مقالات

الفكر والثقافة وتداولهما بين الدول وعلاقة ذلك على استمرار الحضارات

الفكر والحضارة

من فترة لأخرى وفي مناسبات عدة يتكرر النقاش حول مسألة التأثير بالثقافات الأخرى حيث  يتجدد الحوار بين مرحب ولا يجد غضاضة وبين منتفض ثائرٍ لهوية الوطن وكرامته ومهاجما لما يأتينا من خارج الحدود.

بين مؤيد ورافض

ويستمر الحوار وتستمر عجلة الحياة على ذاك المنوال دون أن تحل المشكلة مما يعكس أزمة تمر بها منطقتنا والانقسامات التي تضرب الوطن بين فريقين: فريق مرحب لما يأتي من الخارج تحت تأثير حق القوة وتحت غطاء نزعة استهلاكية تشبع رغبات غريزية لدى الإنسان مدعومة بماكينة إعلامية مزينة لها.

وفريق آخر رافضا لها معتبرا أنها تنتهك هويتنا ورافضا لكل المظاهر الدخيلة على ثقافتنا سواء كان بدافع  قومي أو ديني ولكن المؤسف في الأمر هو تجدد نفس الحوار بنفس الطريقة وانتهائه إلى نفس النتائج، مما يجعلنا نتساءل: لماذا؟

الأدوات والآلات أم الثقافة و الفكر ؟

فليس كل ما يأتينا من الخارج سيئا؛ فالإنسان يستفيد كثيرا من الأدوات والآلات والتكنولوجيا والدواء والعلوم الطبيعية المختلفة مما يعود علينا بالنفع وعلى البشرية بالرفاهية وتسهيل شؤون حياتها، ولكن الأزمة لا تكمن في الآلات والعلوم ولكن في العادات والثقافات الاجتماعية والتي تحمل في طياتها خلافات فكرية والتي تتشكل وفقا لثقافة كل أمة والتي تكون خاضعة لظروفها وتجاربها والتي تعبر عنها لا عن غيرها.

فاستيراد الفكر والثقافة والتأثر بالعادات وأنماط الحياة يعود بأثر سلبي على الشعوب التي تستوردها فهي لا تعبر عنها فكريا ولا محققة لتطلعاتها ولا حتى مصالحها.

فالثقافة و الفكر بمثابة الجذور التي تربط الشجرة بالأرض ولولاها لما وجدت الصلة بين الشجرة والأرض وما نالت غذاءها، فالثقافة التي تختلط بتربة ولغة وعادات الوطن و محققة لغاياته هي ثقافة أصيلة وأي محاولة للتبرأ من تلك التربة التي تغذى ونشأ بها ستكون بمثابة قطيعة بينه وبين وطنه ومن ثم سيصبح غريبا على الأرض ويصبح تابعا لغيرها و ناقلا ، فلا هو ابن تلك التربة ولا هو ذاك النموذج الذي تهفو له الأبصار، والتابع غير المتبوع، فيصير تابعا لغيره خجلا من نفسه وذاته غير مدرك أن الخجل وإنكار ذاته هو عين احتقار الذات كالمراهق الذي يمر بمرحلة طارئة يكون  فيها خجلا من أمه أو أخته أو أخيه  أو بعض أفراد أسرته في مرحلة عابرة من عمره.

فصرنا نعيش مراهقة حضارية نحاول أن نتبرأ من الماء الذي امتصته جذورنا فصارت عروقنا تتغذى عليه محاولين أن نخفي ملامحنا بمزيد من المظاهر الفلكلورية في الملبس والشكل.

الخطاب العقلي

كما ينبغي أن يكون الخطاب التوعوي مختلفا عن التخويف والتهديد بل أن يقوم من خلال التوعية العقلية والإقناع وتوضيح لما نتمسك بثقافتنا ولماذا نرفض بعض تلك الأنماط الثقافية الأخرى وذلك لن يأتي إلا من خلال أن يكون لدينا قناعة وبرهان على صحة عاداتنا وثقافتنا وتنقيحها من الفاسد، وهذا لا يتأتى إلا من خلال العقل؛ فأي محاولة أخرى للتدليل والدفاع عن ثقافتنا لن تأتي بثمارها كما هو المطلوب.

فالبرهنة والدفاع من خلال استنفار الدين أو المشاعر الأممية القومية مع تطور الحياة ودخولنا في عصر الفضاءات المفتوحة ما هو إلا محاولة يتكللها مزيدا من العناء في ظل الحدود الشفافة في عالم اليوم أو الاستناد على النصوص الدينية كنوع من الارتباط بالماضي مع أجيال تتطلع للمستقبل محاولة أن تقطع الصلة بماضيها مفتتنة بغيرها وقد غابت عن رشدها، فالخطاب العقلي الإقناعي لأمة فقد كثير منها إيمانه بنفسه ومورثاته يبدأ ويتطلب أولا أن نعرف من نحن؟ ولماذا نحن هكذا؟ ولم نتمسك بهذا؟ ونرفض تلك؟

فلنبحث أولا عن تحقيق ذواتنا لا عن إرضاء غيرنا وعن مصالحنا دون أن نقع في فخ التعصب والجمود بل التجديد والتطوير من خلال معايير عقلية وأخلاقية، فلا نقع في  تبعية عمياء فليس صاحب الفن والصنعة ومبتكرها كمن قلَّد ، فصاحب الفن سيظل هو الأصل والمُعلم وسيصير المُتعلِم مُتعلِماً لا مُعلِماً.

اقرأ أيضاً:

الكوميديا ودورها في الغزو الثقافي

الإنتماء والغزو الفكري

الثقافة وأزماتها

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق