مقالات

فكرة الشخصنة .. ضياع للحكمة

إن الشخصنة داء متأصل فينا، أسبابه عديدة، معقدة، متداخلة، وكثيرا ما نحاول إلباس هذه الشخصنة ثوب الموضوعية والحياد، وهي حيلة نهرب من خلالها إلى عدم قبولنا للفكرة الصحيحة في حال العداوة، وبالمقابل الترحيب بالفكرة الخاطئة وأحيانا قبولها إذا جاءت ممن نحب، دون بحث عن الدليل والبرهان لهذه الفكرة، فالشخص القائل لها هو دليلها في حال كونها صحيحة أو خاطئة.

شخصنة الفكرة يعني:

تحويلها من فكرة مجردة إلى فكرة مجسدة تتمحور في شخص معين، سواء سلبا أو إيجابا. وكذلك: ربطها بأمور شخصية خارجة عن موضوعها ومنهجيتها وأصولها وأدلتها، كالعواطف الإنسانية والمصالح الدنيوية والرؤى المذهبية.

و”شخصنة الفكرة” كما يقول حازم ماهر ليست مرتبطة بحضارة أو بأمة دون أخرى، بل يعاني منها الناس في العالم أجمع ولكن بنسب متفاوتة، فالغرب –على سبيل المثال– يجعل من نفسه محور الكون ومركزه، وأن الحكمة متجسدة في الرجل الأبيض وحده، وأن أفكاره معيارية بالنسبة لما ينتجه العالم كله من أفكار، بل إن الآخر نفسه لا يعتبر موجودا إلا إذا (اكتشفه) الغربيون! في عملية تحيز وتمركز حول الذات الغربية لا تخفى على ذي لب.

و الشخصنة تعوق إثراء الفكرة في جو طبيعي تتلاقح فيه الأفكار وتتبادل فيه الآراء، كما تحجب عنها الاجتهاد الموضوعي الذي يركز على المحتوى والمضمون، فتقع في أسر الشكلية والتقليد الذي يجمدها أو يبتعد بها عن مقاصدها أو قيمها مما يؤدي بها إلى أن تمسي أفكارا “ميتة” لا حياة فيها، أو تبقى شعارا تنطق به الألسنة دون أن تغوص في القلب أو تُصدَّق في الواقع، وإن غاصت أو صُدِّقت فإنها تكون كالقطار الذي ينطلق بسرعة ولكن بعيدا عن قضبانه أو عن هدفه الذي يرنو إليه فينطلق إلى حتفه.

الحق لا يعرف بقائله

والفكرة حين تحرم من النقد تذبل وتتراجع، إذ إن النقد هو ماء الأفكار وهواؤها، حسب تعبير الدكتور عبدالكريم بكار. إن الأفكار دائما طليقة تنتمي إلى عالم المثال الذي لا يعرف القيود. وحين تندمج الفكرة في الإنسان، وتبدأ مخاضات التجسد في الواقع العملي تكون قد كبلت نفسها بقيود الزمان والمكان وتعدد الفهم وتنوع الإمكانات. وكل ذلك يحتم نوعا من المفارقة بين الواقع والمثال.

وهذا يؤكد تأكيدا جازما أن حث الإسلام على الاجتهاد ونبذ التقليد يُعد رفضا كذلك لشخصنة الأفكار؛ إن الاكتفاء بتقليد الأئمة لا يعدو كونه شخصنة للفكر يأباه العقل السليم، ولهذا فإن المنظومة الفقهية الإسلامية قائمة في الأساس على أنه “لا يقبل قول دون دليل”، لأن العبرة بالدليل لا بشخص القائل.

يقول الإمام القرطبي تعليقا على رفض قوم نوح الانتساب إلى دينه الذي اتبعه –بحسب زعمهم– الأرذلون بادي الرأي: “والحق لا يعرف بقائله، ولكن يعرف بنفسه، ويجب قبوله دون النظر إلى قائله”، وقال: “فالحق يجب قبوله، سواء أقاله الفاضل أم المفضول، الحق أعلى من كل شيء”.

والرسالة الإسلامية لم يكن اسمها (المحمدية) –على نسق المسيحية مثلا– بل سميت باسم الفكرة ذاتها وهي (الإسلام)، فهذا فصل كامل بين العقيدة (الفكرة) وبين حامليها من الناس والرسل وغيرهم من “الأشخاص” على رفعة قدرهم ومقامهم عند الخالق سبحانه. ولهذا أطلق الدكتور محمد فتحي عثمان –رحمه الله– على الدولة الإسلامية مفهوم “دولة الفكرة” في كتابه الذي أسماه بالاسم ذاته: “دولة الفكرة”، واعتبرها هي الدولة الوحيدة في التاريخ التي قامت على الفكرة المجردة وحدها.

والكهنوتية في حقيقتها هي شخصنة للدين –نصوصه وقيمه ومبادئه المجردة– في أناس يحتكرونها من دون الناس ويقيمون أنفسهم حكما عليها وميزانا توزن به، ومثلها الكهنوتية السياسية التي تختصر الحكمة والكياسة والفطنة والذكاء والرشاد في شخص الحاكم وكلامه، وخير مثال على ذلك هو ما قال به زعيم الكهنوتيين السياسيين والدينيين على السواء (فرعون): (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) غافر (29).

ضرورة الفصل بين الفكرة وقائلها

إن الفكرة عندنا ممزوجة بشخص صاحبها وكرامته، ارفضها ترفضه معها، واقبلها تقبله، إنها شبيهة بالكلب في قول الإنجليز: (من أحبني أحب كلبي)، وقد أورد هذا التشبيه –مع تحفظنا عليه– الدكتور زكي نجيب محمود في أحد كتبه.

وكثيرا ما تطرق أسماعنا تلك العبارة التي يتداولها بعض الفقهاء في معرض التحذير من النقد لآرائهم فيقولون أن: “لحوم العلماء مسمومة”، في عملية مزج عجيبة بين الرأي أو القول أو الفتوى وقائلها، وكأن التعرض للقول بالنقد هو في ذات الوقت تعرض لقائله بتقطيع لحمه (المسموم طبعا)، وكأن بقية اللحوم الآدمية منزوعة السُمَية في حال الغيبة والنميمة (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) الحجرات (12).

إننا مطالبون بأن نجعل بين الفكرة وقائلها (حاجزا) فننقد الفكرة ونحترم الشخص، نعالج المرض دون قتل المريض، وما أشبه حال البعض في عدم الفصل في النقد بين الفكرة وقائلها من قولهم: “نجحت العملية ولكن المريض مات”.

وأنا أعي تماما أن تجسيد الفكرة في شخص ما لا يعني بالضرورة وجود خطورة على الفكرة وتجريدها بل قد يكون في تجسيدها إضافة قوية لها باعتبار أن حاملها يقوم مقام القدوة التي تؤكد على إمكانية تطبيق الفكرة وتحققها، وهذا يظهر بوضوح في حياة الأنبياء خاصة (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب (21)، إلا أن الخطورة تحدث حين يتم التبادل في ذهن الناس بين الفكرة المجردة والشخص الذي تجسدت فيه فتصبح الفكرة طوع تصرفات الإنسان، تُعرف به وتنتهي بتخليه عنها أو بموته، عندئذ تحدث المشكلة، كما في حياة الناس غير المعصومين، والكل من غير الأنبياء غير معصوم.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

هل تأملت في حياتك نهرا؟!

رائد الاتجاه العقلاني في بلاد المشرق

عالم هلامي

اظهر المزيد

د. يحيى أحمد المرهبي

أستاذ أصول التربية المساعد كلية التربية والعلوم التطبيقية والآداب – جامعة عمران. الجمهورية اليمنية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى