إصداراتمقالات

غربة ابن رشد

بونبوناتزي هو فيلسوف إيطالي وأحد أشهر أساتذة جامعة بادوفا في واحدة من أهم فترات تلك الجامعة، وهى أواخر القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر، حيث كانت تلك الجامعة هي منارة الفكر الأرسطوطالي الرشدي، ولكن الغريب أن ما رآه ذلك المفكر من الفكر الرشدي تناقض مع كل ما يقول به كل من أرسطو وابن رشد الذي زعم الإنتماء لمدرستهما، لتعيش الفلسفة المشائية تلك الأزمة التي حاربها ابن رشد من جديد، وكأنما قد كتب على المنهج العقلي البرهانى أن يعانى من سوء فهم الآخرين طوال الوقت، فعلى الرغم من أن اسهامات ابن رشد الفلسفية لا ترقى لما حققه من سبقه، فأرسطو هو أول من وضع أسس ومنهج واضح للعقل البرهانى، تبعه الكندى الذى كان أول من ترجم تلك الأعمال التي يستعصى فهمها حتى على أصحاب اللغة اليونانية، ليتبعه كلًا من الفلاسفة الكبار الفارابي وابن سينا بإسهاماتهم الجبارة في تطوير المنطق والفلاسفة، إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الإكتفاء بالنظر إلى ابن رشد كمترجم وناقل للفلسفة الأرسطوطالية لا غير، فمع ظهور “أبو حامد الغزالى” ومؤلفه الأشهر –وليس الأكثر قيمة علميًا- تهافت الفلاسفة وما طرحه فيه من مسائل ظن بها أنه قد وجه الضربة القاصمة للفلسفة، أتى ابن رشد ليعيد للفلسفة مكانتها ويظهر ما وقع فيه الغزالى من لغط فى الفهم والتعاطي مع الفلسفة، قبل أن ينتقل ليضع ملامح واضحة لتلك العلاقة الوثيقة بين النص الإلهي و العقل البرهاني، وهو ما انتقل إلى الغرب ليعاني ابن رشد وفكره ما عاناه من سبقه من الفلاسفة والحكماء من تشوش في فهم مقاصدهم على يد من ادعى الإنتماء لمدرسته كبونبوناتزي وكردانو وكريمونيني.

يبدأ هذا التشوش مبكرًا اعتمادًا على ما قال به ابن رشد في تأويل النصوص إذا ما تعارضت تعارضًا صارخًا مع العقل البرهاني، فيقول عن ذلك في كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال): “ونحن نقطع قطعًا أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن”، فما كان من بونبوناتزى ورفاقه إلا أن أخذوا مما قال به ابن رشد من إمكانية التأويل ليخرجوا بالفكرة القائلة بالحقيقتين!!، فبونبوناتزي كان من القائلين –على غرار سائر الرشديين اللاتينيين- بأن الحقيقة تتعدد، فيروا أن القضية الواحدة قد تكون صادقة عند اللاهوتى دون أن تكون كذلك عند الفيلسوف، وأن باستطاعتنا أن نؤمن بالإرادة بما لا نجد له مبررًا في العقل، فنخضع للدين مع علمنا ببطلان عقائده، في تعد صارخ ليس فقط على فلسفة أرسطو وابن رشد ولكن على الفلسفة والحقيقة بوجه عام، ظنًا منهم أن في ذلك حل رشدي لما يروه من صدام دائم بين النص والعقل، دون أي جهد يُذكر للتمعن في كلمات ابن رشد نفسه، والذي شدد على ما للتأويل من قوانين أهمها قانون التأويل العربي، وليس هذا فقط بل إن ما يرمي إليه ابن رشد هو الرفض للتأويل الظاهري والحال هكذا والإكتفاء بالتأويل لا النظر إليهما جنبًا إلى جنب.

ولكن ربما كان هذا نابعًا من التوكيد الدائم والإلحاح المستمر من ابن رشد في كتاباته على الاحتفاظ بتلك التأويلات العقلية لأهل العلم أو الراسخون في العلم كما أطلق عليهم القرآن، اعتمادًا على النص الإلهى نفسه في قوله تعالى: “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ”، أو كما يقول ابن رشد نفسه: “والذي يجب على أئمة المسلمين أن ينهوا عن كتبه التي تتضمن العلم، إلا من كان من أهل العلم؛ كما يجب عليهم أن ينهوا عن كتب البرهان من ليس أهلًا لها”، فكانت قولة الفيلسوف الكبير ترمي إلى ما قال به رسولنا الكريم في الحديث الشريف: “أمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم”، لا إلى ما ظنه الرشديون اللاتينيين من أن هناك حقيقتين مختلفتين، فكيف لمن آمن بفلسفة أرسطو التي ترى الحق واحد مطلق ثابت، ومن سبر أغوار فلسفة ابن رشد القائل: “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له” بأن يرى بأن حقيقة النص تخالف حقيقة العقل ؟!

وإنما كان ما يقول به ابن الرشد هو ما كان واضحًا للعيان من اختلاف العقول ودروبها، فمن الناس من لا يقنع سوى بالظاهر، ومن الناس من له من الحكمة والفضائل ما به يقدر على البحث العقلي، أو كما يقول: “وذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصديق: فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان، إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية”، فإن هي إلا طرق ومسالك لإيصال العقول إلى الحقيقة الواحدة الثابتة المطلقة، بل إنه قد ذكر الغاية من وجود التأويل في النص القرآنى حين قال: “والسبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن هو اختلاف فطر الناس وتباين قرائحهم في التصديق، والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينهما”.

لتكتمل محنة الفيلسوف الكبير بعد أن قضى الخليفة المنصور بنفيه وحرق كتبه، حيث لم يفرق في هذا بين ما كتبه في الفلسفة أو الطب أو الفلك، ليعاني مع أهل زمانه من الفهم المغلوط لفلسفة أرسطو وشروحاته لها، ومع من لحقه بالتشويه التام لمذهبه الفكرى الذي قال عنه الشيخ محمد عبده: “فيلسوف إلهي، ومذهبه مذهب إلهي، قاعدته العلم”، فكان ابن رشد مصداقًا لمقولته الشهيرة: “العلم في الغربة وطن، والجهل في الوطن غربة”، فكان أن عانى الغربة عن الآخرين فجهل الغزالي ومن تبعه بفكره، وجهل معاصريه بما يقول مما كان له أبلغ الأثر في أن يفقد ابن رشد حظوته وأن ينفيه المنصور إلى اليُسانة، ولتتم غربته بأن يفقد اتباعه أثره فتراهم يلصقون بفكره ما لم يجرؤ معارضيه ومنتقديه أن يلصقوه به في هدم واضح لكل ما قال به الفيلسوف الكبير الذي عاش غريبًا ومات غريبًا ليترك فكره غريبًا.

المراجع:

–         ابن رشد بين الغرب والإسلام – د. محمد عمارة

–         تاريخ الفلسفة الحديثة – د. يوسف كرم

–         ابن رشد والرشدية – إرنست رينان

–         فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من اتصال – ابن رشد

–         مسلمون ثوار – د. محمد عمارة

اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة + 8 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق