مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

كابتن سولي والولد الصغير – أزمة المعيار في عالمنا اليوم

في الفيلم الأمريكي «سولي» وعلى مدار ساعة ونصف يستمتع المشاهد برؤية أحداث تروي قصة حقيقية عن أحد الرحلات الجوية على الخطوط الأمريكية والتي أقلعت في يناير 2009 بقيادة كابتن -تشيزلي سولنبيرجر- الشهير بـ « سولي » والذي اضطر إلى الهبوط بعد وقت قصير جدا من الإقلاع بسبب ضربة طير أدت إلى تدمير محركات الطائرة مما اضطره إلى الهبوط على سطح نهر هدسون منقذا كل من كان في الطائرة من ركاب وطاقم العمل، الأمر الذي يعد أشبه بالمعجزة، حيث لم يحدث من قبل مثل هذا الهبوط الاضطراري على نهر مع نجاة أي إنسان!

سولي مقصر أم بطل ؟

وبالرغم من نجاحه في إنقاذ الطائرة ومن عليها إلا أنه تم توجيه الاتهام إليه بالتقصير وتعريض حياة الركاب لخطر شديد، وكانت التهمة الموجهة إليه أنه كان يستطيع الرجوع للمطار أو الهبوط في مطار آخر قريب بدلا من الهبوط على النهر، ويتم تقديمة للمحاكمة بالفعل، والتي تنتهي بتبرئته من التهم الموجهة إليه.

تعددت التعليقات التي سمعتها ممن شاهدوا الفيلم، ما بين الانبهار بالدقة والاهتمام بحياة الإنسان في المجتمع الغربي، وكيف أنه على الرغم من أن الرجل قد أنقذ حياة الجميع إلا أن المسئولين اعتبروه مقصرا، ما هذا! لهذه الدرجة الإنسان وحياته على هذا القدر من الأهمية في هذه المجتمعات! بينما الإنسان في مجتمعاتنا لا قيمة له؟ وبين من يعلق بسخرية شديدة قائلا «زي عندنا بالضبط» وبين الحسرة والسخرية، أصابني الحزن الشديد والإحساس بالتناقض العجيب!

يوم عادي ومدمر!

قنبلة الولد الصغير

6 أغسطس 1945، يوم قد يبدو عاديا على كثير ممن عاشوه في الماضي، إلا أنه بالنسبة لسكان هذه المدينة كان يومًا كارثيًا، ففي حين استيقظ الكولينيل بول تيبيتس من نومه وهو يستعد لإتمام مهتمه معتقدا أنه يخدم بها بلاده والبشرية جمعاء، كانت هذه المدينة وسكانها على وشك التدمير التام والانهيار، وبضغطة زر من الكولينيل بول تيبيتس تم إلقاء القنبلة الذرية المسماه ب «الولد الصغير» على مدينة هيروشيما اليابانية لتقتل مئات الآلاف وتصيب مئات الآلاف الأخرى، وتتسبب بالأمراض الخطيرة لمن بقي حيا والتي تستمر لأجيال وأجيال بعد ذلك،

وبعد ذلك اليوم بثلاث أيام تم إلقاء قنبلة «الرجل البدين» على مدينة نجازاكي والتي أدت أيضا إلى تدمير المدينة وقتل وإصابة مئات الآلاف من المدنيين وتوريث الأمراض لمن بقوا أحياء ولذرياتهم لمدة عقود عديدة قادمة.

وجهان لعملة واحدة

وبالنظر السطحي لكل من الكولينيل بول تيبيتس وللكابتن سولي نجد أن كليهما قد قام بمهمته على أكمل وجه من وجهة نظره، فالكابتن سولي حينما عرَّض نفسه ومن معه على الطائرة لهذه المخاطرة كان يفعل ما يراه صحيحا ليحافظ على حياتهم وهو بذلك يقوم بواجبه تجاه مهنته وبلده ونفسه، والكولينيل بول تيبيتس حينما قام بضغطة زر أدت إلى قتل مئات الآلاف من الأبرياء كان أيضا يقوم بواجبه تجاه مهنته وبلده ونفسه، فهل فعلا قام كل منهما بعمله على الوجه الصحيح؟ ويا ترى ما هو الوجه الصحيح، ما هو المعيار الذي يحرك الإنسان في تفكيره وأفعاله، وكيف يمكن استيعاب هذا التناقض الهائل بين المشهدين؟!

الحقيقة في الأمر إذا نظرنا إليه من وجهة النظر النفعية (البراجماتية) وهي الفلسفة الحاكمة لكثير من المجتمعات وعلى رأسها المجتع الغربي سوف نجد أن الكابتن سولي والكولينيل بول تيبيتس هما وجهان لعملة واحدة تحت ظل هذه الثقافة المادية، فالأمر ببساطة هو نسبي يختلف من شخص لآخر، فأنت تسطيع أن ترى الكابتن سولي إنسانًا مقصرًا وليس بطلا في حين أنك تستطيع أن تعتبر الكولينيل بول تيبيتس بطلا استطاع أن ينفذ مهمته بشجاعة ويخلص العالم من الحرب التي دامت أعوامًا منقذا البشرية من استمرار ويلاتها،

وببساطة أيضا تستطيع أن ترى عكس ذلك، فالأمر يمكن أن يُرى بأكثر من زواية فليس هناك معيار ثابت للحكم على المواقف أو الأشخاص أو الأفعال! هذه ببساطة هي الفلسفة النفعية التي لا تعترف إلا بالنسبي كمطلق واحد، وبالمصلحة كتعريف أوحد للخير والسعادة.

المعيار

وبنظرة أخرى مختلفة لكل من الكابتن سولي والكولينيل بول تيبيتس وفقا للفلسفة الإلهية التي تضع العدل والحق معيارًا ثابتًا ومطلقًا للفهم والحكم، نجد أن الفارق كبير بينهما؛ فأحدهما أنقذ حياة الركاب في موقف شديد الصعوبة والخطورة مستخدما كل ما أوتي من علم وخبرة وحكمة، والآخر قتل مئات الآلاف من البشر بضغطة زر واحدة، وبدون هذا المعيار الثابت قد يتساوى الرجلان أو حتى يُفضَّل من تسبب بالقتل على من تسبب في استمرار الحياة،

بدون المعيار الثابت يتساوى المعتدي المغتصب للأرض مع الذي يدافع عن أرضه وشرفه وأهله، يتساوى القبيح مع الحسن، ويتكلم الباطل بلسان الحق، ويتخبط الناس بين هذا وذاك يطالبون بحقوقهم اليوم ويهدرون حقوق غيرهم غدا، يسألون أين العدل في حين أنهم يظلمون أنفسهم ومن حولهم بسهول وأريحية، بدون المعيار الثابت تتقابل وتجتمع المتناقضات ويصبح كل شيء في الحياة مجرد وجهة نظر!

اقرا أيضاً:

صراع القيم

الرصاصة الأشد فتكاً

تأمل في مسلسل ذئاب الجبل

اظهر المزيد

منى الشيخ

مطور برامج

باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالاسكندرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى