أسرة وطفل - مقالاتالأكثر مشاهدةفن وأدب - مقالاتقضايا شبابية - مقالاتمقالات

نتفليكس تاني

هذه المرة ليس الكلام عن الجنس والخيانة والشذوذ، إلى كل شاب وفتاة.. إلى كل زوج وزوجة.. اقرأوا هذا الكلام جيدا!

نتفليكس من جديد

لفت نظري تعليق الأخت الفاضلة دكتورة فاطمة على مسلسل جديد من نتفليكس، نتفليكس تاني؟ أيوه، بس هذه المرة مش كلام عن الجنس والخيانة والشذوذ، يا ريت تقرأ المقال ده كويس قبل ما تتفرج!

الموضوع هذه المرة مش موضوع حرام ومناظر خارجة، لكن مواضيع تانية، شوية الحاجات الحرام المرة دي خفيفة، الشغل العادي بتاع السينما المصرية، لكن الموضوع أخطر بكثير، موضوع الأفكار المسمومة!

فكرة تقديس الفردية والأنانية وتشجيع الانفصال! ولأنه امتداد لمسلسل ناجح ظهر منذ 12 سنة؛ مسلسل “عاوزة أتجوز”، وبطولة نفس الممثلة. المسلسل كان يخاطب بنات في أواخر العشرين من عمرهن ومنتصف الثلاثينيات من عمرهن.

التكملة هذه المرة على نتفليكس تخاطب نفس الشريحة بعد أن كبرت وتزوجت وأنجبت، سيدات في أواخر الثلاثينيات أو الأربعين من عمرهن، ومعاهم بالمرة بناتهم، بنات في سن المراهقة. اكتشفت الدكتورة علا وزوجها أن الزواج والارتباط اختراع فاشل، وموضة قديمة، وتبدأ رحلة المغامرات الظريفة بعد الطلاق!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لن أحكي تفاصيل، لكن سوف أحدثكم عن الأفكار المحورية لتعرف الخلاصة وتفهم الأفكار حين تشاهد المسلسل، أو تشاهد الكثير من الأفلام والمسلسلات والقصص عن الزواج وعلاقات الرجال والنساء في العصر الحديث! لماذا يتهرب الشباب اليوم من الزواج؟ خاصة في الغرب، وتنتشر العدوى تدريجيا إلى بلادنا، لماذا تقلق وتتردد الفتيات من الزواج اليوم؟

ويستمر التردد لفترة طويلة؟ لماذا تزايدت حالات الطلاق في كل أنحاء العالم؟ لماذا انتشرت هذه الظاهرة خلال الخمسين سنة الأخيرة في كل العالم بدرجات متفاوتة؟ النسبة الأكبر في بلاد أوروبا وأمريكا، لكنها تنتشر بالتدريج حول العالم.

أولا الموضوع ليس له علاقة بالدين، وأصل الناس مش بتصلي كويس، الكفار كمان كانوا زمان يعيشون حياة أسرية أكثر استقرارا من اليوم وبنسبة طلاق وفشل علاقات أقل من اليوم، إذن ماذا حدث في العالم؟ ما هي الفكرة التي ظهرت في الغرب وانتشرت عبر الإعلام والإنترنت لتتحول إلى مرض معدٍ ينتشر في العالم مثل الوباء، ويسبب التعاسة الشخصية والأسرية لمليارات البشر؟

اتجاه معاكس

منذ فجر التاريخ وإلى جيل جدي وجدتي كان الشاب حين يبلغ ويكبر يبحث عن عروس ثم يتزوج، ثم يبدأ الزوجان في البحث عن مصادر الرزق وما يسمى بناء أنفسهم، يبحث عن عمل وبناء نجاح وتكملة دراسة إلخ.

أهل الزوج والزوجة يساعدونهما في البداية، لأنهما جزء من الأسرة الممتدة، إلى أن يقف الزوج الشاب وزوجته الشابة على قدميهما، وطبعا سيرد الأبناء الجميل لأهلهم يوما ما، إنها طبيعة البشر والترابط والتعاون، وأن الفرد جزء من مجموعة يعمل لها ومعها، فيستفيد الجميع.

اليوم أصبح البشر يمشون بالعكس! يبني نفسه أولًا وقدراته المادية والبحث عن وظيفة ومستقبل وإنهاء تعليم، ثم في النهاية يتزوج! وهذا أصبح ينطبق على الشباب والشابات، أصبح الجميع يمشي بالمقلوب خلال الخمسين سنة الأخيرة.

شيء ظهر في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، في منتصف القرن العشرين، وبالتدريج انتشر عبر الإنترنت والإعلام لينتشر هذا المرض في كل أنحاء العالم، ماذا تغير في العالم؟

إنها الأفكار التي يروج لها هذا المسلسل وغيره. الفكرة هي الفردية، أو الفردانية individualism، تقديس الأنانية والمتعة الشخصية المؤقتة وجعلها فوق الترابط الأسري والمجتمع والتعاون والتنازل من أجل المجموعة! بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت الفلسفات الفردية، تقديس الأنانية، أن تعيش لنفسك ولا تقدم أي تنازلات من أجل أسرة أو مجتمع أو بلد. أصبحت الأفكار المنتشرة تخيف الناس من التضحية في سبيل الأسرة.

تقول لهم أنك لو ضحيت بجزء من رغباتك وحريتك الشخصية في سبيل أسرتك ستكون مغفلًا! يستغلك الآخرون، أحمقًا، ستخسر ولن تكسب شيئًا! يقولون للناس أن الأسرة سجن يعطل الحرية والرغبات الشخصية، لكن لا يقولون لهم أن هذه الفردانية والأنانية تجعل الإنسان يعيش طوال عمره بلا سند وبدون استقرار وطمأنينة، دائما متنقل بدون علاقة ثابتة آمنة، بدون شخص ثابت يطمئن معه.

أصبحت صورة الأسرة هي صراع وخيانة، وتنافس وشك، واستعداد للترك في أي لحظة على أتفه سبب، بينما الطبيعي كان أن تضحي في سبيل الحفاظ على الاستقرار والأمان الأسري.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

كوابيس يعيشها الملايين في الغرب

اليوم يقولون لكم ضحّوا بالاستقرار والأمان الأسري _عادي_ أمام أي لحظة غضب، أو نزوة، أو اختلاف، أو شعور مؤقت بعدم الرضا، أو عدم السعادة!

يقولون لكم اتركوا الاستقرار والأمان الأسري، وابحثوا في متاهات شوارع الحياة عن حلم السعادة والحب الساخن وصور الأفلام العاطفية. لكن ما لا يقولونه لكم أنكم لن تجدوا هذا الحلم، كل ما ستجدونه هو علاقات متقلبة فاشلة، وجروح متراكمة وآلام كثيرة، تحت شعار الحرية، والفردية، والطلاق، والعزوبية.

حياة شكلها من الخارج مثير، لكنها مثل حياة مهرجي السيرك، ما إن تقترب منهم يزول الانبهار، وينكشف واقع ممل وحياة كئيبة يرثى لها، حياة الوحدة والتقلب والتعرض للاستغلال العاطفي من الغرباء.

الإعلام يقدم الزواج والسكن والمودة والرحمة أنها موضة قديمة مملة، لينتقل الناس إلى بهدلة كوابيس حياة العزوبية والفردانية والأنانية والطلاق! كوابيس البحث عن إشباع لنزوات ثمنها دائما غالٍ ومؤلم، لمجرد إرضاء أنانية الذات المؤقتة المتقلبة، والهروب من التضحية في سبيل الأسرة والاستقرار.

كوابيس يعيشها الملايين في الغرب، ويقلدهم فيها اليوم بعض حمقى الشرق، تشجيع الأنانية والفردانية تحت شعار التخويف من الوفاء للآخرين أو تشويه التضحية من أجل الأسرة، وزراعة فكرة أن الوفي سيكون ضحية للخيانة أو سيكون موضة قديمة، وأن عليك أن تكون ذئبا خائنا تتجول وحيدا كي لا تكون ضحية!

ولكن لا تقول لنا أن الذئب الخائن المتجول يقضي أغلب عمره في تعاسة أكثر بكثير من لو كان يضحي ببعض الأشياء والأمور والتقلبات العاطفية والنزوات  في سبيل استقرار وأمان الأسرة وصحبة الأزواج.

تذكر هذا الكلام في كل موقف أو قصة أو فيلم أو صورة تشجع على العزوبية، أو على الطلاق، أو على عدم الحفاظ على الأسرة، أو التخويف من الزواج والإنجاب.

اقرأ أيضاً:

نتفليكس مصر بداية جديدة بدأت بهدوء لكنها ستضرب بقوة

قبل أن تنبهر بما وراء الطبيعة، تمهل قليلاً

دين جديد يُقدمه الفكر الغربي

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس

مقالات ذات صلة