فن وأدب - مقالاتمقالات

المحاسب والمثقف – هل من سبيل للتخلص من الحزن ؟ أم هو حالة مستمرة ؟

مقهى كوكب الشرق

لا يجلس أحد بداخلها؛ فهي صغيرة للغاية وبالكاد تستوعب “ناصبة” المشاريب، زبائنها يجلسون في الشارع بمحاذاة سور المترو، محاسب أربعيني ميسور الحال دائم الجلوس على هذه القهوة الصاخبة التي لا تهدأ لكثرة زبائنها وكثرة السيارات المارة على الكوبري المعلق فوقها وضجيج المترو كل دقائق، هذا الصخب كفيل بأن يشتت تركيزه فتفشل أي عملية تفكير تدور في عقله، والشيشة بدورها تُفشل أي محاولة لتذكر الماضي أو تخيل المستقبل وهذا هو المطلوب ولذلك هو جليس هذا المكان الذي يشل إدراكه فيمنحه شيئاً من انعدام الألم ولو بشكل مؤقت ينتهي فور حسابه على المشاريب وتأهبه للرحيل.

الذهن ليس صافياً

ولكن يومه اليوم مختلف، لكل شيء حدود حتى اللامبالاة والهروب من الواقع لهما حدود، فشل الصخب والشيشة في إعطائه جرعة الإغماء اليومية، ينظر للرماد الطائر من الشيشة والذي كان للتو ملتحماً في الفحم المشتعل، يفكر في ماهية الفحم، هل كان خشبًا وقد أشعل أحدهم النار فيه للتدفئة في هذا الشتاء القارس فأصبح فحماً بعد هذه المحرقة؟ ومن الذي قام بهذه المحرقة وكيف كان الخشب قبل ذلك؟، إنه يحاول الهروب من واقعه بأسئلة لا فائدة منها يسألها لنفسه!

بالتأكيد ليس هتلر هو الفاعل لهذه المحرقة فإحراق قطعة من الخشب لا يستلزم ديكتاتوراً ذا سلطة، ربما كان الخشب المحروق متلاحماً في كرسي أنهكته الأيام وأصبح غير لائق للاستعمال، كان الكرسي متلاحماً في شجرة اقتلعت من جذورها لاستخدام خشبها، شجرة أصبحت رماداً يتطاير في الهواء، يا لها من كوميديا، لا ليست الشجرة التي تطايرت في الهواء وإنما بذرة في الأصل، بذرة أصبحت شجرة، أصبحت خشباً، أصبح كرسياً، أصبح فحماً، أصبح رماداً يتطاير في الهواء.

لا شئ ثابت!

لا شيء ثابت على هذه الأرض حتى الإنسان، مرور الزمن كفيل بتغيير كل شيء هنا، ليست أجسادنا فقط التي تتغير وإنما نحن بذاتنا نتغير معها، أفكارنا وأمنياتنا وأخلاقنا وعاداتنا، يعرض ألبوماً لصوره في ذاكرته، ليس هو الذي في الصور، تغير كل شيء، تنهد قائلاً “أنا مش عارفني”، يتذكر صاحبه الذي تغير للأسوء وعدوه الذي هداه الله وأصبح صديقه، من توفى ومن سافر ومن انقطعت أخباره، أحلام لم تعد أحلاماً ومخاوف عجزت وسقطت أسنانها ومآمن انهارت على جدران قلبه لتحل محل مخاوفه السابقة، ما هو الثابت هنا؟.

يطلب منه القهوجي تغيير موضع سيارته، يعطيه المفاتيح كي يقوم هو بذلك مفضلاً عدم الحركة، متى اشتراها وأين ذهبت بهجتها ولماذا انهار من الألم والغضب عندما تعرضت لحادث؟ وها هو يفكر في بيعها ليفك ضائقته المالية وربما خلال أيام لن يكون لها وجود في حياته.
غلاء الأسعار إعصار قادم من بعيد سيلتهمه ويلصق فيه الفقر، كيف يعيش الفقراء دون رغد العيش؟ هل هم سعداء؟ لا أحد سعيد على الأرض!

لا الفقير ولا الغني فكل شيء زائل وكل شيء حتماً سيتغير وكل الأماني حتماً ستضيع وكل الناس حتماً ستموت وكل المباني حتماً ستنهار.
حجر المعسل يفسد وينتهي، “غيّر الحجر يا عبد اللاه” في شرود ودون اهتمام صرخ بذلك.

صومعة الدرويش

خمسيني توفت زوجته وأبناؤه في حريق التهم منزله، يعيش الآن في غرفة على شكل مربع مقسومة نصفين، نصف به مصلى ومسبحة ومقرأة عليها مصحف أسفلهم مرتبة دون سرير، والنصف الآخر به مكتبة كبيرة ومنضدة صغيرة عليها أوراق مكتوبة مبعثرة وفي الزاوية كرسي، يقضي نصف يومه في غرفته بين القراءة والكتابة والعبادة والنصف الآخر بين الناس في الشارع بين مساعدة المحتاج وتوعية الجاهل ونصح الحائر وفض التنازع بين المتنازعين بما لديه من محبه وثقة بين الناس، وأما رزقه فيكسبه من دكانه الذي يتناوب على العمل فيه غلمان من الحي هو يمثل لهم أباهم الروحي.

تسلل المحاسب الأربعيني إلى غرفة المثقف الخمسيني فوجد الباب موارباً يبين ما وراءه فقد كان صاحب الغرفة جالساً يقرأ على إضاءة خافتة وملامح وجهه صارمة وجادة وشغوفة تقول إنه مثار وجائع جوع من نوع آخر وسعيد سعادة غامضة المصدر، دون أن يرفع المثقف نظره تجاهه قال “تفضل بالدخول على الرحب والسعة” فارتبك المحاسب للحظة أو أكثر ثم فتح الباب وكلّم المثقف قائلاً “أريد أن أتحدث معك”
فقام له المثقف بوجه متبسم وسلم عليه ودعاه للجلوس على الأرض في المنتصف حيث صالون الغرفة!

الركن المجاور للباب به “باجور وهو بوتاجاز القرن الماضي وطبق فارغ وخمس أكواب زجاجية وشاي وينسون، أعد لضيفه كوبًا من الشاي وأعد لنفسه أيضاً ثم وضعهم بجوار ضيفه على الأرض وهمّ بالجلوس ونظر لضيفه والابتسامة لم تغيب عنه وقال “كلي آذان صاغية”

حوار بين المحاسب والمثقف

المحاسب: لماذا كل شيء يفسد وينتهي مما يجعل حزننا لا نهاية له؟
المثقف: ما يفسد هي المادة التي طبيعتها التغير، كل الأجسام تتغير طبيعتها وتزول وتتحول إلى أجسام أخرى هكذا تقول لنا الفيزياء، وحتى إن حميت الجسم نفسه من الكسر أو الفناء فإن عوامل كالتراب والهواء وتباعد الذرات كفيلة بأن تُغير هذا الجسم.

المحاسب: ولماذا تتغير طباع الناس وأخلاقهم وأهدافهم؟
المثقف: لأن لهم جانباً جسدياً مادياً يتفاعل مع العالم المادي ويحركه العقل الذى قد يفلت زمامه على الجسد فتعجز القوة النفسية العقلية عن السيطرة عليه فتجد أخلاق وأفكار الناس تفسد.
المحاسب: وما الحل أيها الفيلسوف؟
المثقف: الحل بيدك، علمت أن المادة متغيرة وتنتهي وليست ثابتة ولا دائمة إذاً لا تنغمس في عالم المادة، لا تتعلق بشدة بأمور مثل الناس والمال والأجهزة والسيارات والأماكن لأنها عرضة للتغير.

هل الحزن مستمر ؟

إن مقدار الحزن يكون على مقدار التعلق بالشيء فإذا تعلقت بالشيء بشدة وعلقت عليه آمالاً زائدة ستحزن بشدة عندما يضيع منك، ولذلك أقول لك لا تنغمس في هذه الأشياء القابلة للتغيير والفناء حتى لا تضيع معها، ألم تسمع عن الفنانة شديدة الجمال التي ماتت بالحسرة بعد بلوغها سن الشيخوخة نتيجة فقدانها لجمالها أو ذلك الثري صاحب العقارات الذي تعرض لانهيار عصبي أدى للموت عندما عصف الزلزال بعقاراته أو ذلك الإقطاعي الذي فقد عقله عندما أممت الدولة ثروته، أو هذا الشاب الذي انتحر عندما خانته حبيبته، لا تتعلق بمثل هذه الأمور الزائلة يا عزيزي وستكون على ما يرام.

المحاسب: أرى كلامك سلبياً يدعو إلى الانهزامية.
المثقف: هذا هو الواقع سواء أعجبك أم لا، الفهم الفلسفي المدعوم من العلوم التجريبية يقول ذلك، كل شيء إلى زوال وبالتالي فالعلاج الفلسفي العقلاني يقول لك لا تتعلق بالزائل.
المحاسب: حياة بلا تعلق هي حياة يائسة جافة فارغة لا قيمة لها.
المثقف: أتفق معك.

ما الحل ؟

المحاسب مندهشاً: وما الحل؟
المثقف: ابحث عن الأمور التي طبيعتها الثبات والدوام وتعلَّق بها.
المحاسب متلهفاً وكأنه أمسك بحبل يأخذه من بئر عميق سحيق: دلني عليها.

المثقف: عالم العقل، المعنويات التي لا تخضع للحس وليست بمادية كالحب والرضا والسكينة.

المحاسب: معذرة ماذا أفعل للوصول لذلك!
المثقف: قم بالأفعال التي تمنحك ذلك، اقرأ كتاب يغمرك بنشوة العلم، قم بعلاقة مع ربك تمنحك السكينة، ساعد عاجزاً فقيراً فتنال السعادة، قل كلمة حق فيرتاح ضميرك، اجتهد في عملك واربطه بغاية نبيلة فتشعر بالرضا والإنجاز، ابحث دائماً عمَّا يوفر لك السلام النفسي وابتعد عن كل ما يستقبحه العقل يكن لك ما أردت، ثالوث العلم والحب والأخلاق يمنح الإنسان السعادة الدائمة.

الغايات لا الوسائل

لا تضع الوسائل في منزلة الغايات وتظن أن ضياع الوسيلة معناه ضياع الغاية، لا أحد يمتلك صكوك الحب والاحتواء بمفرده فلا تنهار إذا فقدت أحدهم فحتماً هناك آخرون، لا تحصر السعادة في المال، للسعادة وسائل كثيرة المال أضعفها فهو كما اتفقنا متغيراً وفاقداً للدائمية والثبات.
ربما تستيقظ على حريق يلتهم أوراقك بما فيهم شهادتك أو ربما يطيح من يملك واسطة بمكانتك العلمية ويحل مكانك ولكن علمك في قلبك لا أحد يستطيع أن يأخذه، هذا هو الفارق بين الماديات والمعنويات
المحاسب: إما الانغماس في العالم المادي المتغير الفاني أو الانغماس في العالم العقلي المعنوي الثابت الدائم بما يحتويه من الممتلكات النفسانية والفضائل والقيم والخير.
المثقف: وأنت صاحب الاختيار، أحسنت.

اقرأ أيضاً:

البلطجة اقتباس حيواني

الكلمة عمل عظيم

كيف يحيا الإنسان حياة إنسانية حقيقية ؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق