مقالات

كيف يفكر الأطباء – الجزء الأول

في هذا المقال وما بعده سأحاول أن أشرح لك عزيزي القارئ كيف يفكر الأطباء وما الذي يدور في عقولهم عند سماعهم شكواك، وسأضع بين يديك تفسيرا لعدد من الخطوات التي يقومون بها أثناء مقابلتهم لك وفحصهم لأجهزة جسمك المختلفة، وذلك لأن في إدراك العامة لعدد من تلك القواعد التي يتعلمها الأطباء في كليات الطب والتي تحكم تفكيرهم أثناء عملية التشخيص ما يسهل التعاون بين المريض والطبيب وما يعود بالنفع الكبير على كليهما، وإليك بعضا من هذه القواعد:

القاعدة الأولى:

نفس العرض يسببه أكثر من مرض (خلق قائمة التشخيص التفريقي):

إن أول ما يقوم به الطبيب عند مقابلتك هو سؤالك عن شكواك الأساسية التي قادتك لزيارته، وعليك عزيزي القارئ في هذه المرحلة أن تكون محددا بشكل كبير بل وحريصا كل الحرص على التركيز على ذلك العرض الأساسي الذي دفعك لزيارة طبيبك أو طلب مشورته. لا تحاول في هذه المرحلة تحديدا أن تشتت نفسك أو طبيبك بذكر أعراض ثانوية غير أساسية، فدور مثل هذه الأعراض سيأتي في المرحلة التالية.

بمجرد سماع الطبيب لشكواك الأساسية، ستتكون في ذهنه مباشرة قائمة طويلة تحوي عددا من الأمراض المختلفة التي يمكنها أن تسبب ذلك العرض الذي تشكو منه، تسمى تلك القائمة بـ (قائمة التشخيص التفريقي).

ولتسهيل تصور ذلك نضرب مثالا للتوضيح، افترض معي أن صديقا لك أخبرك بأنه قد تناول بالأمس نوعا من الفاكهة، فما الذي سيحدث في ذهنك؟ ستتكون فيه مباشرة قائمة طويلة من أسماء الفواكه المحتمل أنه قد تناولها والتي سبق لك معرفتها (كالتفاح مثلا والرمان والموز والبرتقال واليوسفي وغيرها).

هذا بالضبط ما سيحدث في ذهن الطبيب عند سماعه شكواك، ستتكون في ذهنه قائمة بالأمراض التي يمكن لكل منها أن يسبب ذلك العرض الذي تشكو منه، فإذا شكوت من الكحة مثلا فربما تكون أسبابها نزلة برد أو التهاب شعبي أو التهاب رئوي أو ربو شعبي، إلخ.

وهنا يأتي دور المرحلة الثانية أو القاعدة الثانية التي تحكم تفكير الأطباء.

القاعدة الثانية:

اسأل كثيرا (التشخيص بالاستبعاد):

سيقوم الطبيب بعد سماع شكواك الرئيسية وتكوين قائمة التشخيص التفريقي بطرح عدد من الأسئلة عليك، مثل هل تشكو من مرض الضغط أو السكري؟ هل تقوم بتربية الطيور أو الحيوانات الأليفة؟ هل سافرت إلى أحد البلاد الأفريقية؟ هل تشكو من آلام بمفاصل أصابعك؟ هل تغير لون بولك؟ هل تورمت قدماك؟ وغير ذلك من الأسئلة.

قد تبدو لك بعض هذه الأسئلة وغيرها عديمة القيمة، وربما شعرت بعدم وجود علاقة واضحة بين ما جئت تشكو منه وبين ما يطرحه عليك الطبيب من أسئلة، ولكن اعلم عزيزي القارئ أن كل سؤال يوجه إليك وكل إجابة منك عليه لها في ذهن طبيبك مدلول محدد يقوده نحو تشخيص معين.

فمع كل جواب منك يقوم الطبيب باستبعاد أحد الأمراض المحتملة ضمن قائمة التشخيص التفريقي، ويظل الأمر هكذا مع كل سؤال وكل إجابة حتى ننتهي باستبعاد معظم الأمراض المحتملة ضمن قائمة التشخيص التفريقي وحصر مسببات العرض في عدد محدود جدا من الأمراض يسهل تأكيد بعضها أو نفيه بعمليتي الفحص وطلب التحاليل أو الأشعات.

وللتوضيح نعود لمثالنا السابق، هب أنك تريد الوصول لنوع الفاكهة التي تناولها صديقك بالأمس، فماذا ستفعل؟

يمكنك فعل ذلك بطرح عدد من الأسئلة عليه كالآتي:

-هل تحوي هذه الفاكهة من الداخل حبات تؤكل؟

فإذا كانت إجابة صديقك بالنفي، فإنك ستستبعد بالتأكيد فاكهة الرمان.

– ثم إذا سألته بعدها هل لون هذه الفاكهة أحمر؟ و أجابك صديقك بالنفي، فستستبعد كذلك فاكهة التفاح.

– ثم إذا ما سألته عن شكل هذه الفاكهة هل هو كروي؟ و كانت إجابته بنعم، فستستبعد من القائمة ثمار الموز، ليتبقى معك في النهاية احتمالان اثنان وهما ثمرتي البرتقال واليوسفي، يشبه هذا بالضبط ما يحدث في ذهن الطبيب في هذه المرحلة.

القاعدة الثالثة:

أنت ترى ما تعلمه فقط.

بالطبع كلما زاد علم الطبيب واتسع اطلاعه فإن معرفته بعدد أكبر من الأمراض التي قد تكون سببا في حدوث عرضك الذي تشكو منه ستزداد هي الأخرى، وبالتالي فإن عدد ما سيطرحه عليك من أسئلة لاستبعاد هذه الأمراض سيزداد هو الآخر.

وبالعودة لمثالنا السابق، فإنه إذا كانت الفاكهة التي قد أكلها صديقك هي فاكهة ال(ليتشي الصينية) مثلا، و لم يسبق لك معرفتها أو رؤيتها، فإنه من البديهي أنك لن تتوقعها ولن تقوم بطرح الأسئلة لاستبعادها.

تسمى هذه الخطوة وما قبلها بمرحلة “التاريخ المرضي”، وهي المرحلة التي تسبق الفحص السريري للمريض، وهي تشبه إلى حد كبير عمليات التحقيق أو الاستجواب في القضايا الجنائية.

كان السيد وليم أوسلر المعروف بأبي الطب الحديث يقول لتلاميذه دوما: “إذا ما أصغيت للمريض بشكل جيد، فسيخبرك بالتشخيص”، وإني أضيف على مقولته كلمتي و”بالعلاج أحيانا”، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية التاريخ المرضي والذي يرى البعض أن ما يزيد عن ٧٠٪ من الأمراض يمكن تشخيصها من خلاله، لذا فإني أنصحك عزيزي القارئ ألا تصاب بالملل من كثرة أسئلة الطبيب لك، ولا تتعجل عملية الفحص قبل أن تشرح لطبيبك كل تفاصيل مرضك، كما أنصحك ألا تحاول إخفاء بعض المعلومات عن طبيبك كما يفعل البعض اعتقادا منهم أنه بذلك يقوم باختبار مهارة الطبيب ومدى قدرته على التشخيص من خلال الفحص.

اقرأ أيضاً:

سكري الحمل

بين النظري والعملي

الخدمة الاجتماعية الطبية وإدراة الأزمات

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اظهر المزيد

د. عمرو أبو الحسن

مدرس مساعد أمراض الصدر – كلية الطب جامعة أسوان

مقالات ذات صلة