مقالات

المبادئ والمعايير وطريقة تشكيلها – كيف تصنع أنت مبادئك ومعاييرك ؟

المبادئ وطرق تشكيلها

“أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة”

كان الشاب العشريني يؤمن بهذا المثل الشعبي، الأمر الذي جعله يجالس جاره الخمسيني بشكل دائم في محل جاره المجاور للعمارة التي يسكنان فيها.

“كلهم كدابين وعارفين إنهم كدابين وعارفين إننا عارفين إنهم كدابين”

جملة قالها الممثل المصري أحمد ذكي في أحد أفلامه بانفعال يُحرك غضب المشاهد على أناس يستهوون النفاق والكذب والكلمات المزينة الرنانة، جملة أثارت الجار الخمسيني وحركت الحكيم الذي بداخله فأغلق التلفاز ونظر للشاب العشريني باهتمام ثم قال له:
“الصراحة بتوجع، الناس عايزة تسمع اللي حابة إنها تسمعه، جامل الناس تحبك وما تقدرش تستغنى عنك”

لم يكن مبدأ موفق !

الإنسان بالفطرة يضع مبادئ كلية تحكم سلوكياته، “جامل تعيش” هذه أحد المبادئ التي توصل إليها الشاب العشريني بتأثير من جاره، وبالفعل بدأ يتعامل بها ويبالغ في مجاملة الآخرين والثناء على ما يفعلون وما يملكون وكان المردود إيجابيا بالنسبة له حيث اهتم به الآخرون وأرادوا مجالسته بشكل دائم مما جعله مبتهجاً بهذا الود والاهتمام، حتى حدث موقف معين!

كان مع صديقه يشتريان ملابس جديدة وقد أعجب صديقه بقميص وطلب رأيه فيه وكان رد الشاب العشريني بالثناء على ذوق صديقه الفريد من نوعه، إلا أن ذوق صديقه لم يرتقِ للجيد، قميص ليموني اللون مخطط باللون النبيتي هو أمر بشع، كل من رأى صديقه مرتدياً هذا القميص الجديد عاب عليه وانتقده على ذوقه وسخر منه، وتحت تأثير النقد اللاذع استنتج الصديق أن صاحبه الوحيد الذي أعجبه القميص وكان معه وقت الشراء هو بالضرورة كاذب منافق أو حاقد عليه يريد له الأذى، فلامه بشده وتوقف عن التعامل معه.

حدث ارتباك فكري للشاب العشريني جعله يتطرف ويتنقل بين المجاملة والوقاحة في ردود أفعاله حتى خسر أصحابه واحداً تلو الآخر إلى أن وصل وحيداً دون أصحاب، فقرر أن ينطوي على نفسه بعد أن استنتج مبدأ سلوكيا يقول أن الأصحاب سيئون!!

الطريقة الأولى لتشكيل المبادئ

توجد طريقتان لتشكيل المبادئ التي تحكم سلوك الإنسان، أولها تلك التي كان يعتمد عليها الشاب العشريني في تكوين مبادئه وهي الانفعال مع المواقف والأحداث التي يمر بها واستخلاص المبادئ منها، بمعنى آخر في الموقف “س” قمت بالفعل “ص” فكانت النتيجة جيدة وعندما تكرر الموقف “س” أكثر من مرة قمت بنفس الفعل “ص” في كل مرة وكانت النتيجة جيدة أيضاً، من هنا يتم الخروج بقاعدة سلوكية تقول كلما حدث الموقف “س” يتم التعامل معه بالقيام بالفعل “ص”، مثل هذا الشاب عندما رحل عنه أصدقاؤه واحدًا تلو الآخر فوضع قاعدة تقول الصداقة أمر سيء أو عندما بدء بمجاملة الناس بناء على توصية جاره واحدًا تلو الآخر، وعندما كانت النتيجة جيدة وضع قاعدة “تقول الناس تحب المجاملات”.

في علم المنطق هذا يسمى استقراء، وهو الاحتكام إلى المواقف الجزئية لوضع قاعدة كلية، والأزمة هنا هي نادراً ما نصل إلى كل الجزئيات التي معها تكون القواعد التي نضعها لتحكم سلوكنا قواعد يقينية، فعندما نقول بشكل يقيني أن كل سائقي التوكتوك همج مثلاً فهذا القول يستلزم الركوب مع كل سائقي التوكتوك لتكون القاعدة التي وضعناها صحيحة تؤدي لنتيجة صحيحة عند التعامل بها، فإذا صادفنا الركوب مع سائق متزن سيتم التعامل معه بالقاعدة الموضوعة وسنظلمه أو على الأقل سنسيء الظن به.
لا أعيب على الأسلوب الاستقرائي ولكن يجب التعامل به على أنه يفيد الظن وليس اليقين.

والآن كيف سنقنع هذا الشاب المصدوم بأن الصداقة أمر حسن وأن ذلك الشخص الذي نفر من مجاملته ثم لم تعجبه صراحته الوقحة ليس مختلاً نفسياً؟

إن الشخص الذي يترك المواقف التي يمر بها تشكل مبادئه -المعتمد على الأسلوب الاستقرائي- يكون متعصباً وجامداً فكرياً لأن مبادئه تكون بمثابة رحلة عمره!
فهو انفعل مع مواقف حياته واستخلص منها مبادئ تحكم سلوكه ثم قضى عمره بالتعامل بهذه المبادئ، فلو تعرضت مبادؤه للاعتراض سيشعر بالخطر ولذلك فهو ليس لديه استعداد لقبول أي فكر مخالف، فهو شخص حسي لا يعترف إلا بما يراه ويمر به من مواقف وأحداث.

الطريقة الثانية لتشكيل المبادئ

القليل من الناس فقط تنتبه للأزمات الفكرية التي يسببها هذا الأسلوب في تكوين المبادئ وتقرر أن تتبع الأسلوب السليم وهو التأمل!

التأمل هو تكوين المبادئ بشكل يعتمد على البحث والتفكر والتمحيص والتدقيق، هو معرفة حقيقة الشيء كما هو عليه دون أي تأثيرات، ودون أي تدخل للمواقف وانفعالاتنا معها.

الصدق سيء لأنه يجعلني أنتقد الآخرين في بعض المواقف مما يجعلهم ينفرون مني أو الصدق جيد لأنه يجعل الناس واثقين ومرتاحين في تعاملهم معي، هذا تكوين لمبادئنا نتيجة انفعالاتنا مع مواقف حياتنا ولكن كيف يتم تكوين المبدأ في هذا الموضوع بشكل تأملي؟

الإنسان بالفطرة باحث عن التكامل والرُقي وجلب المنافع، والإنسان له شقان أحدهما جسدي والآخر روحي، ومن ضمن رُقي الروح وتكاملها وغذائها الأخلاق الفاضلة، والصدق فعل أخلاقي فاضل تستحسنه النفس البشرية بالفطرة، فالإنسان عندما يكون صادقاً يشعر باحترامه لذاته ويشعر بالرضا وراحة الضمير، القيام بجميع الأخلاق والقيم الفاضلة يجعل الإنسان في راحة وحالة سلام نفسي عموماً، بغض النظر عن انفعال الناس مع ذلك إما بالتأييد أو بالمعارضة فهذا لا يهم ولا يسبب أي تأثيرعلى الإنسان المتأمل الباحث عن الحقيقة وتكوين مبادئ سليمة.
هكذا يتم تكوين مبدأ بأسلوب تأملي حيال موضوع الصدق.

والشخص المتأمل هو شخص مؤمن بعملية التفكير، مرن ومتقبل للآخر، يسير في الحياة باحثاً عن الحقيقة، متسائلاً دائماً، لا ينزعج من الأفكار المضادة ولا يتأثر بالآخرين في تكوين مبادئه ولا يهاب خبرات الكبار إن كانت غير صحيحة.

الطريقة الثانية هي الأفضل

هكذا علينا أن نبني مبادئنا، بالتأمل والتدقيق والتفكر والبحث ومعرفة الشيء على ما هو عليه، علينا أن نقيس موروثاتنا الثقافية والاجتماعية والفكرية على ميزان العقل ونعيد التأمل فيها وفلترة الخاطئ منها، علينا أن نقاوم أي مؤثر مجتمعي أو عائلي ولا نسمح للآخرين بالـتدخل في تشكيل مبادئنا،

علينا ألا نهاب ما توصل إليه أصحاب الخبرات وألا نعتمد على خبراتهم إلا بعد التأكد من أنهم يسيرون على نفس الطريق الذي نسير عليه، علينا ألا ننبهر بما هو رائج وشائع من أفكار، علينا أن نشك!
الإمام أبوحامد الغزالي يقول ” من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر يبقى في العمى والضلال ”

اقرأ ايضاً:

لماذا يتركنا نتأرجح بين الألم والملل ؟

الإنسان والمعايير المزدوجة

لماذا أدمر ما أحبه دائماً ؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق