فن وأدب - مقالاتمقالات

كله رايح – متى يتفائل “عم ضياء”؟

شخصية “عم ضياء” صاحب مقولة ” كله رايح ” هي شخصية ظهرت في إحدى المسلسلات المصرية، التي تم عَرضها في شهر رمضان (2018)، و قد حظيت تلك الشخصية بشُهرة على مواقع التواصل الإجتماعي، واستحوذت على قدر كبير من الاهتمام والتأثير على عدد من متابعيها.

كله رايح

عُرف عن شخصية  “عم ضياء” اتصافها بالكآبة والنِكدية، ورمزيَتها لليأس والاحباط، كما نالت مقولات العم البائسة نصيباً من الصدى والترديد في أوساط متابعيه، خاصة جملته الشهيرة ” كله رايح ” أو ” كلو رايح” التي كان دائماً ما يَختَتِم بها عباراته التعيسة، فعلى أوتار نغمة موسيقية حزينة كان يٌطلق “عم ضياء” كلماته المتشائمة، بوجهٍ عابس ونظراتٍ كئيبة مُثقلة بهموم وآلام حياته القاسية.

كانت إحدى تلك العبارات التي قالها “عم ضياء” بِسَمْتِهِ السابق الحزين، ردّا على أحد زملائه في العمل عندما نصحه بالنظر إلى “نص الكباية المليان”، ودعوته للتفائل والأمل وترك نظرته السوداوية للحياة: “بصيت لنص الكباية المليان لقيته مليان هم وغم ونكد.. كله رايح  “.

وفي مشهد آخر يظهر “عم ضياء” بهيئته العابسة المعهودة في مكتب أحد زملائه، مبررًا دخوله لمكتب ذلك الزميل في ظل غيابه، وبغير إذنه، أن الموت يدخل على حياتنا بدون استئذان أيضًا .. كله رايح!

فأياً كان موضوع الحديث الذي ستتجاذب أطرافه مع “عم ضياء”،  فحتماً سيُباغِتُك العم برُدوده الصادمة الشبيه بالسِهام الطاعنة، التي ستنال نصيبها في نفسكِ حزنًا وحسرة وألمًا.

عرض المشكلة دون حل

يظهر لنا كذلك في ظل طيات حلقات المسلسل، التأثير السلبي لكآبة وتشاؤم “عم ضياء” على موظفي الشركة التي كان يعمل بها؛ فقد أدت مشاعر الاحباط واليأس التي كان ينشرها العم بين زملائه الموظفين إلى انخفاض مبيعات الشركة، بالإضافة إلى تأثيره الكبير على ابنه، فعلى الرغم من صِغر سنه، إلا إنه يحمل بداخله حزنًا وكآبةً كبيرة مثله مثل حال والده المتشائم.

أيضاً باءت محاولات العلاج المعروضة في المسلسل لحالة الحزن والكآبة التي كان يعاني منها “عم ضياء” بالفشل، سواء عن طريق عَرْضِه على معالج نفسي، أو بتقديم رحلة ترفيهية له لإخراجه من حزنه، وابعادِه قليلاً عن أعباء الحياة وهُمومها.

نجد أنه قد تم العرض لشخصية “عم ضياء” في إطار درامي كوميدي، من خلال بعض المشاهد في المسلسل، دون البحث بصورة جادّة عن الحل أو العلاج الذي يمكن طرحه لمثل تلك الحالة المرضية التي يعاني منها، فحالة “عم ضياء” تجسيد لأسلوب حياة تغرق في اليأس والاكتئاب.

من منا لم يصطدم بشخوص “عم ضياء” الحقيقين في واقع مجالات حياته المختلفة، الذين تتشابه معتقداتهم وسلوكياتهم لحال”عم ضياء” المعروضة سابقًا؟ هؤلاء الذين يصيبون بكلماتهم المؤلمة ونظراتهم البائسة آمالك وطموحاتك ونجاحاتك في مقتل ، لسان حالهم “مفيش فايدة”، و” مفيش حاجة مستاهلة”، و” وأنا مالي”، و”كله رايح”

في الحكم على قضايا هامة ومصيرية، تستلزم المواجهة والوقوف أمامها  فهم دائمي الشكوى من مرارة الحياة وسواد الأيام. وماذا لو كنت أنا مثال لشخصية “عم ضياء” المحبطة اليائسة تلك؟ فما العلاج  لحالة الاكتئاب والإحباط التي يعاني منها شخوص “عم ضياء”؟ وما السبيل لهزيمة اليأس والتصدي لتلك المشاعرالسلبية التي قد تصيب الفرد من حين لآخر؟

ما هو العلاج ؟

يبدأ العلاج بالمعرفة السليمة، فيدرك الإنسان ذاته، والغاية من حياته، وسُبل تحقيق تلك الغاية.

يدرك أن له جانبا ماديا جسديا له احتياجاته، من مأكل ومشرب وراحة وزواج وغيرها، و جانبا معنويا روحيا له احتياجاته من طلب للعلم، وبحث عن الحق، وفعل الخير، والتحلي بالأخلاق الحسنة وغيرها، فيسعى في حياته لينال متطلباته واحتياجاته.

يدرك أن وجوده ووجود الكون المُنَظم البديع من حوله، يدل على وجود إله خالق عادل مُبدع حكيم رحيم، يشمله دائمًا برعايته وجُوده وكرمه، وحاشاه أن يُنعم على الإنسان بنعمتي الحياة والموت بلا هدف أو جدوى.

يدرك أنه من تمام العطاء الإلهي أن منحه الإرادة وحق الاختيار، فكما يختار البائس التعيس طريق اليأس والقنوط، فهو يمتلك أيضا أن يغير دفة حياته فيختار سبيل الأمل والسعادة، وكما يختار طريق الاستسلام والهزيمة والانسحاب السهل أمام مصاعب وتحديات الحياة، يستطيع كذلك اختيار طريق الصبر والصمود والمقاومة، والتعلم من الخطأ، وتكرارالمحاولات من جديد، سعيًا لتحقيق الغاية من خلقه.

كما أن للذهاب إلى طبيب نفسي لتقديم المساعدة، أو الاستعانة ببعض الأفراد الحكيمة العاقلة، من الأهل أوالأصدقاء، وأخذ المشورة والنُصح منهم، أوالانشغال بالعمل، أثراً في تخطي بعض حالة اليأس والاحباط كذلك.

فمتى استحضر الإنسان أن لحياته غاية، ولموته غاية، وتذكر أن حياته الدنيوية الفانية، هي مزرعة لحياة أخروية خالدة، وأن موته حق، تحرى الاستعداد وحزم المتاع،

فيستزيد من العلم والمعرفة السليمة، ويجتهد في عمل الخير راجيًا إثقال الموازين يوم الحِساب، وبلوغ أعلى درجات الجِنان بإذن ربه الرحمٰن.[1]

[1] للمزيد راجع كتاب قبل الانهيار- العلاج المعرفي للأزمات النفسية والأخلاقية من إصدار مركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

 

اقرأ أيضا :

الصراعات الداخلية…ولادة عسيرة

اليأس خدعة و الأمل حياة جديدة نعيشها.. ولكن كيف؟

من “احلم معايا” لـ”داري يا قلبي”، لماذا لم يحبنا العالم؟

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

اظهر المزيد

ندى علاء منصور

عضوة بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالمنصورة

مقالات ذات صلة