مقالات

لماذا يوم عالمي للفلسفة؟

أُعلن يوم عالمي للفلسفة من قِبل اليونسكو (منظمة تهتم بتطوير التربية والعلم والثقافة) ويُحتفل بهِ ثالث كل يوم خميس من شهر نوفمبر وهو الموافق يوم 21، وتم الاحتفال به لأول مرة في 21 نوفمبر عام 2002، خُصصَ هذا اليوم من كل عام للتركيز والتنبيه على أهمية مجال الفلسفة بالأخص بالنسبة للشباب حيثُ أنهُ مجال “يشجع التفكير الناقد والمستقل ويُمكن من السعي نحو فهم أفضل للعالم وتعزيز التسامح والسلام”.

أهمية الفلسفة:

تُنمي الفلسفة روح البحث والتفكير فهي ضد التلقين الذي لا يُنمي إلا التبعية والخضوع؛ ﻷن تلقي المعلومات السريعة الجاهزة تشبه من يقول لك “خذ عني ولا تسأل كيف توصلت إليه”، أما الفلسفة فتهتم بكيف توصلت إليه بقدر اهتمامها بما توصلت إليه، والإنسان بحاجة إلى إشباع رغبتهِ الطبيعية للمعرفة والحكمة؛ فبهما يستطيعُ أن يطور حياته ويجعلها أفضل، وبهذا الصدد يقول أحد مترجمي كُتب الفلسفة: “إن طفلاً فى الصف الرابع الابتدائي يمتلك معلومات أكثر من أفلاطون، ولكنه لا يستطيع أن يُفكر مثل أفلاطون” نعم فالفلسفة تنمي قدرة الفرد على التفكير وحل المشكلات الشخصية بدلاً من البحث عن أحد يفكر لك، ولا تدري أهو حقاً ناصح أم مُضلل، لذا من أراد حياة صالحة نافعة فعليه أن يتعلم كيف يحسن استخدام العقل عن طريق تحصيل المعرفة الفلسفية. ولكل فرد منا (عرف أم لم يعرف) فلسفته الخاصة للحياة، فإن كانت الفلسفة تحتاج إلى جُهد وشجاعة ومغامرة فهي بالمقابل تُعطيك وتُمكنك من وضع منهج ذي ترتيب وقواعد تُثَبت بها وتعزز وجهة نظرك التي سيترتب عليها السلوك والاقتصاد والأسرة والأخلاق والسياسة والمجتمع والدين… إلخ، وبهذا تستطيع أن تضع معنى لحياتك، ومع ذلك فالتفلسف من أسهل العلوم وأوفرها تناول، فهي لا تحتاج إلى معمل أو مُعدات خاصة أو مدرسة، بل تحتاج إلى التفكر والتأمل فحسب، وبها يفهم الإنسان ذاتهُ وعالمهُ عن طريق التساؤل والتحليل والتفسير والتركيب، وتُقوي حسهُ النقدي ليُميز بهِ بين المقبول والمرفوض، فيصبح فى يقظة دائمة يفحص الشيء جيداً وبسهولة فور عرضه عليه ثم يأخذه أو يرده، فالموقف النقدي يحافظ على حريتك، فلا تقبل شيئا قبل الفحص والبرهنة والوصول إلى يقين أو ترجيح.
وهي تجعلك مرناً منفتحاً لا متجمداً منغلقاً، متقبلاً لسماع رأي الغير، تقترح أفكاراً ولا تلزم أحد بها، إنها تعبير فردي عن رؤية أو تفسير مقترح.

يُقال أن الفلسفة لا تطرح إلا أسئلة، نعم هي دائماً تطرح أسئلة لكن لتُجيب عليها، فلا فلسفة من غير حل، ولا حل من غير سؤال، وإذا كان هناك سؤال لَمْ يُعثر لهُ على حل، فهذهِ فائدة نعلم من خلالها أن هناك سؤالاً لم يتم حلهُ بعد، أو أننا نفتقد أداة معرفية تساعدنا على إيجاد حل، والتفكير الفلسفي يساعدنا على تعدي الظواهر الاجتماعية السلبية الزائفة التي تعودنا عليها وقدسناها لقدمها، ولكن ما إن ننظر فيها بعقول منفتحة وصادقة ندرك كم هي قبيحة!

إن التفكير الفلسفي يساعد على تقييم الأديان على أساس عقلي ثابت، يُقدم حججاً عقلية على وجود الله والنبوة واليوم الآخر، فيجعل إيمانك راسخاً غير موروث، ف” الحكمة/ الفلسفة هي الأخت الرضيع للشريعة” كما يقول “ابن رشد”؛ لأن كلاهما من الله، ولا يمكن أن يعطينا الله عقلاً ثم يعطينا ديناً يختلف مع العقل، فلا تناقض بينها إذ إن كلاهما يبحث عن الحق.

يُقال أن الفلسفة تضر، نعم هي تضر لكن هذا ليس عيباً ذاتياً فى الفلسفة بل عيب في أصحاب هذه العقول التي ضلت، فلقد حدد الفيلسوف الفقيه “ابن رشد” أسباب ضلال العقول التي نظرت في كتب الفلسفة في الآتي:
1- نقص فطرة.
2- سوء ترتيب النظر فيها؛ لأن كتب الفلسفة يجب مراعاة ترتيب أي كتاب يقرأ قبل الآخر.
3- غلبة الشهوة على المطلع عليها؛ لأنه يبحث فى الفلسفة على ما يلائم هواه.
4- لم يجد معلماً يرشدهُ إلى فهمِ ما فيها؛ لأنه بهذا يقع في سوء الترتيب، وسوء الفهم، وسوء الاستخدام.
إذاً الضرر عارض عليها، وكم من علماء شريعة قل تورعهم وخاضوا في الدنيا وأضلوا الناس بسبب علمهم – وما أكثر هؤلاء، لذا من رمي الفلسفة بأنها تضر العقول فهو كمن قال أن الماء العذب يسبب الموت لأن رجلاً شرب الماء فَشَرقَ ومات (كما أوضح ابن رشد).

وفي النهاية نحن نتفلسف دون أن ندري لكن على تفاوت، فالفلسفة موجودة مادام هناك إنسان يفكر، وحتى أولئك الذين ينتقدون التفلسف فهم أيضا يتفلسفون.

مدى احتياج المجتمع للفيلسوف والفلسفة:

الفيلسوف عضو مؤثر فى مجتمعهِ، يَتأثر بأحداثهِ ويؤثر فيها، ينظر للأمور من حولهِ نظرة تحليلية عميقة، فيُساهم في حل مشكلات مجتمعه عن طريق تحليل ونقد الواقع الاجتماعي، بالنظر في المشكلة وأصلها وجذورها، بل دورهُ يتعدى ذلك فهو يتوقع أو يخلق المشكلات قبل وقوعها ليحلها أو يقدم لها عدة حلول مقترحة قبل وقوعها، فهو بذلك يحاول أن يحفظ صحة المجتمع، إنه فى عمل دؤوب متواصل، يرجو بهِ إنتاج عالم مثالي، أو تحديد ما يجب أن يكون عليه المجتمع، فيسخر قدرة عقله لوضع كليات ينظم بها الأفكار الجزئية، ويحاول جاهداً أن يُجيب على الأسئلة الكبرى لكل عصر، كسؤالنا “لماذا تأخرت حضارتنا وتقدم الغرب”، ولا يكتفي بذلك بل يفتح آفاقاً جديدة من الأسئلة يُقدمها للجيل للجديد.

إن ارتقاء المجتمع ونهضته لهو شرط مرتبط ارتباط وثيق بالفلسفة؛ لأن العلم لا يتوسع إلا من خلال السؤال الفلسفي، والفن لا يرتقي إلا من خلال وضع معايير ونظام للفن/ للجمال، والأخلاق لن تحافظ على ثباتها إلا من خلال تثبيتها تثبيتاً فلسفياً، وحتى الدين لن يَحفظهُ من التصلب والشيخوخة إلا العقل، وأكثر الأديان ثبات هي التي لا تُخالف العقل ولم تمنع النظر الفلسفي، وأخيراً إنها لهادمة لتلك الخرافات والأساطير المضللة للمجتمع.

وكم من مجتمعات قَدمتْ لها الفلسفة مُساهمات جليلة، وبالمثال تصدى الفيلسوف “سقراط” للسوفسطائين وتَضليلهم للشعب الأثيني وقولهم بنسبية الحق، حيث وقف ضدهم وقام بتعليم الشباب، بل ودفع حياته في سبيل الحق حيث تم إعدامه، وحتى أثناء فترة سجنه رفض الهروب ليُعلم الشباب احترام قوانين بلادهم.
والفيلسوف الأندلسي “ابن رشد” ساهم في نقل وترجمة كتب أرسطو للغرب، وشارك بالكثير من المؤلفات التي سيكون لها أثر كبير في الفكر الغربي ثم الإسلامي.
والفيلسوف الفرنسي “فولتير” ساهم بقوة في قيام الثورة الفرنسية سواء بكتبه أو بأشعاره التي أُلقي بسببها في السجن حتى قيام الثورة.
والفيلسوف الإنجليزي “برتراند راسل” دعا لحرية الشعوب، ومعاقبة مجرمي الحرب، ورؤساء الدول الاستعمارية، وناهض التجارب الذرية، وله الكثير من المؤلفات التي شاركت في دفع عجلة التطور الفكري.
والفيلسوف الإنجليزي “جون ستيوارت ميل” الذي ساهم بأفكاره الاقتصادية في قيام الثورة الصناعية في إنجلترا.

فليس المفكر والفيلسوف الحقيقي هو الذي يسكُن في بُرج عاجي منعزل عن المجتمع، بل هو الشخص الاجتماعي المتواجد وسطهم، ووسط أسباب مسراتِهم ومُعاناتِهم، المُتحدث بطريقة سهلة ومفهومة خالية من المصطلحات الغامضة التي يتعذر فهمها، وأن يتواضع معهم، ويشاركهم مناسباتهم، ويُلَبي دعواتهم، ولا يرفض لهم طلباً مادام كل هذا لا يتعارض مع الغاية التي يسعى إليها، ولا يثور على عادات المجتمع المتواجد فيه مادامت لا تتعارض مع أهدافه.

الفيلسوف الحقيقي يعطي لجسمهِ حقه؛ فلا يزهد في الطعام فيمرض من الضعف ويصبح جسده هزيلا لا يقوى علي دفع الضرر عن نفسه، الفيلسوف الحقيقي ليس شهوانيا مُسرفا فى تناول الطعام لا هدف لهُ أهم من اللذة الحسية التي سرعان ما تزول سعادة لذتها وسرعان ما يشتهيها الإنسان مرة أخرى كأنهُ في دائرة لا بداية ولا نهاية لها، إنهُ الشخص المعتدل يتناول ما يكفي لحفظ صحتهِ.
هو أيضاً شخص ليس غارقاً في البحث عن المال، ولا يسأل الناس كي يعطوهُ ما يسد حاجتهُ، بل يُوفر لنفسهِ المقدار المناسب من المال الكافي لحفظ حياتهِ آمنة لا يُنغصُها الفقر والكافية لحفظ صحته لا يهاجمها الجوع والحرمان.

:اقرأ أيضاً

الخديوي إسماعيل .. الرجل الذي استطاع التسويق لنفسه

الجهل المركب وثقافة الموت .. عندما يغيب العقل!

مسار إجباري ( الفلسفة والدين ) … هل يتعارضان؟

شاهد أيضاً:

أنا اللي فيا الخير ولا اللي فيا الشر؟

دعوة إلى الفلسفة

الوسوم
اظهر المزيد

مصعب طارق

عضو بفريق بالعقل نبدأ القاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق