فن وأدب - مقالاتمقالات

“المستعصية” عندما يكون الاختلاف مبررًا للقتل – عن أهم الأفكار التي توجد في الفيلم

فيلم المستعصية هو فيلم خيال علمي ، أحداثه مأخوذة عن رواية  (Divergent) تحمل نفس الاسم، من تأليف فيرونيكا روث، والفيلم من إخراج نيل بيرغر، وقد تحولت الرواية إلى سلسلة من الأفلام، و” المستعصية ” هو أول جزء منه.

تدور أحداث فيلم المستعصية حول فكرة أن العالم عانى من الدمار ولم يتبقَّ غير مدينة واحدة به، وهذه المدينة ينقسم فيه الناس إلى خمس فئات وهم: فئة الشجعان الذين يحمون المدينة ويدافعون عنها، ولهم قلوب تحب المغامرة، وفئة الأذكياء وهؤلاء هم الذين ينشغلون بالعلم والأبحاث والاخترعات ويتم اعتبارهم الأكثر ثقافة وعلمًا في المدينة،

وفئة الطيبين وهؤلاء هم الذين يحبون الحياة ويكنون المحبة لغيرهم ويعملون بالزراعة، وفئة الحكماء الصادقين وهؤلاء يتولون أمر القضاء والتحكيم بين الناس لأنهم نادرًا ما يكذبون، وفئة الزاهدين وهؤلاء هم المتفانون الذين يسعون لمحبة غيرهم ومساعدتهم، ويحاولون أن يتغلبوا على محبة أنفسهم وعلى الغرور.

وتنتمي عائلة بطلة فيلم المستعصية “تريس” لهذه الفئة الأخيرة، وتعتبر هذه الفئة الوحيدة التي تتعامل بلطف ومحبة مع الأفراد الذين لم يجدوا فئة لهم (اللا منتمون)، وأغلب أهل المدينة ينتمون إلى فئة معينة غير أن بطلة الفيلم “تريس” تشعر أنها لا تنتمي لمجتمعها، لتجد في اختبارها الذي سيحدد ما هي الفئة التي تنتمي لها أنها من النوع المستعصي،

وذلك النوع قد ينتمي إلى فئة الشجعان أو الأذكياء أو المتفانين أو الطيبين أو الصادقين، فهي تنتمي لجميع الفئات لأن لديها جميع المهارات التي تؤهلها لذلك، إلا أنها بذلك تُمثل خطرًا على النظام الفئوي في المدينة لأنها بذلك تجعل نظام المدينة معرضًا للسقوط لأنها تنافيه، ثم تدور باقي أحداث فيلم المستعصية حول هذه الفكرة.
وفي هذا المقال نحاول أن نناقش أهم الأفكار التي توجد في الفيلم، والتي قد تتعرض لبعض أحداث الفيلم.

الفكرة الأولى: الاغتراب النفسي، اللا نتماء

ليس أقسى على الإنسان من شعور أنه لا ينتمي، وأن الجميع ممن حوله قد وجدوا انتماءاتهم وما يؤمنون به ويعيشون من أجله، ما عداه! وهذا ما حدث مع “تريس” عندما شعرت بأن جميع المحيطين بها وحتى عائلتها وأخوها، قد وجدوا ما ينتمون له وعرفوه منذ مولدهم، لكنها لم تجده ولا تشعر بالتأقلم مع ما تعايشه.

هذا الشعور الذي يجعل الإنسان يشعر أنه لا ينتمي للمجتمع الذي يعيش فيه، ولا حتى للأقارب والأصدقاء والعائلة والأقربين يسمى بـ “الاغتراب النفسي”، وينتج عنه مشاعر وحدة ووحشة مفرطة يشعر بها الشخص، حتى وإن كان يحاوطه الكثير من البشر في كل مكان، فالأزمة هنا ليست في الالتقاء المادي بل أنها تكمن في التقاء الأفكار والمشاعر والآراء والاتجاهات،

فهنا المرء يكون غريبًا بأفكاره ومشاعره عن مجتمعه، وقد يتصرف الأشخاص مع مشاعر ذلك الاغتراب إما بالانسحاب لداخل أنفسهم ونسج عالم خيالي يوافقهم، وإما بمواجهة ذلك الاغتراب بعرض ما بداخلهم للعالم الخارجي ومحاولة شرحه والدفاع عنه، وهذا ما تفعله “تريس” عندما تقرر مواجهة عالم مدينتها، والتكملة في النظام الفئوي إلى أن تستطيع إثبات ما هي عليه، من أنه لا يجب نبذ أولئك الذين لا ينتمون مثلها.

الفكرة الثانية: “التصنيف” أتنتمي إلينا أم تريد الموت؟

منذ قدم الزمان، يميل الإنسان بطبعه إلى تصنيف أو تقسيم الآخرين، ووضعهم في قوالب تشابه صفاتهم التي رآها وعرفها، والتصنيف قد يكون أمرًا عاديًّا في بعض الأحيان، بل قد يكون جيدًا، خاصة عندما يكون الغرض منه تفهم أن البشر يختلفون في قدراتهم ومواهبهم وأفكارهم وطريقتهم للتعاطي مع الحياة والآخرين،

فقد نجد بين الأشخاص ما يُعرف بـ “الفروق الفردية” فقد يكون هناك شخص يتمتع بذكاء اجتماعي، وآخر يتمتع بذكاء علمي، وآخر بذكاء عاطفي، وآخر بذكاء فلسفي، فهذه طبيعة البشر يختلفون في صفاتهم ودرجاتها، وكذلك يختلفون في أنماطهم، ويجب مراعاة ذلك في التعامل فيما بينهم، ويجب أن يسعى كل منهم في محاولته للتعايش مع الآخرين وأن يجد المشتركات بينه وبين الآخرين؛

حتى يعرف كيف يتعامل معهم، وما هي الطريقة التي تناسبهم، وتتلاءم مع طبيعتهم، فهنا نجد أن التصنيف لا بأس به لأنه لم يؤدِّ إلى نبذ أو تهميش الآخر.
وهنا نأتي لسؤالنا الأهم: متى يصبح التصنيف أمرًا سيئًا؟

يصبح التصنيف شيئًا يؤدي للإيذاء، عندما يكون الغرض منه نبذ من لا ينتمون للتصنيف الذي قرره أحدهم، وهذا نجده في الفيلم عندما تنبذ معظم الفئات الأشخاص اللا فئويين الذين لا ينتمون، وكذلك نجده عندما تحاول فئة الأذكياء أن تسيطر وتتسلط على باقي الفئات وتفرض عليهم وتملي عليهم أن يخضعوا لها وأن يكونوا مثلها أو أن يكون مصيرهم القتل!

وهذا هي أسوء صورة للتصنيف وهي “التعصب”، وتتضمن تلك الصورة وضع جميع من يتشابه معك في فئة الأشخاص الذين يستحقون الحياة، أما أولئك الذين لا يتشابهون معك فهم يستحقون الموت! ويصبح هنا مجرد الاختلاف هو مبرر لك لِقتل الآخر!

الفكرة الثالثة: كيف يدعم الآباء أبناءهم

إن معاملة الآباء للأبناء هو ما يُشكل شكل الحياة الأولى عند الشخص، فالأسرة هي العالم الأول الذي يختلط به الإنسان، وربما نجد الآباء ينتمون إلى إحدى نوعين فيما يخص أبناءهم، فقد نجد أولئك الآباء الذين يحبون أبناءهم جدًا إلى درجة أنهم لا يستطيعون أن يتركوهم لمواجهة الحياة واختياراتها بمفردهم، فنجد أنهم -بقصد أو من دون قصد- يمارسون نوعًا من التسلط والسيطرة عليهم، يجعل الأبناء لا يستطيعون مواجهة الحياة من دون آبائهم.

ونجد نوعًا آخر يترك لأبنائه كل الحرية، ولكن هذه الحرية مع زيادتها، قد تصل إلى حد إهمالهم وعدم معرفة ما يعانون منه وما يواجهونه، وبالتالي عدم القدرة على دعمهم بالطريقة المناسبة، وهذان النوعان من التربية يمثلان ثنائية خاطئة، والأجدر أن تكون طريقة التربية شيئًا بين الاثنين،

فنعطي لأبنائنا حرية أن يختاروا، وفي نفس الوقت نكون حاضرين معهم لتقويمهم ودعمهم إن تطلب الأمر، وهذا ما نجده واضحًا في الفيلم.

فعندما تقرر بطلة الفيلم اختيار فئة غير التي كانت ينتمي لها والدها ووالدتها، فإنهم يتركون لها حرية الاختيار بل ويدعمونها، ولا يحاولون الضغط عليها، ومع ذلك فعندما تتعرض ابنتهم للخطر، يظهرون بقوة لحمايتها ومساندتها لدرجة أن أمها تفديها بحياتها، فهذه صورة منصفة لكيفية حماية الآباء لأبنائهم من دون أن يتسلطوا عليهم، ومن دون أيضًا أن يتركوهم للحياة دون دعم أو تقويم.

وهكذا أكون قد تناولت أبرز الأفكار التي روادتني عندما شاهدت الفيلم، وقد تكون بين ثنايا الفيلم مشاهد وأفكار أخرى لم يسعها المقال.

اقرأ أيضاً:

مناقشة فيلم الدائرة

الفيلم الوثائقي: الحد الادنى

تأملات في فيلم الذهب الأسود

اظهر المزيد

دعاء رجب

عضوة بمركز بالعقل نبدأ القاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى