مقالات

عيد ميلاد فرحي أنا

الخطر الساطع آت!


صرخة أوجعته بسبب ما تحتويه من معنى وأفزعته بسبب ما تضمنه من دلالة، فمعناها قُرب حدوث ما كان يترقبه طيلة الأيام الماضية، وها هو الآن بينه وبين هذا الحدث تلك المسافة التي سيقطعها في هذا الأوتوبيس، وهي صرخة تدل على هذيانه وضياع تركيزه وقلقه واكتئابه وتأثر حواسه بمكنونات نفسه؛ فالغضب الساطع الخارج من المذياع والذي تغنت به فيروز لكسر قوى الشر تترجمه نفسه وحواسه إلى خطر آت من الاتجاه المعاكس كعاصفة تأكل روحه الخضراء وقواه اليابسة!

ركب الأوتوبيس وتركيزه يصب في الحفاظ على حذائه اللامع وبدلته -الكلاسيكسية المكوية- من أي مكروه يلوث مظهره الذي لو ضاع بريقه ربما سيضيع معه ما يطمح إليه اليوم، سرعان ما جلس على المقعد حتى ذهب إدراكه بعيداً عن الزمان والمكان اللذين يحتويانه، إلى أن وصل إلى هناك سريعاً قبل أن يصل جسده، هناك حيث التعقيدات التي ينتظرها في مقابلة العمل الذي يسلك إليه.
لماذا تطمح إلى هذه الوظيفة؟
سؤال هام كل إجاباته تؤدي إلى فخ، سؤال حمل همّه طول الطريق باحثاً عن الإجابة النموذجية، هل الإجابة في البحث عن مرتب أعلى؟ ولكنها إجابة قد تُعطي انطباعًا على أنه مادي لا أمان له، وقد يترك العمل باحثاً عن المزيد من المال، أو لكي يزيد خبراته في المجال الوظيفي! ولكنها إجابة نمطية كلاسيكية قد تُعطي انطباعاً على أنه منافق ومن ثم تجعل المسئولين يقلقون منه بسبب احتمال تركه للعمل باحثاً عن الأكثر خبرة! هل يقول نتيجة خلافات في عمله القديم؟ ولكنها إجابة تُعطي انطباعاً بكونه مشاغباً، أم يقول إنه لم يكن يعمل من قبل ويريح باله؟ ولكنه بذلك يُكذّب ملف السيرة الذاتية الذي معه.
ما هي الإجابة التي تُرضي المحاور وتؤيد موقفه في باقي الأسئلة؟!
تباً، هناك باقي للأسئلة!
يتعرق نتيجة التوتر، يفقد قدراً كبيراً من تركيزه، أخرج زفيره من فمه بشده نافخاً في الهواء ثم بدأ يفكر في المتاعب التي ستواجهه إذا نجح في المقابلة وحصل على الوظيفة الجديدة، هل سيقابل زملاءً سيئين متعنتين أم مديراً فاسداً ظالماً؟، المواصلات ليست جيدة؛ فالزحام يسيطر على الطريق والأوتوبيس، مكان العمل يبعد عن منزله مسافة كبيرة، سيعاني من ملل الوقت الضائع كل صباح، سيعاني من اختناق الزحام كل صباح، مازال في الشتاء والوضع سيكون أكثر قسوة في الصيف، عند هذه اللحظة عض على شفتيه صائحاً بصمت “اللعنة على كل شيء” يقتنع دائماً أنه يهرب من السيء إلى الأسوأ ولا يعلم متى ستعطيه هذه الدنيا حياة جيدة!

 المشهد من منظور آخر



عيد ميلاد فرحي أنا


جميلة هي حواسه، تطاوع نفسه وتتناغم معها، تأبى أن تعطيها مدخلات تُعكر صفوها الصافي دائماً فتنظر إلى نصف الكوب الممتلئ وتسمع الجرح فرحاً.
لا يمكن لأي أمر أن يخترق قلعة مزاجه، مسببات الدوخة والغثيان في هذا الأوتوبيس من توقف مفاجئ وزحام وعرق الآخرين لن يستطيعوا أن يكونوا وقوداً يُشعل النار الخامدة لخوف وارتباك مقابلة العمل، لن تستطيع تلك المقابلة أن تسبب له قلقاً أو ضيقاً أو حزناً، إنه يذهب إليها من أجل أن يسعد ويطمئن ومن غير المعقول أن تسبب له عكس ذلك.
ركب الأوتوبيس وخياله يطير في عنان الوظيفة الجديدة، طيبة مديره واحتواؤه له، روح الفريق والتعاون مع زملائه، شغفه بالعمل وسهره حتى ساعات متأخرة لكي ينجز المهام، المرتب الجيد الذي سيلبي احتياجاته، قيمة ما يضيفه لمجتمعه واقتصاد بلده، يتعمق في الطير إلى أدق التفاصيل، شكل مكتبه وحجمه، طلاء الحائط باللون الأبيض الذي يحبه، طبيعة أول مهمة سيتم طلبها منه، السمات الشخصية لرفاق العمل الجديد، أحدهم خفيف الظل دائم المداعبات والآخر أب جديد يشتري الحفاظات لمولوده كل يوم وهذا الذي يكون جادّاً دائماً ويعبر عن مكنونات نفسه بشكل حاد ولكنه طيب القلب يتميز بالعطاء والإيثار، يجمعهم الحب ونُبل الغاية، إن الأمور ستكون على ما يرام وسينال هذه الوظيفة، وإن لم ينلها فبالتأكيد هناك مزيد من الفرص القادمة.
خياله يأبى تركيب وصناعة الأمور بشكل سلبي، إن كان هناك أمر يحتمل أن يكون سلبياً أو إيجابياً فهو يراه بإيجابية لحين وضوح الرؤية؛ فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته وليس مداناً حتى تثبت براءته، وكذلك الأمور جميلة حتى يثبت قبحها وليست قبيحة حتى يثبت جمالها، إن القبح قاسي ويستنزف طاقاتنا فلماذا نُقدّر وقوعه قبل أن يقع؟
لم يُفق من جمال خياله إلا على أقدام طفلة صغيرة تدهس حذاءه المُلمع! فضحك ضحكة سُخرية على المجهود الذي بذله في تلميع حذائه والذي ضاع هباءً أمام حذاء هذه الصغيرة الملوث بالطين، ولكن لا يهم ذلك، سيحاول إصلاح الأمر بقدر المُستطاع، بالمناديل التي معه، بالتأكيد اللب أهم من القشر والحكم على مدى صلاحيته للوظيفة سيكون بما يملكه من خبرات ونجاحات مُسبقة وليس بما يملكه من حذاء مُلمع، انشغل بمداعبة هذه الجميلة الصغيرة البريئة صاحبة الضفيرة الطويلة حتى نزل من الأوتوبيس بخطوات ثابتة قاصداً مقصده

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق