فن وأدب - مقالاتمقالات

في سبع سنين (الجزء الثالث) – نظام الكون والعناية بالإنسان

تأملنا في المقالين السابقين في النظام الموجود في الكون بشكل عام، ونتأمل في هذا المقال في إحدى حالات وغايات النظام الخاصة وهي العناية.

العناية في الكون:

من البراهين على وجود المسبب الأول وصفاته هو برهان يسمى ببرهان العناية، وهو برهان يتأمل في النظام الموجود في الكون فيجد أن هناك عناية بالإنسان وبباقي الكائنات في هذا النظام، فيستدل من هذا على أن منظم الكون معتنٍ بالإنسان.

يقول البرهان: الكون به عناية، العناية تحتاج لمعتن عالم قادر مريد حي، إذن هذا المعتني موجود.

العناية في الجسد:

والمقدمة الأولى القائلة بوجود العناية في الكون يمكن ملاحظتها على عدة مستويات، فالإنسان البسيط يرى أعضاء جسده مصممة لجلب المنافع الضرورية له، فلديه حواس تعينه على معرفة العالم، وذاكرة تعينه على تذكر ما يعرفه، وخيال يعينه على الإبداع، وعقل يجيد التدبير والتفكير، وضمير يميل للخير وينفر من الشر، مما يمكنه من تدبير حياته ومعرفة النافع والضار.

كما لديه شهوات ورغبات تدفعه لطلب ما ينفعه، ولديه غضب وحمية يدفعان عنه ما يضره، ولديه أعضاء تجلب له الغذاء وتحسن الاستفادة منه فتستخلص منه النفع وتحفظ حياته، ولديه نمو يجدد جسده ويطوره، وجسده يقاوم الأمراض والآفات،

ولديه القدرة على الإنجاب وتوليد أفراد جدد يحفظون النوع، ولديه عضلات تعينه على جلب النفع ودفع الضار، ولسان يعينه على التواصل مع غيره، ويدان تساعدانه على العمل، وأرجل تعينه على التنقل من مكان لمكان لجلب ما ينفعه والهروب مما يضره.

العناية بالجنين والوليد:

كما يرى الطفل في بطن أمه محفوظ من المخاطر والأضرار، وتُجلب له المنافع دون جهد منه، وعندما يولد يُبث اللبن في ثدي أمه مباشرة للعناية به، وعندما تبدأ احتياجات جسده تزداد ولا يكفيها اللبن تنبت له الأسنان ليتناول الطعام.

العناية في الأرض:

ويرى النباتات والحيوانات موجودة في العالم من حوله بها ما يحتاج للمأكل والملبس والمسكن، وما يحتاج لحفظ صحته والتداوي من الأمراض.

ويرى دورة الليل والنهار متماشية مع احتياجات الإنسان للراحة والنوم والعمل والسعي، ويرى دورة الفصول متماشية مع احتياجاته من المحاصيل، كما يرى الأرض ممهدة لحياة البشر، والمناخ ملائم لهم، ويرى المطر ينزل ليلبي احتياجات الإنسان من الشرب بل ومن الأكل بتنمية النباتات،

ويرى النجوم أماكنها ثابتة فتعينه على تحديد الاتجاهات، ويرى قوانين الطبيعة تعينه على ركوب البحر رغم ما به من أهوال، وتعينه على الطيران فوق الريح مع ما فيه من صعوبات، كأن نظام الطبيعة مصمم للعناية به.

العناية في الاجتماع:

ويرى أن رغبات الإنسان في الاجتماع تقابلها رغبات مكملة لها تماما عند غيره من البشر، سواء في المجتمع بشكل عام أو في الأسرة كمجتمع خاص، فالمرأة مثلا تبحث عن طرف قوي يمدها بالإحساس بالأمان فتجد الرجل يبحث عن شخص ليمنحه الأمان، والرجل يبحث عن الرقة والحنان فيجد المرأة تسعد بأن تقدم له هذه الصفات،

والطفل يبحث عمن يمده باحتياجاته الجسدية والمعنوية فيجد أبا وأما في قلبيهما تتقد مشاعر الأبوة والأمومة فيتسابقان ليقدما له ما يحتاج، بل هما لا يشعران بالسعادة إلا بتقديم هذه المنح له، وهكذا، فنفوسهم متوافقة مع بعضها بشكل يدعو للتأمل!

العناية في الطب:

وعلى المستوى العلمي التجريبي يكتشف العلماء كل يوم الكثير من آثار هذه العناية، فعلم الطب بأكمله عبارة عن اكتشافات بديعة لكيفية ترتيب الأعضاء وتصميمها لتحقيق النفع التام للإنسان ودفع الضرر عنه،

فمثلا يعمل الجهاز التنفسي بشكل بديع لنقل الأوكسجين للدم، ثم تعمل الدورة الدموية بشكل متوازن وعجيب لنقله لكافة أعضاء الجسم، وتشبع الدم بالأوكسجين وضغط الدم ومعدل ضربات القلب مناسبين تماما للقيام بهذه العملية لحمل النفع للأنسجة.

كما تحمل الدورة الدموية ثاني أكسيد الكربون من الأعضاء للرئتين، بينما تتخلص الرئتين منه لخارج الجسم، وهذا الأوكسجين ضروري لكل عمليات الاحتراق وإنتاج الطاقة في الجسم، مما يمكن الجسم من القيام بكافة وظائفه الحيوية الاختيارية وغير الاختيارية.

وبالمثل تعمل أجهزة المناعة بشكل مذهل لدفع الأمراض، وتعمل أجهزة الهضم والامتصاص والدورة الدموية أيضا لإمداد الجسم بما يعوض به ما يفقده من عناصر، وهكذا.

كما يعرف الأطباء أن لبن الأم مكوناته متلائمة تماما مع احتياجات الطفل، بل إنه يختلف بنمو عمر الطفل وبتغير حالته منص صحة ومرض، وباختلاف احتياجاته ونموه، بشكل معجز!

العناية في العلوم الطبيعية:

ويعرف الكيميائيون أن تركيب الغلاف الجوي لو اختلف قليلا لاختنق الإنسان، ويعرف الفيزيائيون أن ثابت الجاذبية لو تغير بمقدار ضئيل جدا جدا جدا لما قامت الحياة إطلاقا واستحال وجود الإنسان، ويعرف علماء الفلك أن وجود كوكب به من الضغط والحرارة ما يلائم الإنسان تماما بل وحتى وجود أرض ممهدة له ليست شديدة الوعورة أو السيولة أو الغازية وغيرها من الصفات الموجودة في الأرض هو أمر في غاية الندرة.

العناية فلسفيًا:

وعلى المستوى الفلسفي فإن الفلاسفة يهتمون بفهم المعاني جيدا قبل الحكم عليها، فالعناية بالشيء هي أن توفر له أسباب كماله، فمن يعتني بالنباتات يوفر لها أسباب كمالها فيزيل الحشائش الضارة ويرويها بالماء، وهكذا، وعند التأمل في التفاصيل السابقة نجد أن هذا المعنى يتحقق فعلا مع الإنسان في العالم المادي، إذ تتوفر له أسباب كماله كما سبق، فالكون المادي متوافق مع وجود الإنسان وبقائه وكماله.

وإذا كان النظام هو جعل الكثرة واحدا كما سبق، كأن توجد الكثرة في مكان واحد أو زمان واحد أو وضع واحد أو غاية واحدة، فإن العناية في النظام هي أن تكون غايته واحدة وهي توفير أسباب الكمال للمعتنى به، وهذا ما يتوفر في الأمثلة السابقة كلها، إذ تصبح كثرة الأعضاء تعمل لغاية واحدة وهي العناية، وكثرة الظروف الكيميائية التي تشكل الغلاف الجوي منظمة لغاية واحدة وهي حفظ الحياة على الأرض، وهكذا.

وعند نظرهم بصورة عامة لوجود الإنسان وعلاقته بالوجود المادي؛ فهم يعرفون أن الحياة العاقلة التي يتميز بها الإنسان أكمل من غيرها من الحيوات وأرقى بالتأكيد من الجمادات، وأن وجود الإنسان العاقل المفكر المختار يتطلب وجود العالم المادي، لأنه لا معنى للاختيار الجزئي ولا وجود للتفكير دون وجود العالم المادي وما به من تغير وحركة،

ووجود الإمكانيات العقلية هذه لديه يتطلب وجود جسد معقد، ووجود الجسد المعقد يحتاج غذاء معقد ليمده بما يحتاج من مواد غذائية ملائمة له، ويحتاج بيئة معقدة تلائمه، فلا بد من توفر هذا كله لأجل وجود الإنسان، ولذلك توجد النباتات والحيوانات والبيئة المعقدة.

العناية على المستوى العقلي:

وعند النظر بصورة تتجاوز العالم المادي فإنهم يلاحظون أن الإنسان لديه عناية أيضًا في العالم العقلي، إذ إن لديه القدرة على الفهم والحكم، ولديه القدرة على معرفة الصواب والحق وتمييزه عن الباطل والخطأ، ولديه القدرة على الوصول لليقين وتمييزه عن الظن، ولديه القدرة على الاستدلال والتفكير واكتساب معلومات مجهولة وبعيدة باستخدام الحقائق الموجودة لديه،

كما تم تزويده بمدركات بديهية مثل “استحالة اجتماع النقيضين” و”لكل معلول علة” و”الكل أعظم من الجزء”، وهذه القواعد مع بداهتها العقلية تعتبر هي القواعد الأساسية للوجود والعالم من حولنا، والبوابة للوصول لأي معرفة حقيقية وأي يقين صحيح.

العناية بالكائنات الأخرى:

أخيرًا فإن هذه العناية لا تقتصر على الإنسان فحسب، بل هناك عناية بباقي الكائنات أيضا في العالم، فالحيوانات والنباتات أيضا تلائمهما بيئة الأرض وغلافها الجوي وحركة الشمس وهكذا، بل حتى الجمادات إذا ما اختلت قوانين العالم المادي لن يصبح لها وجود كما في مثال ثابت الجاذبية سابق الذكر، فالعناية تشمل جميع الكائنات، لكن الكائنات الأخرى في العالم المادي هي نفسها جزء من العناية بالإنسان كما اتضح.

هل تدل هذه العناية على وجود معتني؟

إن كثرة هذه الشواهد يجعل كونها صدفة مستحيلا، فالصدفة لا توجد دائما أو في أكثر الأحيان، بل وجودها نادر، فدلالة هذه التأملات على وجود معتنٍ دلالة واضحة، وإذا أضفنا لها ما سبق تناوله في المقدمة الثانية في برهان النظام تصبح واضحة وقطعية.

ويمكن ان نتأمل في هذا السؤال أكثر في مقال آخر يبحث عن: “هل وجود العناية يدل على وجود المعتني”؟

اقرأ أيضا:

في سبع سنين (الجزء الأول)، الإلحاد في ميزان العقل

في سبع سنين (الجزء الثاني)، النظام والوحدانية

الحق سينتصر رغم انتشار الباطل – وسنن التاريخ لا تدعو لليأس

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد عزت هلال

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق