أسرة وطفل - مقالاتمقالات

كيف أربي طفلي على التفكير المنطقي؟

يعرف التفكير على أنه عملية جمع المعلومات القديمة للوصول إلى معلومات جديدة، وإضافة لفظ منطقي إلى التفكير يعني أن يتم ضبط تلك العملية كي تتم بصورة صحيحة، بمعنى أن نضع لذلك التفكير القواعد المنطقية فيتم جمع المعلومات بشكل سليم ومن ثم يتم ترتيبها بصورة سليمة فنصل إلى نتائج صحيحة من تلك العملية، ذلك شرح مبسط فسبق وأن قدمنا العديد من المقالات في سرد التفكير والقواعد المنطقية.

أما محور حديثنا الآن هو عن الأطفال؛ ففي إحدى الدورات طرحت الأم ذلك التساؤل كيف أربي طفلي على التفكير المنطقي؟!

نبدأ أولا بالحديث عن نظرية النمو العقلي المعرفي ل”جان بياجيه”

يذكر “جان بياجيه” أن سلوك الفرد ينمو ويتعدل وفق مراحل، نسردهم سريعا:

1- مرحلة الحس الحركية (من الميلاد إلى عمر سنتين)

وفي تلك المرحلة تكون المسافة العقلية المتمثلة في التفكير بين المثير والاستجابة ضيقة جدا بمعنى أن الطفل يحصل على معارفه من خلال حواسه الخمس ومن خلال وجهة نظره الخاصة والزيادة في التطور البدني يؤدي إلى زيادة في المعرفة.

2- المرحلة التصوّرية أو الحدسية ( من 2 إلى 7 سنوات)

يقل التعامل الحسي الحركي فيبدأ بالانفصال عن أمه تدريجيا ويبدأ في اكتساب اللغة ومن هنا تبدأ مرحلة نمو عقلي جديدة تجعل التفكير قائم على الوصف والتحديد البسيط لما هو موجود وبسبب قصور المفاهيم يبدأ الطفل في استكمالها بأسئلة توجيهية للكبار وأطلق البعض على تلك المرحلة “مرحلة ولادة المنطق البدائي”.

3- مرحلة العمليات الملموسة (7 إلى 11 سنة)

يقوم الطفل فيها بعمليات متكاملة تتناول الأشياء بالترتيب والتصنيف وإدراك العلاقات بينها، ولكن يظل الطفل أسير للواقع بمعنى أنه لا يدرك المعاني المجردة والمبادئ العامة.

4- مرحلة العمليات المجردة

يتخطى الطفل هنا الواقع والخبرات الملموسة التي تقدم له، فيحاول فهم المبادئ العامة التي تحكم الظواهر والمفاهيم التي يدرسها، فيصبح الطفل قادر على تمييز المفاهيم المجردة مثل الحب والخير، فيبدأ تشكيل الهُوية والأخلاق.

وبذكرنا هنا لمراحل النمو العقلي يتضح لنا أن التفكير المنطقي من الأشياء التي فطرنا عليها، بمعنى أنه الطفل بخلقه التكويني الطبيعي قادر على جمع المعلومات وترتيبها وتصنيفها والتوصل إلى نتائج جديدة حتى يصل إلى ما يبحث عنه، لذلك تكمن أسباب نصائحنا للمربين في الحرص على تقديم إجابات صحيحة لتساؤلات الأطفال حتى يتمكنوا بأنفسهم من الوصول إلى نتائج سليمة، بالمعلومات التي يحصلون عليها من إجاباتنا.

وبالتالي نحن لا نحتاج أن نُعيد صياغة التفكير المنطقي في أذهان أطفالنا بل علينا أن نحرص على تنميته وعدم طمسه.

وبالتالي من الممكن أن نصيغ التساؤل بطريقة أخرى، وهي كيف نربي طفل مفكر في بيتنا؟

الطفل المفكر

جميعنا على حد سواء نوظف عقولنا في الأعمال اليومية الاعتيادية، ولكن هل هكذا نكون أشغلنا أقصى إمكانيات عقولنا؟
بالطبع لا، فنحن بني البشر لدينا إمكانيات فذة يمكننا الوصول إليها، يقول أ. د عبد الكريم بكار في كتابه “تأسيس عقلية الطفل” – نحن لا نريد من التفكير هنا ذلك اللون من تشغيل العقل من أجل تسيير الحياة اليومية الاعتيادية، وإنما نريد به ذلك النشاط العقلي الذي يمارسه النابهون والممتازون من أجل كسب المزيد من المعرفة ومواجهة المشكلات الصعبة وإبداع وسائل جديدة لجعل الحياة أسهل وأكثر أمناً.

وهنا نتفق مع “أ.د. عبد الكريم بكار” في ما يقصده بخصوص أهمية التفكير في حياتنا وضروريته كما أشرنا في مقولته ولكننا نود أن نشير إلى نوع آخر من التفكير والمعرفة يختلف عن رؤيته، فالمعرفة التي نرجو إيضاحها هي بمثابة الأرض الصلبة التي نتوق لأبنائنا الوقوف عليها، فإذا واجهتهم أطروحات وجودية أو إشكاليات عقائدية أو صعوبات في ممارستهم العملية يتوفر لديهم تلك البنية المعرفية الصحيحة التي تمكنهم من السير قدما في البحث عن إجابات لإشكالياتهم دون أن ينجرفوا لتيارات متطرفة أو تيارات منحرفة.

فالطفل المفكر لا نقصد به ذلك الطفل الذي يقوم بالعمليات الحسابية السريعة فيضرب لنا حاصل ضرب مئتين في ثلاثمائة وأربعة وعشرون وخمسة … إلخ من الأرقام فننبهر نحن بما قدمه لنا كناتج نهائي لحصيلة عملية الضرب التي أتمها بذهنه دون اللجوء لآله حسابية، نعم ذلك ما كانت تطرحه لنا وسائل الإعلام دومًا كنمط مبدع لذلك الطفل المفكر ولكن أخطأوا هنا خطأ فادح في حفر صور نمطية عن الطفل المفكر في أذهاننا فشتان بين الذكاءات والمهارات عند الأطفال وبين تنمية تلك العقلية المفكرة التي تميزنا بها عن كافة المخلوقات.

وهنالك بعض النصائح من المرجو استعمالها مع أطفالنا حتى نتمكن من تنمية تلك العقلية الفظة بهم:

–  من المفيد أن يرى أطفالنا فينا روح التساؤل والبحث عن معنى كل جديد يطرأ علينا معهم، فنناقشهم حول تلك المعاني الجديدة التي نقابلها فيما يتوافق مع قدراتهم العقلية وإمكانياتهم العمرية.

– عندما تواجه أطفالنا المشكلات والتحديات لا يتوجب علينا أن نتوجه لحل مشاكلهم فورا، فذلك يعمل على تثبيط عقولهم بل علينا أن نفكر سويا في البحث عن الحلول، فمن الممكن أن نقدم لهم اقتراحات عديدة بشرط ألا تكون تلك الاقتراحات هي الحل، ولكن قد تكون البداية للوصول إلى الحل النهائي إذا تعثروا تماما، فعلى سبيل المثال يمكننا تعريف المشكلة التي يمرون بها لهم، ثم نخبرهم أن دورهم الآن هو جمع معلومات حول تلك المشكلة ثم ترتيبها ثم الاستعانة بما لديهم من خبرات سابقة لتجارب شبيهة مروا بها.

–  نظرا لأن الأطفال في السن الصغير يرغبون في الوصول إلى الحلول بأقصى سرعة ممكنة فقد يحدث أن تكون نتائجهم غير مكتملة أو بُنيت على مقدمات خاطئة أو أنهم لم يصبروا في جمع كافة البيانات، فعلى المربي هنا التدخل لتعليم الطفل الصبر على النتائج والتأكد من صحة المقدمات، بالإضافة إلى الإتقان في التحري عن تفاصيل كافة الموضوع المرغوب في الانتهاء منه.

–  يمكننا تسليط الضوء للأطفال فيما يتناسب مع أعمارهم أن الاستقلال في البحث عن المعرفة لا يعني أنهم بذلك لا يحتاجون لمرشد أو فرد عاقل حكيم يبصرهم ببعض الأشياء التي تكون عائق أمامهم؛ فالإنسان لا يمكنه أن يكون ملم بجميع الخبرات والمعارف بل يحتاج دوما لمن يسانده، ولكن علينا أيضا إيضاح شروط من يتخذه معين له في رحلته المعرفية، وبذلك نكون بيَّنا للطفل أن الكبر والغرور قد يكون حاجز منيع لاستقبال المعارف. فعلينا تنبيه الطفل دوما على مدى خطورتهم وأن عليهم إظهار الاحترام والتقدير لكل من يقدم لهم النصح والعلم.

– دور الأسرة والمدرسة

ننوه أن الأسرة والمدرسة معا عليهم دور عظيم في إعداد الطفل المفكر ، فيذكر “أ.د عبد الكريم بكار” أيضاً أن الأسرة هي التي تضع اللبنات الأولى في أساس عقلية الطفل من خلال الجو الأسري الذي توفره، والأساليب التي تستخدمها في تربية أبنائها، ومن مهام المدرسة أن تكمل دور الأسرة في هذا.

– وأخيرًا كما نؤكد دومًا أن الوعي التربوي لدى الأسرة هام جدا، فكلما كان المُربي على وعي بالأساليب التربوية وبعد الوعي جاء بالتطبيق العملي الصحيح لتلك الأساليب؛ كلما مكن الطفل من النمو في أسلم نشأة ممكنة.

المصادر:

تم الاستعانة (بتصرف) بكتاب تأسيس عقلية الطفل ل أ. د عبد الكريم بكار.

اقرأ أيضاً:

دور المدرسة في نشر ثقافة المشاركة المجتمعية

ضرورة قواعد التفكير المنطقي للعقل

يعني اية تربية؟

اظهر المزيد

خلود أشرف

طالبة بكلية العلوم جامعة القاهرة

باحثة بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة

مقالات ذات صلة