مقالات

مذهب الأثرة (المنفعة الفردية – توماس هوبز)

قراءة في فلسفة توماس هوبز الأخلاقية:

ببساطة يمكن تعريف مذهب الأثرة بمذهب الفردية أو الأنانية أي اهتمام الفرد بنفسه ومصلحته هو فقط دون مصلحة الآخرين. وهذا ما بدأه هوبز وعدله جيرمي بنتام وجون ستيوارت مل بعد ذلك.

لعل الظروف السياسية التي شهدتها إنجلترا والثورة والإطاحة بالملك شارل الثاني الذي كان توماس هوبز مربيا ومعلما له، وهجرة هوبز إلى فرنسا هي التي دفعته إلى قولته المشهورة: (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان يتحين الفرصة لينقض عليه، وإذا عزم القيام برحلة يسلح نفسه ويدجج نفسه بالسلاح، وإذا دخل بيته أغلق أبوابه غلقا محكما، وإذا دخل إلى غرفة نومه أحكم غلقها وأحكم غلق دواليبه وخزانته).

كذلك دفعه كل ذلك إلى القول أن الإنسان أناني بفطرته يحب مصلحته دون مصلحة الآخرين، وأيضا قوله أن الإنسان همجي بطبعه يحتكم إلى قوته التي يحقق من خلالها ما يصبو إليه، والذي دفعه إلى تقسيم المجتمع إلى مجتمع فطري ومجتمع منظم تحكمه القوانين الوضعية.

عوامل ساهمت في تشكيل فكر هوبز

كل ذلك نجم عما تعرض له هوبز من قهر واضطهاد بعد الإطاحة بالملك الذي كان ينعم بكل سبل الرفاهية في بلاطه. إلا أن ثمة عوامل أخرى ساهمت في تشكيل فكر هوبز الأخلاقي أذكر منها تأثره بالهندسة الإقليدية وأن الإنسان نسق معقد من الجسيمات.

لاحظوا! يتعامل مع الإنسان على فرضية أنه آلة، وهذا نتاج للثورة الصناعية في القرن السادس والسابع والتي جعلت من الإنسان ترسا يدور في عجلة الزمان (كالثور الذي ربط في ساقية)، يلف ويلف إلى أن يقع مكانه الذي يدور في دائرة متحدة المركز، فاقدا لهويته منسحقا قيميا منسحقا حضاريا، لا يدري إلى أين يتجه ومتى يتوقف اللهم إلا تحقيق هدف واحد ألا وهو مصلحته ومنفعته.

لكن السؤال أيها السادة أهل الفكر الحر المستنير هل هذه هي الحياة التي نصبو إليها؟ حياة بهائمية نأكل ونشرب ونلبس ونتكاثر! وأين ذواتنا؟ أين شخصياتنا؟ أين حضارتنا؟ أين فكرنا؟

لا وربي ليست هذه حياة بل هي موت! هي فقدان للروح، وماذا يصنع الجسد بعد انسلاخ الروح منه؟ ليست هذه الحياة التي خلقنا من أجلها، هل نفني أعمارنا في الأثرة؟ في اللهاث خلف مصالحنا الشخصية؟ أين الإيثار؟ أين قول الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)) _ الحشر؟

قوانين أقرها هوبز

لابد وأن تجعل للآخر نصيبا في حياتك، وعلى الرغم من الشبهات التي أثيرت حول هوبز وأنه من أنصار المنفعة والمصلحة الفردية إلا أنه وضع عدة قوانين أو مبادئ أخلاقية لو درست بعين الاعتبار وطبقت تطبيقا صحيحا لتغير حالنا إلى الأحسن والأفضل، ومن هذه القوانين المهمة -على الأقل من وجهة نظري الشخصية- نشر السلام، فمن منا لا يرغب أن يعم السلام والاستقرار؟ لا لبلداننا العربية فحسب بل للعالم أجمع.

لم يدعُ كانط في كتابه المشروع الدائم للسلام العالمي، السلام العادل لا سلام الاستسلام والمهادنة القبيحة والمداهنة، والضحك على الشعوب بالشعارات البراقة وهي شعارات جوفاء بليدة، ثم إبرام العهود والالتزام بما نبرمه من معاهدات، وليس ككلام الليل مطلي بالزبد، تطلع عليه شمس النهار فيذوب، عهود ومواثيق (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)) _ الإسراء.

وأيضا من المبادئ التي أقرها هوبز التسامح، وتلك القاعدة استمدها من المسيح عليه السلام أن تحب جارك مثلما تحب نفسك وأن تحسن إليه، فاذا عمت المحبة تحقق الوئام وساد الأمن والسلام والاستقرار.

فالحب بناء والكراهية هدم، والله أمرنا بالمحبة ودعوة الأنبياء عليهم السلام المحبة، فبالحب نحيا وبالحب نعمر الكون.

وفي نهاية حديثي يا سادة هل بعد هذه القوانين التي ذكرها هوبز في فلسفته الأخلاقية فلسفة في المنفعة نجد منها ما يدعو للأخلاق التي تُعلي من القيمة الإنسانية وأخرى لا تليق بمكانة الإنسان؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

الأفعال البشرية بين العقلانية والمعقولية

أين الأخلاق؟ وكيف تأتي؟

في نقد المادية الراديكالية

اظهر المزيد

أ. د. عادل خلف عبد العزيز

أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى