فن وأدب - مقالاتمقالات

مارينا والشر الإنساني

مارينا والشر الإنساني

(مارينا إبراموفيتش) الفنانة الصربية الشهيرة المثيرة للجدل، عرفت بتجربتها الأشهر على الإطلاق، حيث قامت بالوقوف لمدة ست ساعات كاملة بلا أية حركة، بجوار طاولة تحتوي عدة أدوات غريبة، سلاسل حديدية وسكاكين ووردة ومقص وعدة أدوات أخرى، مع دعوة للمتفرجين المندهشين بالتصرف وفق ما يرونه مناسبًا، حيث أن مارينا لن تتحرك على الإطلاق، كما أنها لن تتخذ أي إجراءات قانونية ضد من شارك في العرض،

عدة دقائق تمر دون حراك من (مارينا) وفي المقابل الجمهور ما زال مترددا قبل أن يبدأ الحضور في الحركة، وخلال الساعات المتبقية لاقت (مارينا) الأمرين على يد المتفرجين، ما بين اعتداءات جسدية وإيذاء بدني، بدءًا من غرز أشواك الورود في جسدها ومرورًا بتقطيع ملابسها، حتى إن الأمر وصل بأحد الحضور إلى توجيه مسدس نحو رأسها الساكن، قبل أن يتم منعه من إطلاق النار عليها، وبعد انتهاء الـساعات الست لملمت (مارينا) ملابسها وغادرت في صمت متجاهلة الجمهور الذي ركض خائفًا ظنًا منهم أن أوان رد الفعل قد آن.

تستخدم تلك التجربة الفنية -ولا أنكر أني أجد غضاضة في إطلاق لقب الفن عليها- في الاستدلال على مدى الشر القاطن بداخل النفس الإنسانية، واستعداد الإنسان للإيذاء إذا ما حانت له الفرصة وأمن العقاب.

المجتمع المصري والتجربة

كاميرا دقيقة على هيئة زر لقميص نسائي -على ما يبدو-، ترتديه فتاة لا تظهر لنا هيئتها، في فيديو قصير تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وقد سارت على ما يبدو في شوارع القاهرة تلاحقها عيون كل من مر بها بنظرات رصدتها الكاميرا الخفية، مع معاكسة من شابين تبعتها مضايقة أخرى من شاب آخر، وعدة نظرات فضولية أخرى من الجنسين،

وقد تعنون الفيديو بعنوان (شعب متحرش بطبعه) إشارة للمقولة التي يصف بها البعض المجتمع المصري بأنه متدين بطبعه.

لنخلص من تلك التجربة الاجتماعية من قلب شوارع القاهرة كما وصفها صناعها، بأن التحرش صفة أساسية في الرجل، فكل رجل مدان ولن تثبت براءته، لما لا وقد أفصح الفيديو عن كل شيء، كما أراد البعض له أن يظهر!

التجارب الاجتماعية ما بين العرب والغرب

ينظر لنا المقدم بملامحه الوسيمة وهو يعلن عن تجربته الاجتماعية المهمة، “اختبار الأمانة” كما أطلق عليه، حافلتان من حافلات النقل العام، إحداهما في دولة عربية والأخرى في إحدى الدول الأوروبية، تم استبدال المحاسب في الحافلتين بصندوق زجاجي شفاف، وفي نهاية اليوم وجد أن الحافلة العربية دفع 98% من ركابها الأجر دون الحاجة إلى محاسب، بينما في الحافلة الأوروبية بلغت النسبة 60% فقط. نتيجة جديدة لتجارب اجتماعية لا تنتهي، تفوقت الدول العربية وسكانها على الدول الغربية وسكانها بما يتخطى 38% من الأمانة.

وهكذا دواليك تجارب اجتماعية لا حصر لها تخرج بنتائج لا تعد ولا تحصى، فتارة تجربة تثبت أن الرجل يحب البازلاء أكثر من المرأة، وتارة تجربة تثبت أن اللون الأسود ملفت أكثر من اللون الأحمر في الشارع مثلًا.

تعتمد تلك الترهات الاجتماعية على تلك اللفظة المقدسة (تجربة)، وكأن بتلك اللفظة تستطيع أن تنجو من أي نقد أو اعتراض، “فبأي حق تعترض أيها المسكين؟ ألا تؤمن بالعلم والتجربة؟ لابد وأنك من الجهلة والرجعيين!”

لا تنخدع

ليقع العديد أسرى لذلك النمط الخطير من عملية التفكير، (الاستقراء التعميمي)، وهو نمط حين يقع فيه أحد العامة -كأن يقول مثلًا ببخل أهل مدينة ما بسبب تعامله مع واحد من سكانها- تجد ألف إصبع تشير له بمنتهى الأريحية بتهمة الجهل، لكن يكفيك قليل من البهرجة لتمرر نفس النمط وما تحمله نتائجه من أخطاء ومغالطات، وسط ترحيب الجموع وتأمينهم على تلك النتائج.

ذلك النمط من التفكير القادر بمنتهى الأريحية أن يطلق أحكامًا قاطعة جازمة على العالم كله لمجرد حدوثها ولو مرة واحدة! فتخرج علينا تلك المبادئ السوداوية المحبطة بأن (كل إنسان شرير)، (كل صديق خائن)، (كل عمل فاشل) … إلخ.

ما يغفل -أو يتغافل- عنه أهل تلك التجارب وجمهورها هو تلك الظروف العديدة التي تحيط بتلك الأحداث، كأن مثلًا يتصادف أن توقف لمشاهدة الفنانة (مارينا) في التجربة الأولى مجموعة من المخابيل، أو أن تكون الفتاة ذات مظهر ملفت مثلًا أو هيئة غريبة عن الوسط المحيط، أدى لملاحقة نظرات -الرجال والسيدات كما أظهر الفيديو وأكد عليه صناعه- للفتاة في التجربة الثانية، أو أن تكون الحافلة الأوروبية قد حلت في حي معروف بالتجمع الإجرامي بينما كانت الحافلة العربية في إحدى الأحياء الراقية لإحدى الدول المعروفة بالثراء.

هل يعني ذلك غياب القدرة على الوصول للحقيقة وقد خذلتنا التجربة؟

في حقيقة الأمر فالتجربة لم تخذلنا ههنا، وإنما أضلنا الاستقراء التعميمي، كما خدعنا ذلك الظن بأن التجربة قادرة على سبر أغوار كل العلوم على الإطلاق، دون تفرقة لما هو علم مادي طبيعي تحكمه قوانينه الحسية الملموسة التي يمكن استقراءها، أو علم إنساني أو عقلي يقف الحس عاجزا أمام معانيه المجردة، لا يدركها بصره وإنما تسعى خلفها بصيرته.

بالعودة إلى تجربة (مارينا) الأولى مثلًا، كل ما نستطيع قوله إن الإنسان لديه قابلية للوقوع في الخطأ والشر وفعل القبيح، فهل كنا بحاجة لتلك التجربة (الاجتماعية) لمعرفة ذلك؟ هل جهل الناس ذلك قبل أن تطلعهم تلك التجربة على تلك الحقيقة المفزعة؟ في الحقيقة لا، فتلك التجربة قد حدثت في سبعينيات القرن الماضي، ألم تكفك حربان عالميتان مات فيهما الملايين؟ كل تلك الأعوام لم تكن كافية واحتجت لتلك التجربة كي تعرف أن للإنسان قدرة على الشر!

ولكنه كذلك لديه قدرة خارقة على فعل الخير، نكران الذات والارتقاء بروحه إلى سماوات الأخلاق العليا، كما استطاع أن يتسافل إلى وحل القبح السلوكي، إن ما يستطيع تقديمه العقل لك متجاوزًا تلك التجارب الاجتماعية والاستقراءات التعميمية الناقصة – هي نظرة حقيقية للإنسان والعالم من حوله، (كتالوج) من القواعد العامة التي تستطيع معها إدراك قدرتك على الارتقاء للنجوم، إذا ما اتبعت عقلك وتركته يقود لجام شهواتك ورغباتك وعواطفك.

أقرأ أيضا:

أحوال المرأة في المجتمع الغربي

رسالة الفن

التعميم الأعمى

 

الوسوم
اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق