مقالات

عيد الربيع الصيني

من المعروف بداهة أن لكل أمة أعيادها وعاداتها وتقاليدها التي تعتز وتتمسك بها وتعد من تراثها وإرثها الحضاري المتراكم على مدار الحقب الزمنية والأحداث التاريخية على مر العصور. وفي إطار أحاديثنا عن جمهورية الصين الشعبية وثقافتها وموروثها الأصيل القديم والعريق ما يجعلنا نسرد ونُعرّف بهذه الحضارة الثرية والغنية فنتكلم عن عيد الربيع في الصين.

يأتي فصل الربيع بالإشراقات والآمال والتفاؤل وقد اكتست الأرض بالخضرة وانتشرت الزهور والرياحين وغردت الطيور وطربت، وتشترك البلاد والأمم في جماله وروعته وبهائه وأناقته والفرح والبِشر بقدومه، كالعرب والفرس والصين وغيرهم.

أهمية عيد الربيع عند الصينيين

وبادىء ذي بدء فإن عيد الربيع الصيني يعدل عيد الأضحى عند المسلمين، وغيره من الأعياد المهمة كأعياد اليهود والنصارى في الأهمية والاستعداد له مع اختلاف المعتقدات والطقوس والأحوال. فعيد الربيع هو رأس السنة الجديدة وفقا للتقويم القمري الصيني، وهو من أهم الأعياد التقليدية في الحضارة الصينية ويكون في شهر فبراير، كما يتم تسمية كل عام على اسم واحد من اثني عشر من الحيوانات المختلفة من الأبراج الصينية،

وهي: التنين، والأفعى، والحصان، والخروف، والقرد، والديك، والكلب، والخنزير، والفأر، والثور، والنمر، والأرنب. حيث يستقبلونه بتحضيرات ضخمة كبيرة، فمن عاداتهم مثلا: النظافة داخل البيت وتنظيمه وغسل الملابس لكي تتزين بيوتهم بالحلل الزاهية الرائعة، ثم النظافة الشاملة بقصد ترك الأشياء البالية ونبذ القديم، واستقبال الجديد واستشراف الجميل الحسن.

ويستعد أفراد الأسرة للرجوع إلى بيوتهم من جميع أنحاء الصين وخارجها -إذا تيسر ذلك- ، ولَمّ شمل الأسرة في نسيج واحد للإحساس بدفء الجو الأسري والعاطفي، ولهذا يشتركون جميعا في إعداد الطعام بأكلاتهم المفضلة كأهل الشمال والجنوب. إن كثرة عدد الصينيين يجعل من رجوعهم إلى منازلهم انتعاشا اقتصاديا كبيرا لاستخدامهم وسائل المواصلات المختلفة كالطائرات والقطارات السريعة والسيارات وغير ذلك، وكذلك شراء الملابس الجديدة والأطعمة المختلفة وأنواع المشروبات تيمنا وانشراحا بالعام الجديد.

عن كيفية التجهيز للاحتفال بالأعياد

كل شيء عند الصينيين بحساب، فالحكومة تحسب التجارة الداخلية والاستهلاك كالبيع والشراء والمواصلات، والتجارة الخارجية وهذا تماما ما يجعلهم يعرفون أين يقفون، وكيف يسيرون، وماذا سيفعلون في المستقبل، وقد جاء في بعض الإحصاءات أن حجم استهلاك الشعب الصيني خلال فترة عيد الربيع شكل ثلث حجم استهلاكهم السنوي وهذا يشير إلى قوة حجم الشراء والإنفاق.

والأعياد في الصين تتخذ أشكالا مختلفة ومذاقات خاصة؛ معاناتهم ومقاساتهم في السابق تجعلهم يحاولون تعويضها بالعيش الرغيد وشم نسيم الحرية والسلام والحياة الكريمة الهنيئة.

إن الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي ينعكس بالإيجاب على الشعب في أوقات النزهة واستغلال العطلات والإجازات والأعياد والاستمتاع بهذه الأوقات مع الأسرة أو منفردا إلى أقصى حد ممكن، ففرص العمل التي تعود بالدخل المعقول لشراء المتطلبات والمستلزمات، وتوفير الأماكن وتجهيزها بأحدث الأساليب والأنماط، وتهيئة الناس وعدم معاناتهم ورضاهم، تجعل من البلد نسيجا واحدا ومتوافقا ومنسجما، والمشي في اتجاه واحد لتحقيق أهداف مشتركة، ومن ثم نجاح الخطط والمستقبل الواعد للأجيال المتعاقبة.

وإدخال الفرح والسرور على الصغار يهتم به الصينيون غاية الاهتمام، فالأطفال لهم دور كبير في الأعياد، الأهل والأقرباء والأصدقاء يجلبون لهم الهدايا والمعايدة، ويتم دعوة الآخرين لتناول الأطعمة الشهية مثل أكلة (يوان شياو) وهي محشوة بالمكسرات والحلويات والتي ترمز لِلَم شمل العائلة، والشراب كشرب الشاي وغيره لتتم البهجة والفرح،

وتبادل التهاني كقول: كل عام وأنتم بخير، أو عيد سعيد، وغير ذلك من عبارات التهنئة. فبداية عام وتوديع آخر ينبغي النظر إليه نظرة اعتناء وأهمية في جميع الأعياد والمناسبات والتي ينبغي أن لا تمر مرور الكرام؛ الإنسان يحتاج دائما الجديد لتجديد طاقاته الإيجابية وترك ماضيه وإخفاقاته ومعتقداته السلبية.

وسائل الترفيه في عيد الربيع

ومن وسائل الترفيه كذلك تعليق الزينات والمصابيح ومشاهدة البرامج التليفزيونية الثقافية المختلفة المُعدّة سلفا والتي تبدأ من الساعة الثامنة مساء إلى صباح اليوم التالي للسنة الجديدة، وبعض الألعاب للتسلية كالكوتشينة، وإشعال المفرقعات المثيرة والمتنوعة للتعبير عن سعادتهم بالعام الجديد -والصين من أوائل البلاد في العالم التي اخترعت الألعاب النارية، ومع أساليب التقدم والرفاهية يأخذ البعض اتجاها آخر للتعبير عن الاحتفال والفرحة والاستمتاع بالعيد وهو السفر إلى الخارج في دولة ما تشتهر بالسياحة أو دولة لم يتم زيارتها من قبل.

تقوم الكثير من المحطات التليفزيونية بإعداد فقرات مختلفة ورائعة كالمسرحيات والبرامج الفكاهية والأفلام السينمائية التي تناسب جميع الأعمار والمستويات الثقافية والألعاب المشهورة والمحببة في البلاد مثل: رقصة الأسد والتنين.. إلخ.

وتنتشر الزهور والنباتات والمناظر الطبيعية في جميع أنحاء البلاد، وفوانيس العيد الكثيرة المزخرفة والملونة وهي أشغال فنية تقليدية شعبية صينية ازدهرت على مدار العصور المختلفة حيث يتم طبع أنواع من الحيوانات والمناظر الطبيعية، وتكون باللون الأحمر الذي يرمز إلى الحماسة والقوة والحيوية عند الصينيين.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

الصين: تقدمها وحفاظها على الهوية

كونفوشيوس الحكيم التربوي

ميدان تيان آن مَنْ

اظهر المزيد

د. وائل زكي الصعيدي

خبير مناهج وطرق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها/ جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية

محاضر في: جامعة الدراسات الأجنبية كلية العلوم الإسلامية الصينية / بكين – الصين

دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

ماجستير في أدب الأطفال، ودبلوم خاص في المناهج وطرق التدريس، رئيس قسم الموهوبين بإدارة ميت أبو غالب التعليمية دمياط سابقاً

عضو اتحاد كتاب مصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى