علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

لأنه يستطيع

ما زلت أذكر تلك الأيام كأنها الأمس القريب، أعوام وأعوام مرت منذ ذلك اليوم ولكنها تبدو كذكرى طازجة لم تمر عليها بضعة أيام، أبي وقد قاد بنا عائدًا من السوق إلى منزلنا الجديد الذي لم نعتده بعد، وتحت المنزل مجموعة من الفتيان يلعبون كرة القدم متجاهلين تلك السيارة القادمة ليدهس أبي كرتهم بسيارته -متعمدًا- وقد زلزلتهم تلك الصدمة بانتهاء لهوهم مبكرًا، لا لشيء إلا لأنه يستطيع! شعرت يومها بالسخط مما فعله وقد أصابني إحباطهم بالعدوى التي سرعان ما تناسيتها كديدن الفتية في عمري، وفي اليوم التالي نزلت وأخي للمرة الأولى للشوارع كي نمارس كرة القدم بكرتنا الجديدة برفقة فتية الأمس الذي دهس أبي كرتهم، بالطبع حدث كما توقعتم، سخرية وعنف ومحاولة لسرقة كرتنا -على الرغم من امتلاكهم لأخرى- لولا أننا استطعنا أنا وأخي أن نفلت منهم، لحظات من الخوف والاستياء والحزن من رفاق المنزل الجديد، لا لشيء إلا لأنهم يستطيعون!
فتاة بروح مرحة في سنوات عمرها الأولى، ذات عينين واسعتين خلابتين، تتوسطهما أنف دقيق يعتلي فمًّا رقيقًا ذي ابتسامة عذبة، لم تؤذِ أحدًا يومًا من الرفاق، ولم تحمل وزرًا سوى أنها كانت ذاتًا بشرية صافية رائقة سمراء، لتنهال عليها الكلمات الساخرة القاسية من كل حدب وصوب، لا لشيء إلا لأننا نستطيع!
فتى ذو ابتسامة طفولية تلين لها القلوب، ذو قلبٍ صافٍ، طيب المعشر خفيف الظل، كأي إنسان آخر لا يرغب سوى في الرفقة التي تطيب لها القلوب، أصبح يخشى أن ينسى الرفاق اسمه فلا يذكرونه سوى بـ (قلبظ)، أو أي من تلك الأسماء التي تسابق الرفاق لإطلاقها عليه، لا لشيء إلا لأنهم يستطيعون!

التنمر، مأساة ربما لو انقادت أفكارنا كما يحدث دومًا وراء تلك الدونية التي تقتات على أرواحنا ورؤانا لأنفسنا، لقلنا بتلك النبرة الواثقة العالمة ببواطن الأمور (مجتمع جاهل) أو (عنصرية العرب)، وقد وقعنا أسرى لفخ التعميم الاستقراء المحبب إلى النفوس التي من لذة المعرفة تفر، ولكن لحسن الحظ كي لا ندفن رؤوسنا في رمال نغمة الوجود في المكان الخاطئ، فالإحصائيات والشواهد كلها تؤكد ما هو للعيان ظاهر، من عالمية ظاهرة التنمر، فمثلًا بالنظر إلى نتائج دراسة أجرتها مؤسسة (مجتمع الطفل) يظهر أن 50% من الذكور يتعرضون للضرب من زملائهم، بينما تتعرض 40% من الإناث للضرب من زملائهن، ناهيك عن الإهانات اللفظية والسخرية.
بالنظر إلى دول العالم نجد أن التنمر حالة عامة ويبدو أن العالم قد بدأ يستفيق مع تكرار حوادث الانتحار والقتل نتيجة تنمر الطلبة بعضهم على بعض في المدارس والجامعات، فنجد مثلًا السينما الأمريكية تسلط الضوء على تلك الظاهرة في فيلم هو الأروع والأهم للعام الحالي (أعجوبة)، الذي يحكي عن معاناة طفل ولد بتشوهات خلقية في الوجه مع تنمر أقرانه عليه -والقصة حقيقية- أو في مسلسل تلفزيوني أصبح حديث العالم في وقت من الأوقات (13 سبب لماذا؟) عن انتحار فتاة تعرضت لعدة أشكال من تنمر زملائها بالمدرسة، ولكن هل هناك حلول حقيقية؟

نتحدث عن التحرش كأزمة حقيقية موجودة، فلا نسمع حلولًا إلا على غرار أحرقوه، اصلبوه، اقتلوه، أو لا بد من زيادة الأمن والكاميرات، أو لا بد من أن تتعلم الفتاة كيف تحمي نفسها بالرياضات القتالية أو أسلحة الحماية الذاتية، كل هذا جميل ولكن ماذا لو لم تلتقطه الكاميرات أو لم يره الأمن أو استطاع التغلب على الفتاة وحماية نفسه من مهاراتها القتالية أو أسلحتها؟ ما هو الرادع حينها إذن؟ إن الردع الحقيقي لحل أي أزمة لا بد وأن يكون بالعمل على أسبابها الذاتية، ومن ثم تنعدم المشكلة بالأساس ويصبح الردع ذاتيًا، حتى وإن غابت القوانين وغاب الأمن وغابت الكاميرات والأسلحة، ولكن ظل الإنسان إنسانًا، يعي جيدًا أن إنسانيته هي الرادع الأول له عن أي تردٍّ أخلاقي وانسياق حيواني خلف شهواته.
مقدمة لا بد منها قبل الحديث عن أزمة التنمر، فبالنظر إلى تلك الأزمة نجد أنها تدور حول النظرة المادية للواقع، تلك النظرة التي تجعل العالم يتمحور حول الفرد ذاته، فالتميز والتفوق لك كإنسان في عصر المادة هو تفوق شكلي، فالرجل لا يعيبه سوى ما يملكه من أموال أو سمات شكلية تدور في النهاية حول ما يمتلكه من أموال أو سيارة أو غيرها، والمرأة لا يعيـبها سوى ما تملكه من جمال الهيئة والشكل والملابس، لذا أصبح من الطبيعي أن يتسارع الآباء لتلبية مطالب الأبناء والمجتمع دون النظر إلى جدواها ومنطقيتها وآثارها في تآكل نفوس أطفالهم.
يحكى أن أحد الأطفال يومًا روى لي سخرية أقرانه -لم يتعدوا السبع سنوات بعد- منه لأنه لا يحمل شطائره في (اللانش بوكس) أو صندوق الغذاء! كيف لأطفال في هذه السن أن تكون هذه نظرتهم وتقييمهم لبعض؟ إنما هذا من تشوه الفطرة السليمة النابع من التربية الخاطئة التي يلهث فيها الوالدان وراء سراب تحقيق المتطلبات الزائفة لأبنائهم خشية سخرية ورفض المجتمع لهم، حتى انتقلت تلك الرؤية الضبابية الحمقاء المشوهة إلى الأطفال أنفسهم! أما إن انتقلنا للحديث عن المجتمع فحدث ولا حرج، إن تلك الرؤية المادية التي جعلت الإنسان يرى نفسه مركزًا للكون، ومن ثم أصبح المجتمع يدور حول شهوات الفرد ورغباته وكيفية إشباع الحد الأقصى منها، فأصبحت الفردية هي الغالبة، ومن ثم أصبح البحث عن تماسك المجتمع وثقة أفراده في بعضهم البعض ونمو الشعور بالأمان بينهم محض شعارات لا معنى لها في عالم اليوم.

فالإجابة لا تحتاج إلى الشرح الكثير، إن الأمر كله يدور حول رؤية الإنسان لنفسه ككائن أخلاقي يهدف إلى التكامل النفسي والاجتماعي، رؤية ينقلها الفرد إلى مجتمعه وينقلها المجتمع إليه ضمن عملية تربوية تبادلية تبدأ من المنزل مرورًا بالمؤسسات التعليمية والإعلامية وانتهاءً حتى بالسياسيين، تسمو بالمجتمع ككل فينظر الفرد إلى غيره في المجتمع كرفيق لدرب التكامل وصديقًا يؤتمن على النفس، لا تلك الرؤية التي أنجبت التنمر في كل مكان، والغريب هو استنكار الإعلام الأمريكي مثلًا لتنامي ظاهرة التنمر وخطورتها دون الانتباه لما تمارسه الولايات المتحدة من تنمر في القضية الفلسطينية مثلًا، ولكن هكذا هي الرؤية المادية تعمي بصيرة الفرد عن كل ما تقترفه يداه من آثام وجرائم طالما لا يطاله منها أذى، ولأنه يستطيع!

الوسوم
اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق