مثل زيجريد هونكه وهنري برستيد صاحب “فجر الضمير” ونيكلسون وروجيه جارودي وغيرهم من عدول المفكرين والمؤرخين الغربيين.

وآن الآوان لبزوغ هذا الفجر العربي من جديد، آن الآوان لعودة الريادة والسيادة إلى أهلها ومنشئيها الحقيقيين، لنقود العالم من جديد نحو حضارة الروح التي لا تغفل عن طلب المادة، ونحو حضارة العدالة والحق ونشر قيم الرحمة والخير والمبادئ التي ربانا عليها ديننا الحنيف. إن العالم كله الآن يفتقد إلى القيادة العادلة، القيادة الرحيمة.

فكم تجبرت أمريكا وطغت وكم قتلت باسم الحق والحق منها براء، وكم سجنت واغتالت باسم الحرية والحرية منها براء. وتجبر أمريكا لن يمر دون حساب من كوريا، ولن يمر دون رد فعل من روسيا، وأقل ما يقال أن الجميع يملك النووي، وفي أقل من لحظة يستطيعون تدمير الكرة الأرضية عشرات المرات!

هل من حل لتفادي الحرب العالمية الثالثة؟

هذا هو الاستغلال الأسوأ للعلم، وذاك ما صنعته المادة المنتهكة لقيم الروح، وشرر الحرب العالمية الثالثة يلوح في الأفق، فقد فاض الكيل! أمريكا تستوفي الميزان وتطففه لصالح إسرائيل، وإسرائيل تعيث في الأرض سلبا ونهبا وفسادا. والعالم يراقب من بعيد، اللسان يقبل والقلب يلعن والغيب عند الله.

ولن يستمر الوضع هكذا طويلا! ولن تمر جرائم أمريكا وإسرائيل دون رادع أو دون حساب ومساءلة، المسألة وقت لا أكثر، وغدا ستندم أمريكا على طغيانها وتجتر الآلام على مصيرها، ولكن العالم لن يرحم، وغضبة الضعفاء لن تُبقى ولن تذر، والشرر المتطاير سيحرق الجميع، سيدمر الأخضر واليابس، لن ينجو أحد، ولن يستطيع أحد الهرب!

ثم عود إلى ذي بدء، إلى وسط الملعب، لا قوي ولا سيد، فمن يا تُرى سيصنع السيادة؟ ومن يا تُرى يقود هذا العالم نحو الخير والعدل؟

ولعل السؤال الأكثر إلحاحا أيضا هل ستكون الحرب هي الشرط الوحيد لوضع نهاية الإمبريالية الأمريكية؟ بمعنى آخر، هل لا يصح أي سبب آخر لإنزال أمريكا عن عرشها غير الحرب وشررها المتطاير وأحقادها الدفينة وشبح الفناء الذي يلاحق العالم من جرائها؟

من أجل نهضة عربية

قطعا ليس هذا هو الشرط الوحيد، ولكن هناك حلا آخر لإنزال أمريكا من على عرش سيادتها دون إراقة نقطة دم واحدة، ودون الاكتواء بنار الحرب المستعرة، إن ذاك الحل يتلخص في بدء صناعة نهضة عربية تقوم على أربع دعائم رئيسية، كالتالي:

أولا:

إذا أراد العرب إعادة بناء حضارتهم التي أشرق نورها على العالم منذ فجر التاريخ فعليهم بادئا أن يسحبوا رؤوس أموالهم من البنوك الأمريكية والأوروبية وتوجيهها للاستثمار بالأراضي العربية ذات الفرص الاستثمارية  اللامحدودة.

ويجب ألا ننسى أن سحب تلك الأموال سيصيب الاقتصاد الأجنبي بالذعر والركود، وبذات القدر سيُلحق الانتعاش بالسوق العربية ويزيد من فرص العمالة وتقليل نسبة البطالة وعودة خير العرب للعرب.

وثانيا:

ضرورة التوجه نحو إقامة سوق عربية مشتركة على غرار السوق الأوروبية، ولا مانع أبدا من السعي نحو توحيد العملة العربية على غرار اليورو  الأوروبي، والدولار الأمريكي الذي يعم ربوع الولايات المختلفة.

ولعل السوق العربية المشتركة تكون فاتحة خير نحو الوحدة الكاملة بين أبناء اللسان الواحد والقيم الواحدة والدين الواحد، فنكفي أنفسنا اقتصاديا، وتقوى علاقاتنا التجارية صادرا وواردا فيما بيننا، ثم نتوجه بالفائض إلى الخارج، ونتخير شخص من نتعامل معه، معاملة الند للند، معاملة القوي للقوي، وليس معاملة الضعيف للقوي. وما أظن ذلك ببعيد، ولا أظنه صعب المنال على الإرادة العربية.

نحن على الطريق، نعم الخطوات بطيئة ولكننا سائرون، ماضون على الطريق،  فنحن بأي منطق في الدنيا أمة واحدة ومصيرنا واحد، ومهما مزق الأعداء وطننا ومهما وضعوا الحواجز والفروق، ومهما أغروا بعض سفهائنا لاستمرار تلك الفرقة البغيضة حتما سيأتي يوم تصحو فيه الضمائر العربية، وتستيقظ فيه العقول العربية، وتبكي فيه القلوب حنينا إلى قول الحق سبحانه )إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ(.

هذه الأمة التي وحدتها الشدائد وجمعتها المخاطر، حتما سيدرك عقلاؤها يوما ما أن لا سبيل لهم غير تلك الوحدة، وأن لا مسلك لهم غير التعاون والاتحاد.

وثالثا:

على الحضارة العربية وهي تسير نحو إعادة البناء، أن تتقوى بالعلم، وأن تبتغي سبل الريادة فيه، فالعلم هو بوابة المستقبل، هو سر صناعة أي نهضة، ونحن الأمة التي علّمت العالم كما أوضحت آنفا، لم نعدم العلم ولم نعدم العلماء، فقط نحتاج إلى تشجيع البحث العلمي وزيادة الإنفاق عليه، وإخراج النظريات العلمية من الأدراج لتأخذ طريقها إلى حيز التنفيذ، ليبتكر علماؤنا ويعمل عمالنا، فيواكب العمل العلم، ويتم التحديث والتطوير لتكون حضارتنا حضارة أخذت بأسباب التقدم العلمي والتكنولوجي دون أن تعدم أصولها الروحية.

ورابعا:

علينا أن نمد أيدينا للمستضعفين في الأرض، والذين أصبح لهم باع كبير اليوم في التقدم العلمي والتكنولوجي، خاصة اليابان والصين ثم تايوان وهونج كونج والكوريتين.

هذه الدول عانت كثيرا من ظلم الإمبريالية الأمريكية، وتتمنى أن تستبدلها بسيد أكثر منها عدلا واحتراما.

والعرب قوة لا يستهان بها إذا ما حققوا الاتحاد فيما بينهم، فإنهم قادرون على مد يد العون لتلك الدول الشرق آسيوية، ليكون تعاونا علميا وتجاريا يثمر ثمرته بصناعة قوة تقضي على السيطرة والنفوذ الأمريكي.

إن دول شرق آسيا تربطها علاقات اقتصادية قوية بالأمة العربية، وهم يألفوننا ويحبوننا ويحترمون عاداتنا وتقاليدنا ويقدرون عقولنا، بل ولعلهم يتمنون لنا السيادة على العالم، لذا أراهم أول المباركين بذاك الاتحاد العربى إذا ما تم، وأول المتعاونين معنا للقضاء على السيطرة الأمريكية على العالم.

حينها، وحينها فقط، سوف نغدو قادرين على نشر رسالتنا للعالم أجمع، رسالة الحب والسلام الذي يعم ربوع الوطن والحق والعدل.

لا كيل عندنا بمكيالين، ولا ظلم عندنا لضعيف، ولا مجاملة لقوي، الكل في الميزان سواء، والناس جميعا سواسية كأسنان المشط. تلك هي أسس حضارتنا القديمة التي ملأت الدنيا عدلا ونورا وحقا مبينا، فهل نحلم بعودة تلك الريادة؟ وهل من حقنا الحلم بتلك السيادة؟

إنها قادمة لا محالة، بل لعل كل دوري هو استعجالها فقط، ولكني يملؤني اليقين، وتكتمل لدي الثقة بأن أمر الله أت لا محالة )أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ(، وبذات اليقين وبنفس الثقة أعلم أن الأرض كلها لله يورثها من يشاء من عباده،

ولن يرثها ظالم أبدا، وإذا ورثها فلن تطول له السيادة، ولن تدوم له القيادة، فالمصير لقيادة هذه الأرض للقوي العادل، للرحيم لمن يمتلئ قلبه رحمة وحنانا على هذا المخلوق الذي أسجد الله له ملائكته، وصدق الله )وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(، تلك هي سنة الله الخالدة الباقية، ولا تبديل لكلمات الله.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

 الحلم الأمريكي الذي يسعى له الكثير من دول العالم

الحضارة الغربية المتخلفة

بيولوجيا الحضارة

اظهر المزيد

د. محمد ممدوح علي عبد المجيد

حاصل على درجة دكتوراه الفلسفة اليونانية جامعة القاهرة ودكتوراه الفلسفة الإسلامية والتصوف – جامعة المنصورة وعضو الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة وحاصل على جائزة الدولة التشجيعية فى الفلسفة وعلم النفس لعام 2020م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى