إصداراتمقالات

لحظة رفع الشعار

عندما تطالب والدتك بالتوقف عن طبخ نوع معين من الطعام ستسألك ماذا تريدني أن أطبخ؟ ستقول لك مانوع الطعام الذي تريده؟ وعندما يصرخ ابنك أو أخوك الأصغر بأنه قد مل من أمر ما أو لعبة ما ستبادره بالسؤال ماذا تريد ؟

وماالذي يسعدك؟

إن الصراخ بالرفض هو حالة من التنفيس تصدح بها النفوس التي بلغ بها الغضب مبلغه؛ يحكم أي عاقل بضرورة أن تكون مسبوقة بمعرفة أسباب الذاتية ومناشئه الحقيقة وتكون متبوعة بحلول وبدائل لتنفرج الأزمات. الهتاف بالسقوط يعني ضرورة وجود من يرث الحكم حال السقوط، فهل هناك من تجتمع حوله المطالب ليكون ممثلاً للثورة فاهمًا لمطالبها ؟ أم تستمر الثورة في رفع الشعارات والمطالب النظرية دون العمل الحقيقي على إيجاد آلية لإنفاذها لأرض الواقع؟

أخشى أن أسمى هذه الحالة بالحماقة لا لأنها ليست كذلك ؛ بل لأنها تبدو وكأنها توقفت بالزمن عند الشعار الذين ظنناه جميعًا وقتها أمراً كافيًا لنا – نحن الشباب- وأن على السادة العالمين والكفاءات أن تنفذه. أما وقد علمنا أن الغالبية من هؤلاء السادة أصحاب المظاهر البراقة إن هم إلا أفاقون أو جاهلون أو متآمرون وصوليون، هل لازلنا متجمدين عند لحظة رفع الشعار الأولى؟!

وهل نتوقع لو فرضنا جدلاً (وهو فرض مستبعد حاليًا) أن القوى الثورية توحدت في المطالب والشعار أن يتم تحقيقه على أرض الواقع دون وجود من يفهمه ويستطيع بلورته لخطط وآليات ؟! أليس من حق رجل الشارع البسيط الذي أنهكته وأعيته ظروفه وهو يرى بأم عينيه أحلامه في وطن عادل تتبخرعلى مذبح الخلافات وصراع السلطة وسفك الدماء أن يتساءل ماذا تفعلون بنا؟ صدقناكم وجرينا وراءكم ولم تفعلوا لنا شيئاً ولم تقدموا لنا بديلاً؛ فقط الشعار !!

من ذا الذي سيرفض شعار القصاص والعدل والاستقلال والكرامة والحرية؟!

ولكن أيضاً من ذا الي سيقبل أن يتجمد على الشعار ولا يرى له على الواقع تطبيقًا ولا حتى نقطة ضوء أو خطة أوبديلاَ تعلق عليه الآمال؟!

ليس في كلامي أي تشكيك في وطنية وشرف من يرفع الشعار ، بل إن التضحيات التي يبذلها الشباب في هذا المضمار تجعل المرء يمتلكه شعور يمتزج فيه الإعجاب بالخجل؛ الإعجاب بالصبر والأمل والخجل من النفس إن علاها اليأس أو الفتور.

لكن يا أعزاء – وأنتم تدركون ذلك – إن التوقف عند مرحلة رفع الشعار والصوت العالي وأفراغ طاقات الغضب في الشوارع لم تكن أبداً ولن تكون هي الجالبة للحظات العدل والكرامة والعزة للشعوب؛

نها بمثابة الصوت العالي أو سموها لحظات الوعي الجمعي بالقضية، لكنها وهي لحظات تمتزج فيها المشاعر الجياشة بالحماسة والفخر إلا أنها واقعًا لا تعدو أن تكون لحظات من الإدراك العام بمشكلة ما،

تحتاج بالضرورة للعمق في الفهم والتحليل والربط وتحتاج للآلية التي ستحملها على عاتقها لإنزالها من النظرية لساحة التطبيق، وهي معركة كبيرة للغاية لأنها ستصطدم واقعًا بكل الأفاعي والرافضين لتغير الحال ؛وهو وإن كان اصطدامًا حتميًا تفرضه طبيعة الصراع؛ إلا أنه سيكون وقتها له مذاق آخر مختلف تمامًا عن مذاق الدماء التي تًسفك بعيدًا عن ساحة المعركة، الدماء التي تراق في المعارك الجانبية والشوارع الضيقة. ببساطة لأنه سيكون بمذاق من عرف الطريق ويعمل على إزالة موانع ومعوقات الوصول لمحطته النهائية، لا من لا يزال حائرًا. ستكون الرؤية أكثر وضوحًا والطريق أكثر اتضاحًا ، والعدو أكثر تبلورًا والصديق أكثر التصاقًا، وقتها سينزل الشعار ومعه البديل وستجري في عروق الوطن روح جديدة تهمس في الآذان أن هناك من يسعى ويمتلك المعرفة والرؤية ويقدم البديل ولا ينقصه الإخلاص ولا التضحية،

فلم لا نرى ما يقوله هؤلاء القوم فقد سئمنا من المتاجرين بآلامنا. لن يعدم شعبنا المسكين حسه الفطري بصدق من يحمل همومه، فقط إن شعر أنهم جادون هذه المرة وعندهم ما يقولونه وعندهم ما يفعلونه، سيمتزج وقتها وعي النخب الشابة بنبض الجماهير المستضعفه لينتج ظهيرًا لا تستطيع كل أفاعي الأرض أن تقتلعه من جذوره، لأن جذوره ستكون من الشعب الأصيل.

لحظتها سيكون الشعار قد تم رفعه وإنزاله للميدان. إنها النهاية أيها الأعزاء وليست البداية، النهاية هي النزول لساحات وميادين البلاد لتدشين ما كان قد سبق إعداده بالفكر والوعي والخبرات والإيمان والإخلاص. وهي أمور تحتاج لوقت وجهد ودراسة واحتكاك ومعاينة واختلاط بمشكلات الوطن والشعب. أما أن تكون هي البداية فما أشبه الليلة بالبارحة ؛ وإن كانت البارحة في رأيي أفضل حالاً لكونها جمعت الفرقاء وزلزلت العروش وفاجأت الداخل والخارج فلم تفلح لأنها قررت الإسقاط ولم تقرر أو ربما لم تتعرف بعده طبيعة البناء.

ما أعظم التضحية إن كانت في الطريق الصحيح ، وما أشد خسارة الوطن إن فقد خيرة أبنائه في غير الطريق. وما أحوجه لامتزاج المعرفة والوعي بالإخلاص والإيمان والخلق بحماسة الشباب وتوثبهم.

ما أعظم لحظة رفع الشعار وإنزاله لساحات الآلام والفقر والمرض والظلم لتنتشل الشعب من هوته السحيقة بفضل الله ودماء الطاهرين التي سُكبت أنهارًا ليرى المستضعفون هذه اللحظة من النور الخالص.

اظهر المزيد

أيمن صبرى

مهندس كمبيوتر ونظم معلومات

باحث في علوم المنطق ومناهج التفكير بمركز”بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث”

دبلوم في مهارات التفكير والتواصل بجامعة نيوبرونزويك الكندية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثمانية + 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى