فن وأدب - مقالاتمقالات

مناجاة

ماذا يا نفس تنتظرين بعد أن ذهب شرخ الصبا وولى عهد الوفا؟ فهل لك من متاب بعد أن صرت إلى الكهولة أقرب منك إلى عهد الشباب؟ ومهما طال عهدك مع الظِّباء الغيد، والعيش الرغيد، فقريبا يوم الوعيد!

كيف الخلاص يا نفس؟! والقلب مجروح، والكبد مقروح، قد أثقلته الهموم، وامتلأ بالكلوم، وغلبته الآثام والغيوم، ولم يبق إلا الحي القيوم!ا

يا نفس لا يخدعنك من الدنيا عرض زائل، فالكل بلا طائل، وإلى الله مصيره راحل.

يا نفس حَتَّامَ أنت في ضلالك؟! وإلامَ أنت في غيك وعنادك؟! أما وخطك الشيب، أما في نصحه لك ريب؟! بعد أن غلبت آحادك عشراتك، فكثرت عثراتك، وتوالت موبقاتك، وتواترت مهلكاتك!

يا نفس ما أقبح فعلك! وأوقح عملك! ألا تستعدين للموت؟! وهو أقرب إليك من شراك نعليك، أما لك موعظة فيمن سبق؟! أما تعتبرين فيمن غادر ورحل؟ أما تعلمين أن الموت يأتي فجأة وأنه قادم لا محالة؟!

يا نفس كم ستعيشين؟! إلى الخمسين وقد قربت؟! أم إلى الستين وقد دنت؟! أم إلى السبعين وما هي ببعيدة؟! أم أنك تؤملين للعيش إلى التسعين؟ وحينها ستردين إلى أرذل العُمُر، ويرتد عقلك عقل طفل، يتمنى لك الجميع –آنذاك– الموت المعجَّل، ويدعون بالفراق المؤجَّل.

يا نفس مالك على شهواتك مداومة، وعلى شبهاتك قائمة؟! ألا ترجعين إلى الصواب، وتئوبين إلى المناب؟!

رباه! سرِّحْنَا من نير هذي الحياة، فلا نرى قيدا إلا في عبوديتك، ولا ذُلًّا إلا في طاعتك، ولا تبعدنا عنك بقربنا من معاصينا، واقترافنا لمآسينا!

إلهي! خلِّصْنا من إقبالنا على خلقك ومسألتنا لعبادك بإقبالنا عليك، وخضوعنا بين يديك، حتى لا نرى إلا أنت، ولا نبصر سواك. اللهم اعمِ أبصارنا من النظر إلى محرماتك، ونوِّرْ بصيرتنا فلا ترى إلا طاعتك في الدنيا ونور وجهك في الآخرة.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

لا تستسلم

من أجلي أنا

لا وسط، إما يمينًا أو يسارًا

اظهر المزيد

أ. د. محمد دياب غزاوي

أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية- جامعة الفيوم وكيل الكلية ( سابقا)- عضو اتحاد الكتاب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى