إصداراتمقالات

فلسفة اللاشىء

الشئ هو الماهية، وهى ما يعرفها الحكماء بأنها هى ما به الشئ هوهو، أى أن يكون هو تصوره في الذهن هو تصوره في الواقع، أما اللاشئ فهو العدم، أو اللاشيئية واللاماهية واللاوجود، أى أن بإقرانه بالـ (لا) نفينا عنه الشيئية والوجود، إذن فاللاشئ لا وجود له، فلا يمكن الحكي عن العدم وإنما نحكى عن نقيضه وهو الوجود، فكأن بنا نحكي عن الموت الذي هو اللاحياة أو عدمية الحياة، وهذه المقدمة ضرورية للغاية في الكلام عن فلسفة اللاشئ، ولا نرمي هنا باللاشئ إلى العدم، بل إن ما نحكى عنه هو حالة الإيمان الساذج باللاشئ.

ولإيضاح ما سبق ننظر إلى الفكرة القائلة بأن (لا شئ مطلق)، فكما هو واضح بعودة الـ (لا) على الشئ يصبح نفي وجود المطلقات جليًا، وهي فكرة طفولية تناسب العقول التائهة التي لا تبحث عن مخرج من تيهها هذا، مستمتعة به راضية قانعة بما يفتحه لها من قناعة توافق هوى النفس دون غيره من قيم وأسس، فبالنظر إلى هذا التصريح مبدئيًا تجد صاحبه يصرح بأن (الشئ نسبي)، فكيف به يكون نسبى وقد رأيت فيه أنه شئ، فهو شئ بالمطلق وإلا أصبح (الشئ نسبي) و (لا شئ نسبي) على حد سواء، هذا طبعًا دون النظر إلى ذلك التصريح بأن (لا شئ مطلق) هو فى حد ذاته حكم مطلق، قصر صاحبه الإطلاق عليه لما فيه من موافقة الهوى، محتكرًا الحقيقة المطلقة الوحيدة بأن لا شئ مطلق، فيالتهافت مسعاه ويالسذاجة معتقده بألا يعتقد في شئ.

بل إن بالنظر إلى مبررات ذلك الحكم نجد من يراه حكمًا صحيحًا إنطلاقًا من اختلاف الأفكار وتهافتها، وهو فى هذا يغرق نفسه أكثر في بحر من العبثية، حيث يصرح دون إدراك بأن الحق هو (ما اتفق عليه الناس)، وهو هنا لا يقع في دائرة حق الأغلبية بل هو حق الكلية أي أن يرى الكل رأيًا واحدًا، فإن غاب اتفاق الناس غاب الحق وتاه، مستقيًا حكمه من غيره، جاعلًا عقله تابعًا لعقول أخرى، مؤلهًا لآراء الجميع فيرى فيها جميعًا عين الصواب، أو ربما لا أعرف ماذا يرى فيها حيث أصبح الصواب والخطأ لديه سواء بسواء، فتجد صاحبنا هذا يقف من اختلاف الأفكار وتناقضها موقف المشاهد المؤمن بأن لا حقيقة في كل هذا، وليته يرمى بهذا إلى أن كل ما يراه باطل، بل إن في نسبية الحق لديه نسبية الباطل، فيتخلى عن دوره كمحلل ناقد ويدفع عن عقله توقه للبحث عن الحقيقة، مكتفيًا بالحكم بأن اختلاف النتائج تعني بألا نتيجة هناك، وكأنه طالب خرج من اختبار ما ليجد اختلافًا بين أقرانه فى الإجابة ليقرر أن لا إجابة هناك وإنما هي تتبع هوى كل منهم.

خلاصة الأمر أن كل ما سبق بالتأكيد ليس موجه إلى هذا الرافض للحق والمعاند للحقيقة الساطعة، فكيف تخاطب من سيرى كلامك نسبي، فلا هو يراه باطل يمكن رده ولا حقًا يمكن الإيمان به، لذا كان التطرق إلى ما أنتجته تلك الرؤية من مسالك عملية، فكيف لصاحب تلك الرؤية النسبية أن يثور لرؤياه، وكيف به يجتهد لاقناع غيره بحقيقتها، بل كيف به يسعى في الحياة بما لا يمكن التيقن من صحته، إن كان يرنو إلى التجربة الشخصية يعول عليها أن تصل به إلى الصواب، فكيف إن كان كافرًا بوجود الصواب، فإلى أى شئ يعتقد أن يصل في النهاية، لنصل في النهاية إلى تلك الحقيقة الظاهرة الجلية أن ما تعرضه تلك الرؤية لا يتعدى كونه سراب، يتبدى مع أول محاولة جادة لإقناعك (بالمطلق) بأن الحقيقة نسبية، فتكون تلك الرؤية والفلسفة تدور حول ألا تؤمن إلا بهواك، بل ليتها حتى كذلك بل إنها السعى لأن تؤمن باللاشئ.

اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق