مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

لم يكن الأمر ممتعًا كما تخيلته، لماذا؟ وأين هي السعادة !

هل ستصفو الحياة؟

أجد أكثر الناس معاناة، ليسوا حاملي الكثير من المسؤوليات فقط، وليسوا كذلك الفقراء أو اليتامى، بل هؤلاء الذين يحلمون بالراحة و المتعة والسعادة التامة، بالحياة الوردية الخالية من أي عقبات أو مشكلات أو أزمات، هؤلاء الذي يخيل لهم أن الحياة ستصفو لهم يومًا ما.

من قال أن الحياة-يومًا- ستصفو بهذا المعنى؟ أن تتحول الأيام إلى أوقات من المرح واللهو والسعادة و المتعة فقط، لا مسؤوليات، لا أعمال، لا مشكلات!

إن تأملنا قليلاً في متع ولذات الدنيا، سنجدها كلها مؤقتة، تسبقها معاناة للوصول إليها، وتتبعها معاناة للحفاظ عليها، وأثناء الاستمتاع بها قد يعكر صفو لذتها مئات الأشياء الأخرى التي تفقدها حلوها، ومع ذلك تنتهي إما بالفقد أو بالموت!

سرعة انتهاء المتعة

تشرب العصير المثلج أثناء الحر الشديد فتبدأ البطن بالاعتراض فتؤلمك، فلا تستمتع به.

تحلم بسفر لخارج البلاد، فما إن يأتي حتى يؤلمك ظهرك من الانتظار في المطار، أو ربما لا يعجبك موقع جلوسك داخل الطائرة فتنزعج، حتى تصل إلى البلد فربما تجد الجو شديد الحرارة أو شديد البرودة، وإن كان معتدلاً فربما تجد والدتك تحدثك على الهاتف لتخبرك بأشياء قد تزعجك، لماذا كان السفر في الخيال أجمل؟

من منا لم يسمع عن متعة أول مرتب تتقاضاه، أو كوب القهوة الصباحي، أو الكنافة بالمانجا في ليالي رمضان؟!

هل كانت بنفس المتعة التي تخيلتها؟ هل استمر الشعور بها؟

يا عزيزي، مهما كان ما وصلت إليه من متع في الحياة الدنيا، فصدقني ستشعر حينها في وقت ما أن الأمر لم يكن ممتعًا للدرجة التي تخيلتها وأنت تحلم بها، وربما أثناء متعتك جاء شئ ما وعكر عليك هذا الشعور، أو أنه استمر الشعور لبضع لحظات وجدت بعدها نفسك تشتاق لنوع آخر، أو لذة أكبر.

سر السعادة الدائمة

لذات الدنيا ضعيفة مهما علت، ومنتهية مهما طالت، ولا تسبب استقرار حقيقي للنفس.

وليست السعادة أن ننعم بحياة مليئة بتلك اللذات فقط، وبدون مشكلات أو تحديات وعقبات، ولا تقاس السعادة بالراحة الجسدية أو الذهنية، بل بالراحة النفسية والروحية، فما السبيل إلى ذلك؟

السعادات الروحية والنفسية مضادة للذات الدنيا، متعتها أكبر ومداها أوسع وتأثيرها أبقى، ولا تتعارض مع قانون الدنيا من ضرورة العمل والحركة والتعب، بل هم ضرورة للحصول عليها.

السعادة الروحية تكون بملئ الفكر والقلب والتصديق بالعمل، فتتزن النفس وتصل إلى درجات شتى من سلامها وهدوئها برغم مشقات الجسد وكراهية الظروف المحتمل وجودها.

كيف يمتلئ الفكر؟

بضبط عملية التفكير ومنعها من التحليل أو الاستنتاج الخاطئ، ومن ثم تنقية الأفكار التي يعتقدها الفرد، وفلترة المبادئ التي يتبناها، ومن ثم تكوين رؤية صحيحة عن الوجود وخالقه ونظرائه من الخلق. من ذلك يستطيع أن يرسم ملامح طريقه ويوظف طاقاته وقدراته لتحقيق غاياته الصحيحة.

هذا البناء الفكري إن تم على نحو صحيح، يخلق حالة من الاستقرار، ويبعد الفرد عن حالات التيه والتشتت والضياع، وهي المسبب الأكبر للتعاسة والشقاء مهما ارتاح الجسد ونال ما نال من لذات الدنيا.

كيف يمتلئ القلب؟

بالتوجه لمصدر الكمال الأوحد، الإله، لننال من فيضه الواسع فنتسع لكل ما نمر به من عقبات وأزمات، فإن لم ترو روحك من الإله ستشقى في ريها من الناس والأشياء.

تأتي الخطوة الثانية لملء القلب بتنقيته من الشوائب العالقة فيه من كراهية وحسد وحقد، وأنانية وجحود وظلم، وعُجب وغرور وبخل، وغيرهم من الملكات الخانقة الضيقة، واستبدالهم بنظائرهم الطيبة كالتراحم والمداراة والتروي والعطاء والمحبة والكرم والمصداقية والتواضع..إلى آخره.

التصديق بالعمل

ثم تاتي المرتبة الثالثة وهي العمل بمقتضى ما وصلنا إليه من فكر صحيح ورغبة في إصلاح للقلب، وذلك يكون بممارسة الأخلاقيات الطيبة مع الناس، فالرحمة والتسامح ومساعدة الآخرين ومراعاة شعورهم وقدراتهم، والتغافل عن ذلاتهم، والكلمة الطيبة والنصح اللطيف وتيسير مصالحهم والمعاونة في إصلاحهم وتوجيههم للخير، كلها أمور لها مردودات معنوية جلية على النفس، تسعدها وتعلي من شأنها.

وبرسم طريق متسق مع الأفكار الصحيحة، وتحمل تبعاته وصعوباته وتحدياته، ومقاومة الفكر الخاطئ وسلوكياته ومبادئه.

فإن انصلح الفكر والقلب، وصدقهم العمل فسيبدأ الإنسان أولى خطواته نحو السعادة الحقيقية، الباقية الطيبة، مهما عانى من ظروف سيئة ومهما مرت عليه صعوبات وأزمات، فسيكون متسق مع ذاته، هادئ داخليًا، مستقر رغم الشتات من حوله.

 

اقرأ أيضاً :

كيف نرفض ما يحدث في الواقع دون أن ننفصل عنه ؟

 المعاناة والألم … هل من سبيل للخلاص من المعاناة ؟ ولماذا نعاني من الأساس ؟

لأن الحلال أجمل، لا تنتظر!.. الزواج الناجح كيف يكون ؟

الوسوم
اظهر المزيد

هبة علي

محاضر بمركز بالعقل نبدأ وباحثة في علوم المنطق والفلسفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق