مقالات

لا يا أبله دوستويفسكي

لا يا أبله ديستوفيسكى

إذا تنزهت بين أفكار الكتب على اختلافها بعقل دائم الاشتياق لنفحات المعرفة الحقيقية ارتقيت بنفسك فى معارج الفكر والأخلاق. وإذا اتخذت صديقا يشاركك تأمل الأفكار ورقى الذات كان ذلك سببا لاستمرارك السعى فى طريق الكمال وخلود الصداقة.

وهذا حوار بين صديقتين دار حول فكرة عرضها دوستويفسكي على لسان بطل رواية الأبله “الأمير ميتشكين” فى الفصل الثانى من الجزء الأول من الرواية.

بدأت (صفاء) حديثها: ماذا تقولين يا (فريدة) فى رأى الأمير ميتشكين عن عقوبة الإعدام؟! إذ يرى أن قتل إنسان بسبب جريمة قتل لا تناسب بينها وبين جريمة القتل؛ فقتل القاتل أفظع بكثير من جريمة القتل نفسها.

فقالت (فريدة): كيف بنى هذا الرأى؟! وهل يريد إلغاء عقوبة الإعدام؟!

صفاء: تريدين معرفة أساس هذا الرأى وإلام يهدف!

حسنا، قد علل رأيه بثلاثة أمور: أولها: أن انتظار الإعدام شعور مؤلم؛ فبعد فترة ستفارق روحه جسده ولن يصبح إنسانا بعدها. ثانيها: أن ألم الجسد يشغل الروح عن آلامها فلذلك الإعدام الأقل إيلاما للجسد هو الأقسى عقوبة للروح، ثالثها: أن الأمل فى النجاة منزوع من المحكوم عليهم بالإعدام بينما الإنسان الذى يهجم عليه قاتل يبقى  لديه الأمل فى النجاة. أما بالنسبة لإلغاء عقوبة الإعدام فيبدو ميله فى تساؤلاته: من الذى قرر أن طبيعة الإنسان تستطيع أن تحتمل تعذيبا كهذا التعذيب دون أن تهوى إلى الجنون؟

تستمتع (فريدة) وتقدر حس ديستوفيسكى الإنسانى المفرط لكنها لم تتقبل رأيه أو ما بنى عليه رأيه، فكيف نرحم المجرم حين إصدار العقوبة أو تنفيذها ولا يفكر المجرم فى الرحمة حين يعتدى، وأين حق المعتدى عليه؟!

فقالت فريدة: إن الإعدام ينهى حياة الإنسان وربما الجهل بما بعد الموت يجعل الإنسان يحكم عاطفته مقرا بلاإنسانية الإعدام! فلنتحدث عن العقوبة بدلا من الإعدام؛ فهى عامة تشمل الإعدام كطريقة للعقوبة، ولعلنا بذلك ننجو من تحكيم العاطفة المفرطة أو القسوة المتطرفة. فلنتساءل ما أهمية العقوبة؟!

صفاء: قبل هذا دعينا نذكر طبيعة الإنسان الكائن المخير، بالتأكيد لم يختر شكله أو فصيلة دمه أو الزمن الذى وجد فيه وإنما يختار الطريق الذى يسلكه ويختار الطريقة التى يحيا بها فأنا وأنت مثلا يمكننا أن نكمل حديثنا أو أن نطلع على آخر أخبار طلاق وخلافات  مشاهير الفن الهابط!

ولأن الإنسان يختار بين الخير والشر، فليس من مصلحته ألا يجد له رادعا من نفسه أو من خارجها يحميه استمرار التهافت على حقير الأعمال وشرها.

فريدة :ما المشكلة فى الحديث عن المشاهير؟! لن يعاقبنا أحد على ذلك؟!

صفاء: سنحرم بهجة حديثنا ولقاءنا هذا يا (فريدة). أليس هذا الحرمان عقوبة؟!

فريدة: بلى، عقوبة! حرمان المعنى عقوبة قاسية على مقدرى قيمة الإنسانية فالأمير ميتشكين  مثلا يرى أن حرمان المحكوم عليهم بالإعدام من الأمل أشد قسوة من القتل، وإضافة لذلك قد تعصى علينا أنفسنا وتهوى الانغماس فيما يفسد براءتها فهنا يجب تأديبها بفرض عقوبة غير معنوية كما فعل أخواى مثلا عندما أرادا التوقف عن شتم لاعبى كرة القدم الإلكترونية أثناء لعبهم ففرضوا على أنفسهم غرامة مقابل كل كلمة سباب وبذلك تعافيا من التلفظ بالبذىء.

صفاء: أحسنوا صنعا بأنفسهم.

كل ما ذكرنا عقوبات نتقبلها بل نفرضها نحن على أنفسنا ابتغاء النجاة من حب المفاسد إلا أن هناك تبلد  يصيب الفطرة السوية فى مقتل بسبب غرق النفس فى غياهب الشهوات والمطامع لا يجدى معه عقوبة حرمان المعنى ولا ينتبه الشخص لنفسه فيؤدبها إن مالت، فنجد الشخص حينما تتبلد إنسانيته يتجرأ على حقوق غيره فيسلبها طغيانا وهذا يحتاج إلى عقوبة مناسبة تفرض عليه من الخارج كى يتوقف عن تماديه فى طرق منحرفة تهلكه وتهلك مجتمعه.

فريدة: قد بدا لنا أن العقوبة مهمة لأنها رادع يحمى الإنسان المخير من التمادى فى ظلم نفسه وظلم الآخر. والناظر إلى نفسه وإلى الكون بعين العقل والحكمة يقر بحريته المسؤولة فيعلم حق نفسه فى الكمال  فإن جار عليه أقر باستحقاقه للعقاب العادل حتى يستقيم ما اعوج فيه، ويعلم أن للآخر حقوقًا إن جار عليها استحق عقابا يطهره من ظلمه ويعيد للآخر حقه. لو تحلى الإنسان بالشجاعة الحكيمة وتوشح بالصدق مع نفسه لرغب فى  نيل جزاء ظلمه تطهيرا لنفسه وحفظا للمجتمع!

صديقتى لا يمكن إلغاء العقوبة فهى لازمة للإنسان والمجتمع. وإذا كان الإعدام هو العقوبة العادلة لجرم ما فإن إلغاء هذه العقوبة ظلم لإنسانية المجرم وإخلال بنظام العدل فى المجتمع.

صفاء: إن ديستوفيسكى كان محكوما عليه بالإعدام وجرب اللحظة التى يليها انفصال روحه عن جسده ولكن صدر مرسوم قيصرى يحكم بالأعمال الشاقة مدة أربع سنوات بدلا من الإعدام… لعل التجربة القاسية جعلته راغبا على لسان الأبله فى إلغاء عقوبة الإعدام!

فريدة:  إن تجربته المأسوية لا تصلح لأن تكون أساسا نبنى عليه رغبتنا فى إلغاء عقوبة الإعدام. هل كان حكم الإعدام ظالما؟!

صفاء: كيف لى أن أجيب على سؤال كهذا؟! كان محكوما عليه ضمن جماعة تسمى (بيتراشيفسكى )أسسها شباب لاحقتهم الشرطة بسبب نشاطها السرى وتم الحكم عليهم بالإعدام.

فريدة: لا ندرى المقصود بالنشاط السرى الذى يعد جرما يستحق الإعدام فى نظر السلطة، لكن من الذى يقر بأن هذا الجرم أو ذاك يستحق العقوبة هذه أو تلك؟!

لو كان مشرع العقوبة صاحب مصلحة أو صاحب السلطة أو القوة  فهذه العقوبة ليست من العدل إنما تكون أداة بطش، إقرار العقوبة أساسه حفظ الإنسان ونشر العدل فى المجتمع، لذلك فالمشرع يجب أن يكون منزها عن  الاحتياج، وعقوبة الإعدام ليست كالغرامة المادية على المخالفات المرورية، أعنى أن مصدر تشريعها لا يأتى باتفاق جماعة! إنما مشرعها هو الإله خالق الإنسان والأعلم بالحال التى يكون فيها الإعدام هو العقوبة العادلة  لذلك تشريع هذه العقوبة مصدره نص دينى صحيح يحكم به قاض عادل عالم مطلع على ظروف الجريمة فيقرر وفق الشرع العادل هل الجريمة تستحق عقوبة الإعدام أو لا؟ قاض لا يطمع فى قرب من صاحب سلطان زائل إنما يقضى بالعدل ليحفظ المجتمع.

تؤذينا النار يا( صفاء ) عند سوء استغلالها لكننا لا نستغنى عنها، كذلك العقوبات إذا وجدت لإيقاع الظلم وفرض السلطة وعقاب من لا يستحق سيهلك المجتمع لكن هذا لا يستدعى المطالبة بإلغاء العقوبة تماما! هذا يستدعى شيئا آخر أتعلمين ما هو؟!

صفاء: أتوقع أنه بناء مجتمع عادل! لكن لو لم يتم إلغاء عقوبة الإعدام لكان ديستوفيسكى الروائى العظيم  شخصا يموت ظلما ولا نعلم شيئا عنه ولا عن أميره الأبله!

فريدة: المجتمع العادل لا يقوم من أجل الحفاظ على شخص أو مجموعة إنما يقوم من أجل العدل الذى يحفظ حقوق الجميع، والانتقال بحالة عقوبة إعدام ظالمة إلى حالة من الإلغاء التام لكل عقوبات الإعدام ليس من العقل الذى أقر بصحة شريعة الإعدام فيها من طرق العقوبة.

لو صدر قرار بإلغاء عقوبة الإعدام  وكان محكوما على القاتل عمدا بالإعدام! فهل هذا عدل مع الإنسان الظالم أو المظلوم أو المجتمع؟!

المجتمع العادل الناظر للإنسان على أنه حر مسؤول لا يفرض عقوبة ظالمة، إنما عقوبة يستقيم بها حال الإنسان الفرد وحال المجتمع… عقوبة إنسانية الغاية لازمة لاستمرار المجتمع عادلا.  والاستقامة تبدأ بالنظرة العاقلة المستعينة بالنص الصحيح والمتفقهة فى أحوال المجتمع.

صفاء : دعينى أقول أن خلاصة حديثنا صديقتى أن نظرة الإنسان لنفسه وللكون ونظرة المجتمع للإنسان إن كانت صحيحة نضمن بذلك عقوبات إنسانية عادلة حتى لو كانت إعداما. وأخيرا نقولها لا يا أبله ديستوفيسكى… الإعدام عقوبة إنسانية رحيمة بالمعتدى والمعتدى عليه ولازمة لسلامة المجتمع إن كانت عادلة.

وانتهى حوار الصديقتين واتفقتا ألا يبرحا التفكر ولا يغلب إحداهن اعتياد مفسدة إلا وتذكرها الأخرى بالحقيقة ولا يثقا بآراء شخصيات الروايات فربما بنت آراءها على تجربة شخصية مأساوية لا تصلح لبناء فكر سليم  يسير وفقه الإنسان أو المجتمع.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى