فن وأدب - مقالاتمقالات

من عصورنا المظلمة إلى سنة عشرة آلاف!

أبسط توصيف لحياة البشر في حقبة بعينها هو أنها سلسلة من القرارات في إطار جدليّة التحدي والاستجابة؛ تحدي الواقع واستجابة العقل لهذا التحدي. وقد يعجز العقل عن مواجهة الواقع فتتجمد استجابته، أو تتمثل في الفرار إلى الماضي بُغية التماس السلوى في إبداعات الأجداد، وهو ما نجده مثلاً في استجابات المصريين المتتالية حين يفرون إلى ماضيهم الفرعوني القديم، أو في جُل استجابات العرب حين يفرون إلى الماضي الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، وفي الحالتين يتيه العقل في غيابات التخلف، تمامًا كالنعامة تُخفي رأسها في الرمال هربًا من صائدها!

وقد يستشرف العقل بقرارات المستقبل، ولو على سبيل الخيال، انطلاقًا من معطيات تؤهله لإثبات الذات، وهو ما نجده بكثرة من قصص الخيال العلمي التي يكاد يخلو منها فكرنا العربي!

«سنة عشرة آلاف ميلادية» هي إحدى نماذج هذه القصص، كتبها القاص والسيناريست الأمريكي «وليام هاربن» William Harben (1858 – 1919) سنة 1892، متخيلاً المدى الذي يمكن أن يبلغه تقدم العقل البشري بعد ما يقرب من ثمانمائة قرن!

أختلف مع الكاتب في تصوره لموقف العقل المستقبلي من الأديان، لا لشيء إلا لعدم تفرقته بين الدين، وفهم البشر للدين في معية فكرة الوصاية باسم الخالق، لذا اختصرت الجزء الخاص بالأديان مع تعديل طفيف لا يخل بمغزى الرواية.

أختلف أيضًا مع تصور الكاتب لتأثير أكل اللحوم على البشر بالسلب، فما تخيله الكاتب من إبداعات وإنجازات علمية قد بات قاب قوسين أو أدنى من التحقق بعد أقل من قرنين فقط، وليس مائة قرن، رغم تناول البشر للحوم. ومع ذلك تبقى الرواية في النهاية تعبيرًا عن نمط تفكير مختلف أحلم فقط بإرهاصاته في وطني.

هيا إلى الرواية…

سنة عشرة آلاف ميلادية! (وليام هاربن)

رجلٌ مُسن، يبلغ من العمر أكثر من ستمائة سنة، كان يصطحب ولده الصغير في ردهات متحف ضخم، وكان الناس يتجولون حولهم بأشكال زاهية، ووجوه صَقلتها الحضارة ونفوس غمرتها الروحانية بشكلٍ لا يوصف.

قال الولد: «لقد وعدتني يا أبي بأن تُحدثني عن العصور المظلمة. أود أن أسمع منك كيف عاش الناس وكيف كانوا يفكرون في تلك العصور البائدة».

أجاب الأب: «ليس من السهل يا ولدي أن تفهم الماضي، فمن الصعب أن تُدرك مدى ما بلغه الإنسان من جهل منذ ثمانية آلاف عامٍ خلت. ولكن تعال معي وسأريك شيئًا».

اصطحب الأب ولده إلى قاعة تحوي عددًا قليلاً من الكتب البالية المُحاطة بالذهب الخالص، وقال: «أنت لم تر كتابًا قط»، ثم حمل بِحرص مجلدًا كبيرًا منها، ووضعه فوق وسادة من الحرير على إحدى طاولات القاعة، مُفسرًا فعله هذا بقوله: «لا يوجد الآن سوى عدد قليل جدًا من هذه الكتب تحفظها المتاحف الرائدة في العالم، وقد كان ثمة زمن يُماثل فيه عدد الكتب عدد سكان الأرض»!

ردَّ الصبي ومعالم الدهشة ترتسم على وجهه: «لا أستطيع أن أفهم يا أبي. لا أستطيع أن أُدرك ما الذي كان يريده الناس من هذه الكتب؛ إنها ليست جذابة، ويبدو أنه لا طائل من ورائها»!

ما وراء الكتب

ابتسم الرجل العجوز قائلاً: «حين كنت في مثل عُمرك كان هذا الموضوع مُؤرقًا لي للغاية، لكني بعدما عكفت على دراسة دقيقة للماضي، أصبح استخدام الكتب سهلاً لي بالتدريج. نحن نعلم أن أفضل العقول قد قرأتها سنة 2000. ولكي أجعلك تفهم هذا، يجب أن أبدأ بتوضيح أن البشر قبل ثمانية آلاف سنة كانوا يتواصلون فكريًا من خلال أصوات ينطقونها بألسنتهم، وليس بقراءة الأفكار مباشرة كما نفعل أنا وأنت.

إنك لكي تَفهمني يجب عليك ببساطة أن تقرأ أفكاري، لكن الإنسان البدائي لم يكن يعرف شيئًا عن تواصل الأفكار، لذا اخترع الكتابة، ومن ثم انقسمت البشرية إلى أعراق مختلفة، وكل عرق باتت له لغته الخاصة المستقلة.

وكما كانت الأصوات تنقل أفكارًا محددة، كذلك كانت العلامات والحروف. وفي وقت لاحق، تم اختراع الكتابة والطباعة لتسهيل تبادل الأفكار، وهذا كتابٌ مطبوع».

انحنى الصبي إلى الأمام وتَفحص صفحات الكتاب عن كثب، ثم قال وجبينه يتصبب عرقًا: «لا أستطيع أن أفهم، يبدو بلا فائدة!».

الفنانون الأوائل

أجاب الرجل العجوز بدوره: «إن سطرًا من هذه الكلمات ربما نقل فكرة قيِّمة للقارئ منذ فترة طويلة. لقد كان هذا الكتاب في الواقع تاريخًا للعالم حتى سنة 2000، وهذه بعض الصور»، ثم راح يقلب الأوراق البالية بعناية مُقدمًا بعض الشرح: هذا هو «جورج واشنطن» George Washington؛ وهذا بابا كنيسة تُسمى الروم الكاثوليك؛ وهذا رجلٌ يُدعى «جلادستون» Gladstone، كان زعيمًا سياسيًا كبيرًا في انجلترا.

لقد كانت الصور وقتئذٍ فجَّة كما ترى، ونحن نحتفظ ببعض اللوحات الزيتية التي تعود إلى تلك الحقبة. كان الفنانون الأوائل إذا ما أرادوا رسم لوحة، مزجوا الدهانات الملونة ثم قاموا بتعميمها وفقًا لأذواقهم على أقمشة ممتدة على الحوائط أو نوافذ المباني.

وأنت تعرف يا بني أن فنانينا اليوم يُلقون الضوء والظلام في الفضاء بالتباينات اللازمة، والتأثير هو كل ما يمكن أن يكون مرجوًا في سبيل تقليد الطبيعة. انظر القبو المواجه لك؛ إن أوراق الأشجار، العُشب، الزهور، وامتداد الماء، تتخذ مظهر الحياة لأن الضوء الذي أنتجها هو ضوءٌ حي».

نظر الصبي إلى المشهد بإعجاب لبضع دقائق، ثم انحنى مرة أخرى على الكتاب تعلو وجهه نظرة غريبة من الاشمئزاز، ثم قال: «هؤلاء الناس لهم وجوه مُروعة، ولا يُشبهون الناس الآن؛ لديهم جميعًا أفواه ضخمة ولكل منهم فكين حادين مخيفين. من المؤكد أن الإنسان لا يمكن أن يكون شبيهًا بهذا».

أجاب الرجل العجوز بلطف: «نعم يا بني، لا شك أنَّ البشر وقتئذ كانوا أقرب شبهًا من الحيوانات الأدنى مما نحن عليه الآن.

“جورج واشنطن” و”نابليون بونابرت”

في فن النحت والتصوير عبر كل العصور يمكنك أن تلاحظ صقلاً تدريجيًا في ملامح البشر. إن ملامح الجنس البشري اليوم أكثر مثالية؛ فالفكر ينطبع دائمًا على ملامح الوجه. وفي تلك الأيام المُظلمة لم تكن أفكار البشر مشذَّبة؛ لقد مات كثيرٌ من البشر جوعًا، ولم يكن لديهم اهتمام بالمدن.

كان ثمة أغنياء للغاية، لكنهم لم يستخدموا أموالهم من أجل حياة أفضل لذويهم من ذات الجنس! كانوا أقرب إلى الحيوانات الأدنى؛ لأنهم كانوا يؤمنون بالحرب. ولقرون عديدة، ظل ملايين الناس يعتبرون “جورج واشنطن” رجلاً جيدًا وعظيمًا، مع أن آلاف البشر فقدوا حياتهم تحت قيادته في المعارك».

سأل الصبي أباه، وقد انحنى بشكلٍ أدق على الكتاب: «هل تعني أنَّه شجَّع الناس على قتل بعضهم البعض؟».

أجاب الأب: «نعم، ولكن لا يمكننا إلقاء اللوم عليه. لقد كان يعتقد أنه على صواب، وقد صفَّق له الملايين من رعيِّته. ثمة محاربٌ عظيم آخر في ذلك الوقت كان يُدعى “نابليون بونابرت” . لقد خاض “واشنطون” الحرب معتقدًا أنه يُسدِي لوطنه خدمة الدفاع عنه ضد الأعداء.

لكن التاريخ يؤكد أن “نابليون” قد شن الحرب إرضاءًا لطموحه الشخصي، وتنصيبًا لنفسه كبطل بين الناس. لقد كانت الحيوانات البرية من الطبقات الأدنى تتسم بالشجاعة وتُقاتل بعضها البعض حتى الموت. وحتى البشر الأكثر تهذيبًا قبل نحو ثمانية أو تسعة آلاف سنة كانوا يتباهون بأنفسهم بذات قسوة الطبيعة. وحتى المرأة-نصف البشرية اللطيف- احتفت بإنجازات الرجال الجريئة في سفك الدماء بما يفوق احتفائها بأي إنجازٍ آخر.

لكن جريمة القتل لم تكن تُرتكب في الحروب فقط، بل لقد قتل الناس بعضهم البعض على مستوى الحياة الخاصة أيضًا، وكم كان غريبًا أن يدفع الآباء والأمهات بأبنائهم إلى الموت. ولطالما أصدرت أعلى المحاكم في العالم أحكامًا بالقتل دون أدني اعتقاد بأن القتل فعلٌ خاطئ. لقد اعتقدوا أن القتل هو الوسيلة الوحيدة لمنع القتل».

الدين وإراقة الدماء

سأل الصبي: «ألم يُدرك أحدٌ في ذلك الوقت بشاعة ما يفعلونه؟». أجاب الأب: «نعم. في زمن يعود إلى عشرة آلاف سنة، كان ثمة رجلٌ صالح يُعرف باسم يسوع المسيح، كان ينتقل من مكان إلى آخر، ويُخبر كل من يقابله بأن العالم سيصبح أفضل إذا أحب الناس بعضهم البعض» … (وقس على ذلك كافة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم).

صمت الصبي دقائق ثم عاود التساؤل: « ألم يُنفِّذ البشر ما أمروهم به؟».

أجاب الأب: «لا، على ما يبدو. لقد قالوا إنَّ البشر لا يمكنهم أن يحيوا وفقًا لتعاليمهم. »، ثم أردف: «إن العديد من المعتقدات حول شريعة الخالق قد تسببت في المزيد من إراقة الدماء في تلك الأيام القاتمة من الماضي أكثر من أي شيء آخر. كان الدين هو الأساس للعديد من أكثر الحروب ترويعًا، وقد ارتكب البشر آلاف الجرائم باسم إله الكون؛ أُحرق الرجال والنساء أحياء؛ لأنهم كانوا لا يعتقدون في مذاهب بعينها، لكنك ستتعلم كل هذه الأشياء في وقت لاحق من حياتك. هذه الصورة التي أمامك هي صورة آخر ملكة لإنجلترا، وتُدعى فيكتوريا».

قال الصبي وهو يحدق في الصورة: «كنت آمل ألا تكون للنساء تلك الصفات المثيرة للاشمئزاز مثل الرجال. لكن هذا الوجه يجعلني أرتجف. لماذا تبدو وجوههم جميعًا خشنة ووحشية للغاية؟».

أجاب الأب: «الناس الذين حكمتهم تلك الملكة مارسوا أكثر العادات خزيًا في التاريخ الأسود للبشرية، لقد أكلوا اللحوم، واعتقدوا أن الحيوانات والطيور والأسماك مخلوقات يمكن أكلها». ارتجف الصبي صارخًا «مستحيل!»، ثم أعرض بوجهه عن الكتاب قائلاً: «لقد فهمت الآن لماذا تنفرني وجوههم. أنا لا أرغب في مجرد التفكير، إننا انحدرنا من أصلاب مثل هؤلاء البشر».

ما أحدثته المعرفة

قال الأب: «لم تكن لديهم معرفة، لكنهم تعلموا تدريجيًا طهي اللحوم باستخدام النيران، وطبخها في أوعية ساخنة لتغيير مظهرها. كما تم نقل الأماكن التي تُقتل فيها الحيوانات وتُباع إلى مناطق منعزلة. وقد تخلت البشرية عن هذه العادة ببطء، ففي وقت مبكر من سنة 2050 أثبت من كانوا يُعرفون باسم النباتيين أن تعاطي هذه الأغذية يتسم بالقسوة والوحشية، وأنها تُسبب تأخرًا في النمو العقلي.

ومع ذلك لم تصبح حركة النباتيين حركة ذات أهمية حتى سنة 2300 تقريبًا. وقتئذ تكيَّفت الفئات الأعلى تعليمًا مع حركة النباتيين، ولم تستمر في قتل وأكل الحيوانات سوى الفئات غير المتعلمة. وقد حاول النباتيون لسنوات سن قوانين تحظر استهلاك اللحوم، لكن المعارضة كانت شديدة للغاية.

وفي سنة 2320 تم بناء مستعمرة في أمريكا لثلاثمائة نباتي تقريبًا. قام هؤلاء بشراء مساحات واسعة من الأراضي فيما كان يُعرف بالإقليم الهندي، وبنوا فيها بيوتهم عازمين على أن يُثبتوا بالأمثلة مدى فعالية عقيدتهم. وخلال السنة الأولى تضاعف عدد من يقطنون المستعمرة، وانضم إليهم أناس من جميع أنحاء العالم.

وفي سنة 4000 أصبحت البلاد ملكًا لهم، ووُلدت ألمع العقول في أراضيهم، وقدَّموا أعظم الاكتشافات والاختراعات؛ ففي سنة 4030 اكتشف “جيليت Gillette” نوعًا من الكريستال المعالج. كان الناس حتى ذلك الحين يبنون بيوتهم من الحجر الطبيعي والخشب القابل للاشتعال، لكن المادة الجديدة ذات الألوان الجذابة والقدرة على مقاومة الحريق باتت تُستخدم في جميع أغراض البناء.

وفي سنة 4050 اكتشف “هولواي Holloway” تعاقبًا مغمورًا من السلاسل الجبلية عبر المحيط الأطلنطي، وكان يهدف إلى بناء جسر فوق قممها، لكن التحسن الكبير في مركبات الهواء جعل تنفيذ خططه غير عملي.

وفي سنة 4051 اكتشف “جون سوندرزJohn Saunders” التليغراف الفكري Thought-telegraphy، وقد كان هذا الاكتشاف بمثابة علامة على بدء انطلاق علم القراءة العقلية في المدارس والجامعات، وبحلول سنة 5000 تم إحراز تقدم كبير في هذا الفرع من المعرفة، ولم يعد يتواصل بالكلمات سوى الفئات الأدنى من غير المتعلمين.

ما أعقبه الاكتشاف

يا لها من لحظة في تاريخ العالم تلك التي ظهر فيها هذا الاكتشاف الهام. لقد أدى إلى تحضر العالم، ولم يكن المروجون المبكرون له يحلمون بأن يتبادل البشر قراءة أفكار بعضهم البعض بمثل هذا الإتقان.

لقد أدى الاكتشاف إلى قتل الشر وإن كان ببطء؛ حيث تم تدشين جمعيات لمقاومة الفكر الشرير في كافة أنحاء الأرض، ووُلد أطفال أنقياء العقل ليتربوا في طهارة، واختفت الجريمة من الوجود. وحيثما وُجد إنسان شرير فسرعان ما كانت تتم قراءة أفكاره فلا يُسمح له بالبقاء. كان البشر يحيدون في البداية عن أفكارهم الشريرة خوفًا من العقاب، لكنهم بعدئذ نشأوا على حب النقاء.

وفي سنة 6021 أصبح لجميع دول العالم لغة مشتركة، والتحموا تحت مظلة المحبة الأخوية بالتبادل المتواصل للأفكار، واتفقوا على الانضواء في وحدة أرضية بلا حكومة أو حُكام. لقد كان حدثًا عظيمًا في تاريخ العالم.

وفي ألمانيا كان ثمة مجموعة من الطلاب ذوي عقول معينة حساسة، حاولوا التواصل مع الكواكب الأخرى عبر قناة الأفكار، وقد أعلنوا أنه بالنظر إلى إجماع أهل الأرض بشأن هذا المسعى، فإنهم قد تلقوا انطباعات عقلية من الكواكب الأخرى، وأن التبادل الشامل للأفكار بين الكواكب بات احتمالاً قويًا في المستقبل.

لقد أصبحت الاختراعات الهامة واقعًا حيًا بعد أن ارتقى العقل الإنساني. وتمكن “ثورنتون Thornton” من ابتكار خطة لتسخين سطح الأرض بالنار المتوهجة بداخلها، وقد أدى هذا الابتكار إلى إنجاز رحلات إلى الأقطار الرائعة المتجمدة الواقعة في القطبين الشمالي والجنوبي؛ لتتوالى أعظم اختراعات البشر في سلاسة، وصولاً إلى ما تراه الآن!

تُرى، هل سيبلغ البشر سنة عشرة آلاف ، أم سيقودهم العقل إلى الفناء قبل ذلك بكثير؟

اقرأ أيضا:

في مملكة القط والفأر

سقروطة … والسُحب … والحقائق المقلوبة!

كيف نصنع بالتفكير واقعاً مغايراً داخل المجتمع

الوسوم
اظهر المزيد

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق