مقالات

فيلسوف التشائم متفائلاً _ لمحة من حياة شوبنهاور

الفيلسوف الصغير (1)

كان يعيش الطفل الصغير شوبنهاور مع أمه، وكانت الأم أديبة مشهورة، وفي يوم من الأيام أخبرها أحد العرافين بأن ابنها سوف يكون له شهرة كبيرة ومكانة عالية. كان ينبغي للأم أن تفرح بابنها، لكن لم يحدث هذا، فقد خشيت الأم على شهرتها، ورأت أنه لاتوجد شهرتان في أسرة واحدة.

كانت دائمة الغيرة من ابنها، إلى أن حدثت تلك الواقعة التي لا تقبلها غريزة الأمومة، لقد حاولت الأم التخلص من ذلك الفتى الصغير الذي لم يتجاوز العشر سنوات، فقد قذفته من أعلى السلم في ذلك البيت الذي غاب عنه حنان الأم، لكن هذا الطفل الصغير قال تلك الكلمة التي تؤكد على أنه سوف يصبح ذا مكانة وشهرة، قال لأمه مهما فعلت فلن يذكرك التاريخ إلا أنك كنت أم شوبنهاور.

هذا هو الفيلسوف الألماني شوبنهاور الذي فقد الحب والحنان من أمه.

فلما كبر كان كرهه للمرأة لايوصف، و صفها بأبشع الصفات، ونفى عنها أي إبداع يمكن أن تحققه في حياتها. وخرج من عباءة هذا الفيلسوف كل من وصف بعدو المرأة، من يفقد حب أمه ماذا ينتظر منه تجاه كل النساء؟ لست هنا مدافعا عنه لكني ألتمس له الأعذار فيما قاله وذهب إليه.

فيا كل أم لا تحرمي ابنك من الحب والحنان، فمن يحرم الحب في بيته ماذا يقدم للمجتمع سوى الكره والحقد؟

الفيلسوف الصغير (2)

بعد تناول موقف شوبنهاور مع أمه وهو صغير ابن عشر سنوات، وكيف كانت لديه الثقة بنفسه حينما قال لأمه مهما فعلت فلن يذكرك التاريخ إلا أنك كنت أم شوبنهاور، فهو كغيره من أبناء الشعب الألماني الذي لديه روح التعالي، والاعتداد بالنفس. أعرض موقفا يظهر تلك الروح، لقد كتب شوبنهاور كتابه (العالم إرادة وفكرة)، ودون الخوض في أمور فلسفية لاتهم إلا دارسي الفلسفة، فإن فكرة الكتاب تدور حول أن الإرادة هي التي توجه أفكارنا وليس العكس.

وبهذه الفكرة خالف شوبنهاور الفكر الأوربي في تلك المرحلة، فكان يرى على سبيل المثال أن إرادة الحياة تخلق لنا الأفكار التي بها نحقق تلك الحياة، ونستمر في الحفاظ عليها، لكن هذا الكتاب فور ظهوره لم يقبله الفكر الأوربي، وانتقد كثيرا، واستخدمت أوراقه في لف البضائع، وهنا تظهر روح شوبنهاور التي لا تعترف بالفشل ولم ييأس، بل ظل صامدا أمام تلك الهجمة الشرسة على كتابه وقال كلمته المشهورة “إن كتابي هذا كالمرآة إذا نظر فيه حمار فهل يرى فيه ملاكا؟”

وقال أيضا “إذا تلاقى عقل وكتاب وصدر منهما صوت أجوف فهل بالضرورة أن يكون صوت الكتاب؟”.

وهنا يعلمنا شوبنهاور درسا هاما أننا إذا وجدنا من يفهم كلامنا خطأ، ليس معنى ذلك أننا على خطأ، فنحن في حياتنا كم نقابل من الحمير التي لا تفهم، فلا نكترث  بتلك الحمير، كما فعل هذا الفيلسوف الألماني، حتى أصبح كتابه من أهم الكتب في الفلسفة الأوربية، ترى لو استسلم شوبنهاور  للنقد ولم يستمر في إيمانه بما يقول، هل كان سيصبح من أهم فلاسفة الفكر الأوربي؟

من هنا أؤكد  أن الحمار إذا نظر إلى المرآة فلن يرى سوى حمارا. فثق بنفسك ولا تستمع للحمير.

هنا يبدو جليا مدى الثقة والتفائل اللذين امتلكا كيان شوبنهاور وهو الذي دعا في كتاباته دائما إلى التشاؤم.

وسنستعرض في مقال لاحق بعضا من فلسفاته التي أثرت في الكثير ونرصد الخلل فيها ومدى تأثير الحياة الشخصية والنفسية لشوبنهاور على مضمون كتاباته.

اقرأ أيضا:

تحنان إلى الأمومة

كيف تدفع حزنك؟

التنمر السلوك الذي يعبر عن شخصية صاحبه

الوسوم
اظهر المزيد

د. علاء والي

عضو هيئة تدريس بآداب سوهاج، قسم الفلسفة فكر عربي حديث ومعاصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق