مقالات

ما بين الدابة وراكبها

تخيلوا معى المشهد.

سباق يتنافس فيه المتسابقون للوصول لخط النهاية، يتم تسليم كل متسابق سيارة مختلفة عن زملائه، وهدف هذه المسابقة هو تجاوز المعوقات التى ستواجه كل متسابق وهو فى طريقه لخط النهاية.

ولا يوجد مركز أول فقط ولكن هناك مراكز متعددة تليق بقدرة كل متسابق على التعامل مع سيارته ببراعة واجتيازه الموفق لجميع المعرقلات، أى أن المعيار هو اجتياز المعرقلات وليس الوصول الأسرع.

وبالفعل تم تسليم جميع المتسابقين العربات المختلفة وتم إعلان بداية المسابقة.

أحد المتسابقين استلم سيارة فارهة ذات اللون البرّاق اللامع والإمكانات الفائقة، فجن جنونه وغمرت الفرحة قلبه وعزم على تجربة كل تلك الإمكانات ليستكشف هذا الكنز النادر، فاستوى على كرسى القيادة وانطلق فى الطريق باحثاً عن كل خاصية فيها ليستمتع بها، وقاده جمال سيارته تلك للتباهى بها أمام زملائه وجمهور المسابقة، وعند مروره بمعوقات طريق السباق كان ينتبه حتى لا يُصيبها أى مكروه.

انشغل بها عن السبب الأساسى وراء استلامه لها.

متسابق آخر استلم سيارة رديئة بعض الشىء، لونها باهت وبها العديد من الخدوش، عندما شاهدها انهمر فى البكاء، لم يتحرك بها خطوة للأمام لاعتقاده بالعجز عن الوصول بها لخط النهاية أسرع من زملائه.

نسى أن الهدف هو اجتياز المعرقلات وليس الوصول الأسرع فقط.

بينما الذى استلم سيارة ميسورة الحال، اندفع فى ركوبها والانطلاق بها قبل سماع تعليمات المُشرف عن طريقة التحكم الصحيح بها وكيفية الحفاظ عليها وإمدادها بالوقود المناسب، فتعطلت منه فى وسط الطريق ولم يدرِ كيف يتصرف.

آخرون انشغلوا بالسباق فيما بينهم أيهم يهتم بجمال عربته أكثر، لجأ البعض منهم لعرقلة زملائه والبعض الآخر لأذيتهم حتى تبقى سياراتهم هى الأفضل، غفلوا عن الهدف الأساسي للمسابقة وصبوا اهتمامهم كله على الوسيلة لا الغاية.

متسابق واحد فقط استمع لتعليمات المُشرف للحفاظ على سيارته البسيطة ومعرفة كيفية تشغيلها وصيانتها، فهِم مقومات سيارته وحدود قدراتها، وسأل عن الوقود المناسب لها، ثم انطلق فى طريقه لمواجهة المعوقات.

وهو فى طريقه يُلاحظ باقى زملائه فيستفيد من أخطائهم. أدرك أن السيارة مجرد وسيلة فلم يحزن على وجود الخدش الكبير على الباب الخلفى، ولم يعط اهتمامًا شديدًا بلونها، اهتم بفهم كيفية عملها حتى يستثمر نقاط قوتها فى مواجهة المعرقلات ويُحسن من نقاط ضعفها لاجتياز تلك المعوقات بصورة أفضل.

لم يتباهى بها أمام زميله ذى العربة الرديئة، ولم يشعر بحسد عندما رأى زميله ذا العربة الفارهة، فهو يعى أن الأهم هو اجتياز المعرقلات فى طريق الوصول لخط النهاية.

عندما توقفت منه فى وسط الطريق، استرجع ما أمكنه من المعلومات التى يفهمها واستطاع أن يُعيدها إلى نشاطها السابق.

فاز صديقنا الأخير وخسر زملاؤه السابقون.

“الإنسان كله يا بنى منطو فى رأسه، وما هذا الجسم إلا الأداة: منها ما يحمل الرأس، ومنها ما يحمل إليه، ومنها ما يحمل عنه، فالجسم دابة من الدواب لا أكثر ولا أقل” – مصطفى صادق الرافعى

 

اظهر المزيد

هبة علي

محاضر بمركز بالعقل نبدأ وباحثة في علوم المنطق والفلسفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى